فقط سبب واحد ربما يفسر تقريباً ما حدث في مصر

حجم الخط
8

الثورة الشعبية المصرية في 25 كانون الأول (يناير) 2011 كانت على قلب امرء واحد – فريقا واحداً وحشدا واحداً وهتافاً واحداً، وكان الهدف واحداً وهو
خلع مؤسسة مافيا مبارك والدخول في عملية انتخابية ديمقراطية، يُنتخب من خلالها رئيس للبلاد مباشرة من الشعب كسائر بلدان الأوادم. المهم أن ذلك قد حدث كما في كل بلاد الدنيا التي تنهج النهج الديمقراطي، وبقي في النهاية التنافس بين الرئيس محمد مرسي مرشح حزب الحرية والعدالة، والفريق أحمد شفيق أحد وزراء مؤسسة مبارك. وفاز الأول على الثاني بنسبة ضئيلة (51′) وهو أمر اعتيادي يحدث كذلك في كل بلاد الدنيا، فهوجزء من قواعد الديمقراطية. الفرق بين مصر وكل بلاد الدنيا التي تحترم الديمقراطية التي تأتي برئيس البلاد عن طريق صناديق الاقتراع، أن في بلاد الدنيا الذين لم يصوتوا للرئيس الفائز، بغض النظر عن عدد ملايينهم وعن نسبة فوز الرئيس وانتمائه، يذعنون للشرعية التي معيارها الأساسي صناديق الاقتراع ومعيارها الآخر عدم التزوير، أي توافر النزاهة في إحصاء الأصوات شرطاً لعدم الاحتجاج، وبالتالي يمنحون الرئيس المنتخب فرصة للعمل حتى إتمام ولايته ويلجأون في حالة عدم رضائهم عن أدائه أو قراراته، إلى الآليات التي تتيحها العملية الديمقراطية، مثل النقد البناء الموضوعي من خلال وسائل الإعلام والصحف، الذي يبتغي وجه الوطن والمصلحة العامة أو التظاهر السلمي الذي غالبا ما ينتهي في اليوم نفسه الذي بدأ فيه، أو الإضرابات العمالية، كما نلاحظ في أوروبا وأمريكا، حيث تتفاوض النقابات مع الحكومة وغالبا كذلك ما يتم حل المشكلات في إطار ديمقراطي بعيدا عن الحدة والمرارة وغير ذلك، أما في مصر فرأينا من ديمقراطيتها، أو فلنقل من مدعي ديمقراطيتها عجباً .
صحيح أن الديمقراطيات في أمريكا والغرب مستقرة وتتمتع بتاريخ طويل من
التداول السلمي للسلطة غير أن بدايات الديمقراطية المصرية لا يبدو أنها تبشر
بخير، فقد تخللتها ظواهر غير مسبوقة عالميا، مثل عدم احترام شرعية صناديق الاقتراع والارتهان من بعض قادة الشارع المعارض لأجندات خارجية تعتبر مجيء إسلاميين للسلطة، وإن كان ديمقراطيا إلا أنه غير مقبول، جزءاً من الإسلاموفوبيا التي يسوقها الغرب وإسرائيل بإيعاز من الإيباك، وتجد من يشتريها في مصر وغيرها، إضافةً إلى الدعوة السخيفة للحشود والإقامة في الميادين العامة والشوارع الرئيسة والتجاذبات والاستقطابات الحادة والانقسامات المقيتة والمرارة والشخصنة وأعمال العنف التي غالبا ما تؤدي إلى وفيات وإصابات في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة، ويمكن أن تنذر بنشوب حرب أهلية وكأن في البلد شعبين مختلفين. وثمة سوابق للتجربة المصرية الديمقراطية، فقد وصف الرئيس
الأمريكي السابق جيمي كارتر الانتخابات التشريعية التي فازت بها في حماس كانون الأول (يناير) 2007 مثلاً بأنها الأنظف على مستوى الشرق الأوسط، ومع ذلك حاصرتها أمريكا وإسرائيل والغرب وبأوامر مباشرة من الإيباك كذلك شريكتها المفترضة في الحكم وهي فتح، إضافة إلى إجهاض نتائج انتخابات الجزائر- جبهة الإنقاذ يناير 1990 والسودان. وغني عن القول إن إسرائيل وأمريكا والغرب لا تخيفها القومية العربية ولا البعث العربي ولا ليبرالية وعلمانية العرب وإنما أشد ما تخشاه هو دين العرب وهو الإسلام.
المعروف بداهة أن مصر لم تشهد ديمقراطية انتخاب رئيس لها على مدى تاريخ وجودها كله، زهاء اثنتي عشرة ألف سنة، من العهد السكسوني الفرعوني (أربعة آلاف سنة قبل الحضارة الفرعونية) مرورا بالعهد الفرعوني – الفرعوني (3150 ق.م). وعهد محمد علي والخديويات وعبد الناصر والسادات ومبارك. والمعروف بداهة كذلك أن العمل بالسخرة ميز التاريخ المصري، حيث كان العمال المصريون يُجبرون على بناء الأهرامات وحفر قناة السويس مثلاً بالسخرة والإكراه، مقابل دراهم معدودات. ولا يذكر التاريخ المصري شيئاً عن الديمقراطية مع أنها مفهوم إغريقي قديم، ولا يستبعد أن المصريين القدامى عرفوا به عن طريق الإغريق مع أن الحضارة المصرية سبقت الحضارة الإغريقية حضاريا كما يدلل على ذلك أرنولد توينبي
(18891975) المؤرخ البريطاني في كتابه ‘دراسة التاريخ’ المنتهي
تأليفا 1961 والواقع في 12 مجلداً، الذي يشار إليه عامةً بكتاب قصة الحضارة، والذي تتبع فيه المؤرخ تاريخ نشأة وسقوط حضارات العالم العظيمة. بَيْدَ أن المصريين القدامى لم يرُق لهم تطبيق المفاهيم الديمقراطية.
ما يلفت الانتباه في الحالة المصرية الراهنة التي يمكن أن تحتمل صفة ‘مريضة’ أن مبارك وعائلته ومافيته والعائلات القريبة منه وهي 32عائلة، كما يشاع، مكث32 سنة يسوم المصريين سوء العذاب يجوع أطفالهم ونساءهم ويذل رجالهم ويحرم شبابهم من فرصة العمل الشريف ونشر الفساد الإداري والمالي وكل شيء له علاقة بالقبح، ومع ذلك صبروا عليه، وانهم أدمنوا حالة مبارك. ولولا النموذج التونسي لَما تجرأ المصريون على الخروج على فرعونهم، وفي تقديري أنه لو لم تندلع الثورة التونسية وتنجح لَما انتفض وثار المصريون. وعندما تم انتخاب رئيس ديمقراطي من الشعب مباشرة بصرف النظر عن انتمائه، حسب القواعد الديمقراطية التي كافح الجميع من أجلها، واستشهد الكثيرون في سبيلها، خرج الذين لم يصوتوا له (وهم في حدود 11 مليونا تقريباً مقابل زهاء 12 مليونا صوتوا له) إلى الميادين والشوارع بشكل يومي، مدفوعين ماليا من فلول النظام في الداخل والخارج ويحرضهم إعلام مكشوف، فقط لأن الرئيس المنتخب إسلامي. كان يمكن لصناديق الاقتراع أن تأتي بملحد أو ليبرالي أو علماني أو قبطي وسيكون لزاما على الجميع الإذعان للصناديق، لو تم انتخاب غير إسلامي .
ثمة من يذهب إلى أن الجيش المصري أو القوات المسلحة المصرية لها يدٌ أو على الأقل توجه من وراء حجب لاستدامة الوضع المصري لتكون هي المسيطرة وتعيد حكم العسكر المرفوض من الجميع في حلة جديدة. وهذا ما ظهر جليا في قرار الفريق السيسي عزل قائده الأعلى الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي. إن الديمقراطية الحقة عندما تُترك لها الفرصة لتسوس البلاد والعباد في بلد مثل مصر، بصرف النظر عن ماهية الرئيس وانتمائه حتما لا يروق ذلك لإسرائيل والغرب والإيباك، أوعز بذلك ولم يعد الأمر سرا. المعروف بداهة أيضاً أن الأجيال الأربعة الأخيرة من ضباط وقادة الجيش المصري، ومنهم السيسي نفسه، تم تدريبهم في أمريكا وبعض دول الغرب منذ اتفاقية كامب ديفيد 1979. إذن أضحى المشهد المصري واضحا تمام
الوضوح.

‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية