الناصرة – “القدس العربي”: تتصاعد الأزمة السياسية داخل إسرائيل وتقترب هذه من انتخابات عامة رابعة في غضون عامين بعدما أقدم وزير أمنها بيني غانتس على تشكيل لجنة تحقيق وزارية للتحقيق فيما يعرف بـ ” قضية الغواصات ” التي تعتبر مناكفة لرئيس حكومتها نتنياهو ومحاولة التشكيك به مما يعمق أزمة الثقة بين طرفيها. وأعلن غانتس بشكل مفاجئ عن تعيين اللجنة داخل وزارته للتحقيق ببيع ألمانيا عدد من الغواصات لـ إسرائيل أكثر من حاجة الجيش لها ودون التشاور مع وزير الأمن وقائد الجيش قبل ست سنوات. وحسب تحقيق القناة الإسرائيلية 13 التي كشفت عما وصفته بـ قضية أو فضية الغواصات فقد بادر رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو عام 2014 إلى الاتصال مع شركة ألمانية لاقتناء غواصات وكانت حاجة الجيش 4-5 غواصات لكن الصفقة شملت اقتناء 11 غواصة وبارجة عسكرية وبما يتجاوز الحاجة العسكرية. وكشف التحقيق أن صفقة ابتياع الغواصات والزوارق الحربية باهظة الثمن وتقدر بمليارات الدولارات قد تمت من خلال وساطة محامي هو ابن عم نتنياهو حاز على 13 مليون يورو كـ أجرة له مما أثار شبهات بالفساد. وزادت التساؤلات بشكل أكبر عندما كشف التحقيق لاحقا أن إسرائيل وافقت على قيام الشركة الألمانية ببيع غواصات لمصر بعكس التوجهات الإسرائيلية التقليدية برفض ذلك وممارسة الفيتو الممنوح لها وفق اتفاق تاريخي بين إسرائيل وألمانيا يقضي بألا تبيع ألمانيا غواصات لدولة عربية دون موافقة إسرائيلية وذلك كـ جزء من التعويض عن المحرقة وعقدة الذنب. وحسب التحقيق التلفزيوني تم كل ذلك منذ بداية الصفقتين دون قيام نتنياهو بـ إطلاع الجيش والمؤسسة الأمنية ولا حتى وزير الأمن وقتذاك موشيه ياعلون على ما حصل.
فضيحة خطيرة
ولذا يوّجه ياعلون،خصم نتنياهو اليوم اتهامات قاسية لنتنياهو ويعتبر أن قضية الغواصات الألمانية تعتبر فضيحة خطيرة بل الأخطر منذ قيام دولة الاحتلال عام 1948. من جهته كان غانتس قد وعد الإسرائيليين بتشكيل لجنة تحقيق كـ هذه قبيل الانتخابات العامة في مطلع العام الجاري حينما خاضها وهو رئيس لـ حزب ” أزرق – أبيض ” قبل انقسامه طارحا بديلا لنتنياهو. وبعد دخوله حكومة وحدة وطنية وتسببه بـ انشقاق حزبه لشطرين قال غانتس قبل شهور إنه عدل عن رأيه بتشكيل لجنة تحقيق في قضية الغواصات لأنه يريد منح حكومة الوحدة الوطنية مع نتنياهو فرصة لتحقيق أهدافها وخدمة الإسرائيليين خاصة مكافحة الكورونا.
وقال غانتس إن “الدولة بحاجة إلى إحدى إمكانيتين: إما ميزانية وحكومة تؤدي مهامها، أو الذهاب إلى انتخابات وتابع ” اعتقد أن إسرائيل بحاجة إلى ميزانية وحكومة تؤدي مهامها لكن في هذه الأثناء، نتنياهو يصر على رفضه المصادقة على ميزانية بخلاف الاتفاق بيننا. سنفعل ما ينبغي فعله. وأنا موجود في هذه الحكومة من أجل خدمة سكان دولة إسرائيل ومحاربة وباء كورونا. ولست موجودا في هذه الحكومة من أجل خدمة نتنياهو. وفي الوضع الذي نتواجد فيه، وفيما بصعوبة يُعقد اجتماع للحكومة ويدخلون إلى أجندتها مواضيع بحجم طابع بريد، فأي دولة هذه؟ وأنا لست مستعدا لتحمل مسؤولية حكومة لا تقوم بعملها. والدولة تعمل اليوم على نيران هادئة لأن نتنياهو منشغل بمواضيع أخرى. نتنياهو يفكر بالمحكمة أولا. فلتكن فوضى “. كما قال غانتس في حديث لصحيفة ” يديعوت أحرونوت ” إن نتنياهو يدير كل شيء في إسرائيل على نار هادئة لأنه منشغل في نفسه. وقال غانتس إنه يرى بنفسه مرشحا لرئاسة الحكومة في الانتخابات المقبلة، مشددا على أن ” أزرق- أبيض ” برئاسته سيقود معسكر الوسط في الانتخابات القريبة وإنه من يشاء بإمكانه الانضمام إليه، وهناك عدة خيارات”.
لكن معلقين ومراقبين إسرائيليين كثر اعتبروا أن هذه ضربة استباقية يقوم بها غانتس بعدما فهم أن نتنياهو لن يحترم اتفاق التناوب على رئاسة الوزراء معه وأن الحكومة هذه لا يمكن أن تستمر في عملها بسبب أزمة الثقة بين مكونيّها. وأوضح المحلل للشؤون السياسية في القناة 13 الصحفي رفيف دروكر أن غانتس بخلاف تصريحاته المعلنة يتحرك بدوافع سياسية انتخابية في محاولة للانتقام من نتنياهو على تنكره للشراكة الحقيقية معه ولتعزيز صورته ومكانته السياسية بعد تراجع شعبيته في استطلاعات رأي متواترة تظهر عدم رضى جمهوره عن ضعفه وعجزه وقلة حيلته مقابل نتنياهو وتابع ” يبدو أن غانتس أراد فرض موعد لانتخابات عامة تكون في الربيع القادم بخلاف رغبة نتنياهو الذي كان يفضل اختيار موعد آخر يلائم احتياجاته للانتخابات العامة قبل حلول موعد التناوب على رئاسة الحكومة مع غانتس”.وعين غانتس القاضي المتقاعد امنون ستراشنوف رئيسا للجنة والتي كشف عن أعضائها ايضا بعدما كان أجرى في الأسابيع الأخيرة مشاورات كثيرة مع مسؤولين أمنيين وقضائيين سابقين، أطلعهم على المعلومات المتوفرة لديه بخصوص القضية. وفي أعقاب ذلك وصل غانتس إلى نتيجة أن عليه تعيين لجنة تحقيق تابعة لوزارة الأمن حتى تكشف عن جزء من العمليات التي أدت إلى شراء الغواصات وأدوات الغوص العسكرية، والتحقيق بالإجراءات وطريقة تنفيذ الاتصالات.
من جانبه عقب رئيس الائتلاف ميكي زوهار (الليكود) على قرار غانتس وقال إن “قرار غانتس اقامة لجنة تحقيق بقضية الغواصات هي نوع من التحدي لحزب الليكود وزعيمه. وتابع في تصريحات إذاعية ” رغم أن غانتس يدرك جيدا أن نتنياهو غير متورط بتاتا بقضية الغواصات لكنه يعمل على تشويه سمعته ويخاطر بوحدة الائتلاف الحكومي”. ومنح غانتس أعضاء اللجنة أربعة أشهر حتى تقديم التقرير النهائي ، وأمر أعضاء اللجنة العمل مع جميع الخبراء المهنيين في وزارة الأمن، وأنه يجب عليهم أداء عملهم بصورة مستقلة بدون أي تدخل سياسي، وشدد غانتس على أن استنتاجات اللجنة سيتم نشرها بشكل شفاف أمام الجمهور. وينوه خبراء قضائيون أن اللجنة ليس من صلاحيتها أن تجري محاكمة جنائية أو الزام الشهود على الخضوع للتحقيق ولا تستطيع تقديم أدلة على تورط نتنياهو لكنها بمثابة ” قنبلة سياسية إعلامية ” من شأن استخلاصاتها إلقاء الضوء على طريقة إدارة نتنياهو للدولة بطريقة فوضوية والأم بشكل مريب يثير الشكوك حول نظافة اليد. ولذا هاجم حزب الليكود غانتس بعد قراره إقامة لجنة تحقيق حكومية لقضية الغواصات وقال الحزب في بيان “فقط قبل أربعة أشهر، غانتس قال إنه لا يوجد سبب للتحقيق بالموضوع لأنه حتى المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية لم يجد أنه من الصحيح فتح التحقيق، وقال إنه يكتفي بذلك “. وأضاف البيان متسائلا ساخرا :”ما الذي تغير بعد أربعة أشهر؟ غانتس لا ينجح بالنهوض من الهاوية في صناديق الاقتراع لذلك هو يعيد تدوير الغواصات من أجل كسب الأصوات في الوقت الذي ينشغل فيه حزبه في خلافات داخلية”. وقال الليكود أيضا إن الإسرائيليين أذكياء وقادرون على تمييز هذه الحيل، من المفضل ان ينضم ” أزرق أبيض” إلى الجهود التي يبذلها رئيس الحكومة لإنقاذ مواطني إسرائيل وإحضار اللقاحات بدل الانشغال في الألاعيب السياسية. وكان رئيس الائتلاف الحكومة النائب ميكي زوهار (الليكود) هاجم غانتس بعد الإعلان عن لجنة التحقيق معتبرا أن قرار إقامة اللجنة هو نوع من التحدي لليكود ومن يتزعمه، رغم أن غانتس يدرك جيدا انه يوجد لنتنياهو أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالقضية، لكنه يعمل على تشويه سمعته مع المخاطرة بوحدة الائتلاف الحكومي. من جانبه بارك وزير الأمن ورئيس هيئة الأركان الأسرائيلية الأسبق موشيه يعالون (تحالف هناك مستقبل- تيلم) القرار مشددا على” اهمية اقامة لجنة تحقيق رسمية في حال فشلت هذه اللجنة اجبار نتنياهو واخرين على الإدلاء بشهادتهم أمامها” مطالبا بتحقيق شامل وأساسي بالموضوع.
كما أدان رئيس حزب اليسار الصهيوني ” ميرتس ” نيتسان هوروفيتش سلوك نتنياهو مجددا وقال في تعقيبه إن “قضية الغواصات هي قضية الفساد الأصعب والأخطر في تاريخ إسرائيل وتابع ” لذلك يجب على اللجنة أن تحقق مع المستوى السياسي وعلى رأسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. من جهتها توجهت ” حركة نزاهة السلطة ” في إسرائيل إلى غانتس بطلب إقامة لجنة تحقيق رسمية بقضية الغواصات وليس لجنة وزارية فحسب كي تكون نتائجها ملزمة وصارمة. يذكر أن الشرطة الإسرائيلية حققت في صفقة الغواصات الجديدة وقطع بحرية عسكرية، وقدمت النيابة العامة لوائح اتهام ضد مسؤولين سابقين في مكتب رئيس الحكومة، تبين منها أنهم جنوا أرباحا مالية من الصفقة. لكن الشرطة الإسرائيلية وكذلك المستشار القضائي للحكومة، أفيخاي مندلبليت، قرروا أن نتنياهو ليس ضالعا في القضية”.