فكرة حل الدولتين.. من هامش الخطاب الإسرائيلي إلى مركزه

حجم الخط
1

لو أن ضيفاً متخيلاً قدم من المريخ، وبالصدفة يقرأ العبرية ويريد بلورة رأي بشأن تعريف الصهيونية استناداً إلى أقوال عضو الكنيست عوفر كسيف (حداش) في مقابلة مع نير غونتسي في الشهر الماضي (“ملحق هآرتس”، 16/4)، على قاعدة ردود انفعالية لجدعون ليفي على هذه الأقوال (“هآرتس”، 18/4)، لاستنتج أن الصهيونية في أساسها وجوهرها توق مستمر ومدمر ومنفلت العقال للدفع قدماً بتفوق اليهودي بين البحر والنهر، ولاعتقد أن المستوطنين ومؤيديهم هم الممثلون الواضحون (إذا لم يكونوا الحصريين) لهذا الطموح. ولكن لو قرأ هذا الضيف مقال الرد على أقوال كسيف وليفي، الذي كتبه البروفيسور ألكسندر يعقوبسون (“هآرتس”، 20/4) لعرف أن الصهيونية في أساسها وجوهرها هي تطلع الشعب اليهودي إلى الاستقلال الوطني على أساس الاعتراف بالمساواة في الحقوق الوطنية السياسية بين اليهود الإسرائيليين والعرب الفلسطينيين الذين يعيشون بين البحر والنهر في إطار نموذج دولتين لشعبين.

ولكن السؤال المهم هو: ما النتائج التي كان سيتوصل إليها هذا الضيف الخيالي لو أجرى استطلاعاً في أوساط الجمهور اليهودي الإسرائيلي حول المسألة التالية: من هو الصهيوني في نظره – موقف اليمين والمستوطنين الفكري القائل بأن حق تقرير المصير الوطني محفوظ لليهود فقط بين البحر والنهر، وأن النشاطات الاستيطانية لمؤيدي حلم أرض إسرائيل الكاملة إنما هي من أجل تجسيد هذا الموقف على الأرض؟ أم فكرة تقسيم البلاد بين إسرائيل وفلسطين بروح المبدأ العالمي للمساواة في الحقوق الوطنية لتقرير المصير؟

يمكن التقدير، بالحذر المطلوب، أنه لا يوجد خلاف على صهيونية مؤيدي موقف اليمين الاستيطاني في نظر معظم الجمهور اليهودي. في المقابل، صهيونية حلم تقسيم البلاد إلى دولتين قوميتين قابلتين للحياة أمر مفهوم بحد ذاته، وتعتبر انحرافاً عن الفكرة الصهيونية لدى كثيرين.

سيقال على الفور بأن حل الدولتين يحظى الآن بدعم الكثيرين من مصوتي الأحزاب الصهيونية، بما فيها أجزاء غير قليلة من مصوتي اليمين. حسب استطلاع أجراه معهد “متغان” بطلب من منظمة “مبادرة جنيف” في آذار، يؤيد هذا الحل 53.1 في المئة من مصوتي “إسرائيل بيتنا”، 44.3 في المئة من مصوتي “أمل جديد”، و32.6 في المئة من مصوتي الليكود، و23.1 في المئة من مصوتي “يمينا”. ولكن لا يُستنتج من ذلك بأن من يؤيدون حل الدولتين يرون في فكرة تقسيم البلاد تعبيراً مخلصاً وأصيلاً على الأيديولوجيا الوطنية الصهيونية. بالعكس، الأكثر ترجيحاً أن غالبيتهم ترى هذه الفكرة في المقام الأول تنازلاً براغماتياً عن أحد الأسس الأيديولوجية الرئيسية للصهيونية، وهو الحق الوطني -التاريخي لشعب إسرائيل في أرض إسرائيل، الذي فرض على دولة إسرائيل بسبب ظروف ديمغرافية.

يعقوبسون محق: مواقف مناوئة للصهيونية واضحة ومعلنة محكوم عليها في إسرائيل بأن تكون على الهامش السياسي. ولكن لأن الهوية الوطنية – الصهيونية لحل الدولتين على الأقل غير واضحة بذاتها في نظر الجمهور اليهودي الإسرائيلي، ستبقى هذه الفكرة في هامش الخطاب السياسي اليهودي – الإسرائيلي الذي يتميز بوضوح بالأيديولوجيا والخطاب الصهيوني.

يعقوبسون محق في أمر آخر: رغم الهامشية السياسية إلا أن إنكار الصهيونية في إسرائيل الصهيونية يخدم اليمين الإسرائيلي بشكل جيد، لأنه يشكل بالنسبة له عامل تجنيد من الدرجة الأولى. ولكن ثمة مساهمة أكبر بكثير لتعزيز اليمين تسجل لصالح أتباع حل الدولتين. هؤلاء يرفضون إعادة صياغة هذا الحل من خلال تقارب مقنع مع أسس الفكرة الصهيونية. وبالتالي، ترك اليمين فعلياً باعتباره اللاعب الفاعل الوحيد في مجال الخطاب الأيديولوجي الصهيوني.

لأن الشائعات عن موت القومية تبين أنها مبالغاً فيها كما هو معروف، فلا يمكن أن نقود في دولة قومية حديثة أي عملية وطنية مصيرية بصورة منفصلة عن البعد الوجداني وعن تراث الماضي القومي. ولا يمكن الدفع قدماً بفكرة تقسيم الوطن القومي–التاريخي على أساس مبررات براغماتية مجردة، مثل المبررات الديمغرافية في إسرائيل، الدولة القومية الشابة مع ذاكرة قومية – تاريخية طويلة. يجب أن ترتكز هذه الفكرة على اللغة والأيديولوجيا والرموز القومية الصهيونية.

أجل، الأمر يتعلق بمهمة غير سهلة، لكنها ليست مستحيلة. لأن المصادر الصهيونية مشبعة بتعبيرات الاشمئزاز تجاه فكرة سيطرة اليهود على غير اليهود. وهذه تعبيرات لها علاقة بذكريات الماضي لليهود كأقلية مضطهدة، وطبعاً للطبعة الصهيونية من ثيولوجيا “النور للأغيار” على شكل فكرة دولة اليهود كمجتمع نموذجي.

المطلوب إذاً هو إظهار هذه التعبيرات وتعبيرات كثيرة أخرى لمعارضة الصهيونية لقمع شعب آخر ووضعها في بؤرة الخطاب القومي – الصهيوني الحالي. اليوم حيث تقف على رأس حزب العمل الصهيوني عضوة الكنيست ميراف ميخائيلي، التي لا تتردد في الوقوف علناً ضد نية “الكيرن كييمت” توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، ثمة مكان للأمل بأن حل الدولتين سيبدأ في التحرك أخيراً من هامش الخطاب الصهيوني إلى مركزه.

بقلمديمتري شومسكي

 هآرتس 5/5/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية