القاهرة-»القدس العربي»: يأتي كتاب «المصريون الأمريكان» تحرير فكري أندراوس ومحمود الشاذلي، الصادر مؤخراً عن دار الثقافة الجديدة في القاهرة، ليتناول تجربة 32 مهاجرا مصريا من رجال ونساء أصبحت الولايات المتحدة وطناً ثانياً لهم. ديانات وبيئات ومهن مختلفة لا تربط بين أصحابها سوى أصولهم المصرية. ورغم أن الكتاب يستعرض بالطبع حيوات هؤلاء، كيف كانوا وكيف أصبحوا، إلا أن هذا الابتعاد الجغرافي والزمني عن مصر يكشف الكثير عنها بالضرورة، كيف كانت وفق رؤية هؤلاء وكيف أصبحت، هذا التحول الذي جعل من مصر من مكان رحب للتعايش إلى مجتمع خانق لا يستطيع حتى احتمال نفسه. يوثق هؤلاء ويشيرون ــ من دون قصد ــ إلى هذه التغيرات، بداية من العام 1948 وحتى وقت قريب، هذه الفترة المأسوية التي عاشتها مصر ولم تخرج من ظلمتها حتى الآن. من ناحية أخرى نرى كيف تشكّل الحلم الأمريكي من وجهة نظرهم، من رجال أعمال، مهندسين وأطباء، أساتذة أدب، سينمائيين. وسنحاول استعراض سمات بعض من هذه التجارب، وكيف حلم أصحابها بالعودة، وكذلك النسيان المتعمَد لمكان وزمن لا يريدون تذكّره بالمرّة.
مصريون ولكننا يهود أيضاً
هكذا تقول الأكاديمية والمترجمة الأدبية جويس زونانا ــ مواليد 1949 ــ التي هاجرت أسرتها من مصر عام 1951 والتي بعد أن وعت اكتشفت أن خروجها وعائلتها من مصر لم يكن خروجاً توراتياً للنجاة، بل ضياعاً، لتغير الظروف السياسية والاجتماعية بعد 48. وطيلة حياة المرأة كانت موزعة ما بين معرفة أصولها المصرية والانخراط في المجتمع الأمريكي، فهي كم تمنت تعلم العربية ولم تستطع، وكان يُنظر لها دوماً بأنها يهودية من الشرق. ثم نفضت عنها هذه وتلك وحاولت أن تخط مستقبلاً جديداً، إلا أن اغتراباً مزمناً عانت منه، حتى قابلت أحد سكان أمريكا الأصليين، فقال لها عبارة أضاءت حياتها «تقبّلي تراثك واعرفي أسلافك».
تخصصت زونانا في الأدب الفكتوري، ورأت كيف يصوغ الغرب المجتمع الشرقي وفق هواه وقضاياه التي تؤرقه، مكتشفة الجانب الخبيث في الاستشراق، والذي أطلقت عليه «الاستشراق النسوي» حيث يتم استخدام المرأة الشرق أوسطية، التي يُزعَم تعرضها للاضطهاد لاكتشاف اضطهاد المرأة في الغرب، فالكثير من الكاتبات وعلى رأسهن تشارلوت برونتي صِغن حديثهن حول حقوق المرأة في الغرب على أنه يتمثل في التخلص من الاستبداد والاضطهاد الشرقي.
في مذكراتها المعنونة بـ «بيوت الأحلام .. من القاهرة إلى كاترينا رحلة المنفى» تحاول زونانا البحث عن تاريخها ووجودها. حتى أنها أتت إلى مصر بالفعل في شتاء 1999 هذه الزيارات التي تواترت بعد ذلك. وتقول في نهاية شهادتها: «يجب على الشعب الأمريكي إدراك أن اليهود عاشوا حياة سعيدة في مصر لعدة قرون، وفهم أن النعرات القومية المتنافسة، والقوالب النمطية الزائفة هي التي أوجدت هذا الانقسام المفجع».

الحداثة الدينية
بهذا المصطلح يلخص أخصائي علم الأمراض شريف نصر رؤيته تجاه العالم. نصر من مواليد العام 1956 وهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1981. بعد تجربة ممتدة ومتقلبة يبدأ التساؤل، هل يمكن لوجهتي النظر تجاه العالم أن يلتقيا.. الحداثة والدين؟ يرى نصر بداية أن الربيع العربي كشف مدى قصور الرؤية الطوباوية الشاملة للإسلام عن تكوين حضارة حديثة قابلة للاستمرار، وبالتالي فالإسلام ليس نظاماً، وإنما مجموعة من القيم والمبادئ التي يمكن أن يُستمَد منها نظام ما، تلخصها الرؤية التوحيدية، وبالتالي التعايش بسلام مع الذات المادية والروحية. ويضرب مثالاً بنظرية داروين، فهي تدور حول كيفية حدوث التطور، وليس حول ما إذا كان التطور قد حدث أم لم يحدث. ويرى أن الاتصال التاريخي بين الغرب والشرق أوجد حاجزاً نفسياً يعيق إقامة حوارات جادة. ويُفعّل الرجل هذه الرؤية من خلال تعامله مع الواقع ومظاهره، فيجانب الاقتراض من البنوك، وكل من ابنتيه في مدرسة إسلامية، وإحداهما ترتدي الحجاب، كما أنه في الأخير يرى في وجهة نظره هذه أو رؤيته أنها قابلة للشك والنقاش دوماً، وبالتالي تطورها.

