إن المتتبع للإعلام العربي في تعامله مع العدوان الإسرائيلي على غزة يلاحظ فشلهم الذريع في هذا المجال. نحن لا نتحدث عن الإعلام الرسمي لغالبية الدول العربية، والتي تعاملت بطريقة سلبية مع هذا الموضوع القومي والإستراتيجي، بل قد تكون منحازة إلى العدوان الإسرائيلي في كثير من الأحيان – كما شاهدناه في بعض القنوات المصرية -. لكننا نتحدث عن فضائيات تحسب لصالح القضية الفلسطينية، و مقاومتها الباسلة في غزة، ومع ذلك نشاهد أنها ترتكب أخطاء – أرى أنها – فادحة.
ففي الوقت الذي تسعى إسرائيل إلى إخفاء خسائرها المادية والبشرية رغم قلتها، لما لذلك من آثار سلبية على معنويات جنودها ومواطنيها، نجد القنوات العربية تركز بالدرجة الأولى على إظهار خسائرها. يتم ذلك من خلال إظهار مظاهر بشعة للقتل والدمار والتي يتعرض لها الفلسطينيون، وهي تركز عليها وتكرر إظهار مشاهدها على مدار الساعة، مما يصدم المشاهد العربي ويزيد من مآسيه.
كما أن الإعلام العربي يركز على التصريحات الإسرائلية والغربية المناوئة للقضية الفلسطينية، كتصريحات المجرم نتانياهو ووزير خارجيته ومسؤوليه العسكريين ويتم تكريرها، إلى تصريحات الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته المنحازة لإسرائيل والمناوئة لقضايا العرب العادلة. تسمح الفضائيات العربية أيضا بإظهار محللين سياسيين إسرائيليين على شاشاتها، وتكرر إظهارها لأيام، بدعوى إفساح المجال للرأي الآخر. في حين تنذر المقابلات التي يتم إجراؤها مع محللين سياسيين ملتزمين بقضية المقاومة. وإن تم عرضها فلا تمنح القدر الكافي من الوقت والعناية، وهو ما يساهم في خدمة إسرائيل مجانيا ولو بطريقة غير مقصودة.
قد يكون الهدف من إظهار بشائع وجرائم الجيش الإسرائيلي توثيق الجرائم الصهيونية، وهو شيء مهم في حدّ ذاته، إلا أن طريقة تقديمها إلى المشاهدين، يجب إعادة النظر فيها. وذلك لوجود شريحة واسعة من العرب المشاهدين الذين يتابعون الأحداث على مدار الساعة، وهم يتألمون لما يشاهدونه على هذه الشاشات التي تساهم في تعزيز آلامهم وتعميق جراحهم وشعورهم بالإحباط واليأس.
لقد ملّ المشاهد العربي من المظاهر البشعة، مظاهر وأخبار الانهزام، وصور الألم والفقر والتخلف والجراح والممارسات اللا إنسانية التي يعاني منها العرب والمسلمون والوطنيون المخلصون في مختلف مناطق الوطن العربي وخارجه، وعلى الأخص فيما يتعلّق بأخبار فلسطين.
وقد فرح العرب ببروز عدّة جوانب إيجابية في المشهد العربي، من خلال إنجازات المقاومة الإسلامية في غزة، وعلى الأخص مفاجآت كتائب عبد الله القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في مجالات عسكرية عجزت دول عربية «تعتبر نفسها كبيرة» عن تحقيقها. ومن هذه المفاجآت، نجد الصواريخ بعيدة المدى والطائرة بدون طيار، ومنظومة الأنفاق، والنجاح في أسر الجندي الإسرائيلي وعدد قتلى العدو الصهيوني رغم تكتمه عن خسائره. كما أفرزت هذه الحرب عددا كبيرا من الجرحى الإسرائيليين، والذين سيصبح عدد كبير منهم معوقين عبرة للمعتدين، وقد اعتادوا على الاعتداء دون دفع الثمن. كما أن ذلك سيكون عبرة حيّة للأجيال القادمة من الإسرائيليين.
وهي جوانب إيجابية أشرقت في ظلامنا المتوالي، كان بإمكان الإعلام العربي إلقاء الضوء عليها، وإبرازها، والتركيز على خسائر الإسرائيليين وكشف ما يحاولون إخفاءه. كما يمكن منح حيز أكبر للحديث عن المقاومة وإبراز قواتها وإنجازاتها، مما يساهم في إرهاب العدوّ وإدخال – ولو قليل من السرور – إلى المتابعين لأحداث غزة على القنوات العربية.
لذا يجب إيجاد نوع من التوازن في الأخبار والصوّر، وعدم الاكتفاء بمراسلين على أبواب المستشفيات لاستقبال أخبار القتلى والجرحى والمشوهين والمظاهر الحزن والأسى والصراخ والعويل والآلام، وصور أفواج الفلسطينيين المشيعين للشهداء، وما يصاحب ذلك من مظاهر الحزن والأسى. كما يتم التركيز على رصد عدّاد القتلى والجرحى من الفلسطينيين من ضحايا العدوان الإسرائيلي، وإجراء مختلف المقابلات مع أهل الضحايا وإظهار مآسيهم. وهي ممارسات تعجز عن إظهار مآسي الإسرائيليين وخوفهم وهروبهم المستمرّ إلى الملاجئ ورصد جرحاهم في مستشفياتهم ومظاهر دفن مواتهم في المقابر، وبذلك يمكننا ملاحظة نوع من التوازن في الأخبار المعروضة. ذلك أن عمل المراسلين الصحفيين لا يجب أن ينحصر في هذا النشاط رغم أهميته، بل يجب إرسال مراسلين عسكريين حقيقيين لتتبع إنجازات المقاومة، وملاحظة آثارها وضرباتها الموجعة في صفوف الإسرائيليين، سواء داخل غزة أو خارجها. كما أن ذلك قد يساهم في مساعدة المقاومة على تسديد ضرباتها، وتوجيهها إلى ما قد يساعدها في تحقيق أهدافها.
إن عهد الأحزان والهزائم قد ولّى من خلال ما أنجزه أبطال المقاومة في غزة. حيث غير المقاومون في طريقة استعدادهم العسكري لمواجهة إسرائيل فحققوا نجاحات مُبهرة، سواء من خلال تهريب الأسلحة إلى القطاع – رغم الحصار الخانق -، أو من خلال جهودهم في الإبداع والتصنيع، مما أبهر الجميع بنجاحهم.
يبقى على وسائل الإعلام مواجهة التحدّيات، ومسايرة التطوّر الذي يعرفه الواقع العربي سريع التطوّر من تحوّلات، والسعي إلى تغيير أساليب تغطية الأحداث التي تخص القضايا العربية المصيرية. ذلك أن الأساليب التي تعتمدها حاليا في التغطية الإعلامية يشوبها الكثير من السلبيات، مما يتطلب إبداع أساليب جديدة لتجاوز نقائصها، حتى تصل إلى مستوى خطورة التحدّيات، ومسايرة إنجازات المقاومة الإسلامية في غزة.
كلّ ذلك يساهم دون شك في رفع معنويات المشاهدين العرب ويحزن أعداءهم، وهو دور محوري وأساسي في النشاط الإعلامي العربي الملتزم، وهدف يتطلب الالتزام بوضعه نصب عينيه والسهر على تجسيده.
بوفلجة غيات