اتسعت دائرة أعمال الشغب الليلي في جميع أنحاء فرنسا، حيث عاشت البلاد على وقع حرق السيارات وإشعال النار في المباني وعمليات نهب للمحلات والمراكز التجارية.
باريس ـ «القدس العربي»: عاشت فرنسا هذا الأسبوع على وقع أجواء من الغضب والعنف المدني الخطير، والمتواصل حتى الآن، على خلفية مقتل المراهق نائل، البالغ من العمر17 عاماً برصاص أحد أفراد الشرطة بعد رفضه الامتثال لعملية تفتيش، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة مجدداً الجدل حول سلوك قوات الأمن الفرنسية (قتل ثلاثة عشر شخصاً حتى الآن منذ عام 2022 بعد رفضهم الامتثال لعمليات تفتيش مرورية) وقضية «قوات الأمن والعنصرية» في ضواحي فرنسا التي يقطنها أصحاب الدخل المحدود المتحدرون من مختلف العرقيات.
كان نائل المرزوقي، البالغ من العمر 17 عامًا، يقود سيارة مرسيدس صفراء اللون مستأجرة، ومع شخصين آخرين في السيارة، قبل أن يوقفهم عناصر الشرطة في إطار عملية تدقيق مروري في ضاحية نانتير الباريسية، ويطلق أحد رجال الشرطة النار على السائق حين حاول الفرار. بررت الشرطة هذا بالقول إن الشاب كان يقود سيارته بسرعة كبيرة ولم يحترم التوقف عند إشارة المرور الحمراء. كما ذكرت مصادر في الشرطة، في البداية، أن نائل، حاول دعس الشرطيين بسيارته، إلا أن مقطع الفيديو الذي وثّق الواقعة وتم تداوله بشكل كبير على منصات الاتصال الاجتماعي يفند تماماً هذه الرواية. ففي هذا الفيديو، الذي أكدت وسائل إعلام فرنسية التحقق من صحته، يَظهر الشرطيان يستجوبان السائق نائل ويبدو أن أحدهما يوجه مسدسًا نحوه مباشرة، قبل أن يطلق عليه النار عبر نافذة السيارة حين حاول الانطلاق بها. غادرت السيارة الطريق وتوقفت. يتلقى السائق الإسعافات الأولية لكنه توفي في مكان الحادث، بينما فر راكب واعتقل الراكب الآخر.
وبينما، أعلن المدعي العام في ضاحية نانتير أنه يبدو أن المراهق نائل ارتكب في السابق عدة مخالفات مرورية وكان معروفًا بالفعل لدى الشرطة بسبب المرات السابقة التي رفض فيها التعاون معها، أعلنت عائلة المراهق، عبر محاميها، عن عزمها مقاضاة الشرطة بتهم، بينها القتل العمد. في حين، فتحت الشرطة تحقيقات في التصرفات المزعومة التي ارتكبها نائل والشرطي، الذي وجهت إليه، يوم الخميس، تهمة القتل العمد وتم وضعه رهن التوقيف الاحترازي.
دوافع عنصرية؟
ومع غروب شمس اليوم نفسه، اندلعت أعمال شغب عنيفة، تتصدرها مجموعات من الشباب والمراهقين، في ضاحية نانتير الباريسية، متجاهلين دعوات وزير الداخلية جيرار دارمانان إلى «الهدوء» في انتظار «ظهور حقيقة التحقيق القضائي». غداة ذلك، قادت والدة الشاب الراحل مسيرة سلمية، شددت خلالها أنها لا تلوم كل رجال الشرطة، بل إن لومها ينصب كله على الشرطي (محتجز) الذي أطلق النار على ابنها، متهمة إياه بأنه قتل ابنها بدافع عنصرية، قائلة: «رأى وجهاً عربياً … صبياً وأراد قتله». وقد بعث الشرطي برسالة، عبر محاميه، اعتذر فيها للأخيرة، معبراً عن «حزنه» لما حدث.
اتسعت دائرة أعمال الشغب الليلي التي استمرت في جميع أنحاء البلاد، لاسميا في ضاحية نانتير، حيث حصلت عملية إطلاق النار، ولكن أيضًا في مدن مرسيليا وليون وتولوز وليون وليل…إلخ؛ حيث عاشت البلاد على وقع حرق السيارات وإشعال النار في المباني وعمليات نهب للمحلات والمراكز التجارية (احترقت حوالي ألفي سيارة ونهبت عشرات المتاجر خاصة في قلب باريس). هذا بالإضافة إلى مواجهات بين محتجين شباب ومراهقين مع الشرطة، أسفرت عن تسجيل أكثر من سبعة آلاف عملية توقيف في صفوف المحتجين، وإصابة حوالي ثلاثمئة رجل أمن؛ في مشاهد تعكر صفو صورة فرنسا، باريس خاصة، التي تستعد لاحتضان أولمبياد عام 2024 وأعادت إلى الأذهان أعمال الشغب التي عرفتها البلاد خلال أزمة «السترات الصفراء» وأبعد من ذلك أحداث الضواحي عام 2005.