الوطن من خلال السينما
«عندما ولدتُ قالوا لي: أنت مصري .. أنت مسلم .. أنت عربي. وقد كان».
سافر المخرج السينمائي هشام عيسوي إلى أمريكا عام 1990 وهو لم يزل في العشرين من عمره، ويحكي عن صدمة أخرى غير الصدمة الثقافية الاعتيادية للمهاجرين ــ فقد كان معتادا السفر إلى أوروبا ــ وهي (صدمة التعليم) أو حرية التعليم. واكتشف أن أصوله المصرية كانت بوابته لعالم السينما «هوية المهاجر» التي وإن ساعدته إلا أنها قيدته في نمط أو شكل معين في صنع الأفلام. وبعد عدة أعمال وثائقية، حاول إخراج فيلمه الروائي، الذي أنجزه بالفعل عام 2008 وكان بعنوان «أمريكا الشرق». ويورد عيسوي ملاحظة هامة حول كيفية استقبال فيلمه الأول: «أعتقد أن معظم مسلمي أمريكا لم يعجبهم الفيلم، وأن الأمريكان هم مَن أعجبهم. فالمسلمون يريدون أن تكون صورتهم نقية جميلة، لا توجد بها أخطاء أو أي تشويه». لاحظ أن العمل قد تم بعد أحداث 11 ايلول/سبتمبر، والأمور بدت أكثر تعقيداً. وحتى عندما تم عرض الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي عام 2009 هاجمه بعض الصحافيين المصريين معتبرين الفيلم يهوديا وأن المخرج من أصول يهودية ــ كعادة نقادنا ــ. أما تجربة عيسوي الثانية «الخروج من القاهرة» فقد تم منع عرضها في مصر. وفي الأخير يستقر الرجل في مصر بعد ثورة 25 يناير «أنا في مصر من أجل أهلي، ولكن بعد عشر سنوات إذا سألني أحد: أين سوف تكون؟ حقيقة لا أعرف».
إن شاء الله بُكرة
تعد آني وتني من الجيل الثاني من المصريين الأمريكان، وهي طالبة في كلية الحقوق في جامعة هارفارد. في عام 2008 كانت زيارتها الأولى لمصر، وكانت في الثانية عشرة من عمرها، ولم تتوقف هذه الزيارات ــ التي قامت بها بمفردها بعد ذلك ــ حتى وقت قريب. وأهم ما يميز هذه التجربة هو أن جيلا جديدا ليس أسير ذكريات يأتي ويرى مصر قبل وأثناء وبعد ثورة 25 يناير، فيرى بعيون أخرى ويستكشف مصر بعيداً عن التاريخ أو حتى حكايات الآباء والأجداد، بمعنى .. يرى الحاضر وروحه، فتقول مثالاً: «لم تكن نظرة الآخرين نحوي نظرة إيجابية، لكوني امرأة شابة تعيش بمفردها في البلاد، فقد أقمت في شقة مشتركة مع سيدتين إحداهما نمساوية والأخرى ألمانية. وقد رأى بواب عمارتنا أن التفسير الوحيد والمحتمل في إقامتنا كسيدات معاً هو أننا ندير بيتاً للدعارة، وهو الأمر الذي أوكد على عدم صحته». ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي زيارة أخرى ــ قبل أيام من الذكرى السادسة لثورة 2011 ــ يحضر أحد الضباط إلى شقتها لإجراء تحريات، من دون أي أوراق أو أوامر رسمية. وتختتم شهادتها قائلة: «إن أحد الدروس الرائعة التي علمتني إياها الأشهر التالية في مصر أن أتحلى بروح التسويف والتهوين (إن شاء الله بُكرة، ومعلش). لقد تعلمت أن مصر تمثل حالة ذهنية، يجب على المرء أن يتحلى فيها بنعمة النسيان».
تحرير: فكري أنداورس ومحمود الشاذلي:
«المصريون الأمريكان»
دار الثقافة الجديدة، القاهرة 2021
402 صفحات.