لمواجهة هذا الوضع الخطير والحساس، بما في ذلك من حيث التّوقيت، أعلن وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان عن تعبئة حوالي45 ألفاً من رجال الشرطة والدرك، لمحاولة وقف العنف المدني الذي يهز فرنسا منذ مقتل نائل، البالغ من العمر17 عاماً، يوم الثلاثاء الماضي على يد شرطي خلال تفتيش مروري. كما تحدث الوزير الفرنسي عن «وسائل استثنائية» بما في ذلك تعبئة المزيد من الوحدات المتخصصة، على غرار مجموعة التدخل التابعة لقوات الدرك الوطنية (GIGN) كما أعطي للدرك الضوء الأخضر لإنزال عربات مصفّحة إلى الشوارع.
وتجنباً لتجاوزات أخرى، أعلنت الحكومة الفرنسية عن جملة من التدابير الاحترازية، بما في ذلك إلغاء فعاليات واسعة النطاق تفاديا للتجمعات التي قد تشكل مخاطر على النظام العام حسب الأوضاع المحلية، وفق ما أعلنت رئيستها إليزابيت بورن، عقب اجتماع أزمة طارئ ترأسه الرئيس إيمانويل ماكرون يوم الجمعة. وبالتالي، تم إلغاء الحفلين الموسيقيين للمغنية العالمية ميلين فارمر ليلتي الجمعة والسبت في «ستاد دو فرانس» الواقع في ضاحية سين سان دوني، بالإضافة إلى فعاليات موسيقية أخرى. كما تم إلغاء حفلات نهاية العام الدراسي التي كانت ستنظمها العديد من الثانويات والكليات في منطقة إيل دو فرانس- أي باريس وضواحيها، بعد تعليمات لتجنب التجمعات المسائية بالقرب من المؤسسات. وكان وزير التربية الوطنية باب نجاي، قد دعا، مساء الخميس، عمداء الأكاديميات إلى «اليقظة» و «تأمين المباني».
كما طالب وزير الداخلية جيرار دارمانان محافظي الشرطة بإيقاف النقل العمومي (ترامواي والحافلات) في جميع أنحاء البلاد اعتباراً من الساعة التاسعة ليلاً من أجل الحد من انتشار أعمال الشغب التي تستهدف أيضًا البنية التحتية للنقل. من جانبها، صادقت المحكمة الإدارية على حظر التجول المطبق في ضاحية كْلامارْ الباريسية، وفي بلديات أخرى. وأيضاً، تم حظر المظاهرات «ضد العنصرية والجريمة وعنف الشرطة» في باريس وفي وسط مرسيليا وليون وبوردو وحتى تولوز. لكن مئات الأشخاص نزلوا إلى الشوارع على الرغم من كل شيء، لا سيما في مونبلييه، رافعين لافتات تطالب بـ «حل جهاز الشرطة».
مسؤولية الوالدين
وفي حين، دعا وزير العدل إريك دوبوند موريتي إلى رد قضائي «سريع وحازم ومنهجي» ضد مرتكبي أعمال العنف، بمن فيهم المراهقون وعددهم كثير، وضد والديهم، الذين تقع عليهم مسؤولية أبنائهم القصر الجنائية، وبالتالي، فهم مسؤولون أيضًا عن الدفع خاصة فيما يتعلق بالجرائم الجنائية التي يرتكبها أطفالهم القصر. علاوة على ذلك، يتعرض مثيرو الشغب الذين يتورطون في أعمال النهب لعقوبات شديدة لا سيما في حالة السرقة المشددة، والتي يعاقب عليها بالسجن لمدة خمس سنوات وغرامة قدرها 75 ألف يورو. يمكن بعد ذلك زيادة العقوبة إذا تمت إضافة أسباب أخرى إلى الأولى، مثل مهاجمة حافلة مخصصة للنقل العام، وفق ما أورد موقع إذاعة «أوروب1» نقلا عن أراش ديرمبارش، المحامي المنتمي لنقابة المحامين بباريس، مضيفا التوضيح أنه يمكن أن يُحكم على أي فرد يُدان في ظرفين مختلفين على الأقل، بالسجن سبع سنوات وغرامة قدرها 100 ألف يورو، من ثلاث ظروف مشددة تكون العقوبة السجن عشر سنوات وغرامة قدرها 150 ألف يورو.
وقد دعا رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون الآباء إلى «تحمل المسؤولية» منتقداً «استغلال» وفاة نائل سياسياً. كما طالب مسؤولي شبكات التواصل الاجتماعي (سناب شات، وتيلغرام، وتيك توك) التي فرضت نفسها كعوامل رئيسية في نشر مقاطع الفيديو التي تُظهر حجم أعمال الشغب التي أشعلت النيران في العديد من المدن على خلفية مقتل الشاب نائل «بإزالة» المحتويات التي تحرض على العنف والكراهية والتخريب، قائلا إنه يتوقع «روح المسؤولية» من منصات التواصل الاجتماعي الكبرى، حيث يتم التنسيق وتنظيم «التجمعات العنيفة» والتي تثير أيضاً شكلاً من أشكال محاكاة العنف.
خطر الشبكات الاجتماعية
وطلبت الحكومة من هذه المنصات «الانخراط النشط في إزالة الرسائل التي يتم الإبلاغ عنها على وجه السرعة، وتحديد مستخدمي الشبكات الاجتماعية الذين يشاركون في التحريض على العنف والكراهية والتخريب». واعتبر صحف ومحللون سياسيون أن منصات التواصل الاجتماعي، كان لها دور كبير في تأجيج العنف والنهب والتخريب، مع التحاق العديد من الشباب والمراهقين بالمواقع التي نشرت منها مقاطع فيديو توثّق لعمليات نهب محلات تجارية ومبان عامة. وقد ردت شركة «ميتا» بالتوضيح أن لديها «سياسيات واضحة تحظر أي محتوى يحرض على الكراهية والعنف على فيسبوك وانستغرام».
ومع استمرار العنف والخشية من اتساع رقعته، أعلنت الحكومة الفرنسية، على لسان رئيستها إليزابيت بورن، أن يتم دراسة كل الخيارات من أجل استعادة النظام العام، قائلة: «سيتم فحص جميع الفرضيات: مع إعطاء الأولوية لعودة النظام الجمهوري في جميع أنحاء البلاد» وذلك رداً على سؤال حول احتمال فرض حالة الطوارئ، التي دعا العديد من الشخصيات اليمينية واليمينية المتطرفة إلى تطبيق «فوري» لحال الطوارئ، التي تسمح لوزير الداخلية بحظر التظاهرات والمواكب والمسيرات والتجمعات على في الأماكن العامة، وإنشاء محيط حماية لضمان أمن مكان أو حدث، وحظر بعض الاجتماعات العامة أو إغلاق الأماكن العامة ودور العبادة، وعمليات البحث الإدارية، ومصادرة الأشخاص أو الوسائل الخاصة، وحجب المواقع التي تدعو أو تمجد الأعمال الإرهابية، إلخ، وذلك بحجة أن الإعلان عن هذا الوضع الاستثنائي من شأنه تسريع عملية «استعادة النظام العام والسلام» وفق هذه الشخصيات اليمينية، واليمينية المتطرفة، في مقدمتها مارين لوبان. غير أن الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا أولاند (اشتراكي) قال إن حال الطوارئ التي تطالب بها بعض الشخصيات السياسية «ليست أفضل طريقة للعمل اليوم» معتبراً أن الوضع الحالي «خطير للغاية» ومشددا على أنه «لا غنى عن الحوار».
ومع تزايد الخشية من انفلات الأمور نحو ماهو أخطر، ناشد قائد المنتخب الفرنسي لكرة القدم كيليان مبابي وزملاؤه في المنتخب، بوضع حد لأعمال الشغب، حيث طالبوا في رسالة طويلة نقلها نجم الكرة الفرنسية على تويتر بـ «التهدئة» مؤكدين أن العنف يجب أن يفسح المجال لـ «طرق سلمية وبناءة أخرى للتعبير عن الذات». وتأتي دعوة التهدئة هذه في وقت تحدثت فيه مذكّرة استخباراتية، نقلها مصدر في الشرطة، عن أن أحداث الشغب والعنف التي أشعلها مقتل المراهق نائل قد تشهد «تعميماً» خلال «الليالي المقبلة» وتتوسع في نمطها لتشملها «عمليات تستهدف الشرطة ورموز الدولة».