فلاسفة الغرب وأزمة كورونا: ما بين شيوعية جديدة أو سيطرة مطلقة للأنظمة الحاكمة

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
1

القاهرة ــ «القدس العربي»: أتت جائحة كورونا لتكشف أزمة أكبر طالت الكثير، من قبل أن تتجسد في شكل فيروس أصبح يهدد العالم، واقتصاديات السوق وسيطرة الفئة القليلة على مقدرات وحيوات شعوب بأكملها، أصبح الوباء هو الوجه الأكثر تعبيراً عن انتهاج سياسات نهاية العالم ـ حسب فوكوياما ـ هنا استعراض لوجاهات نظر بعض من فلاسفة ومفكري الغرب. العرب حفظهم الله خارج السياق كعادتهم ينتظرون موتهم، حول الأزمة وتداعياتها الحالية والمستقبلية. ورغم اختلاف هذه الآراء، إلا أنها تكاد تُجمع على فشل النظام العالمي، وأنه سقط بالفعل، وما حدث كورونا إلا حدث مشابه في دلالته لسقوط جدار برلين، فالمسألة مسألة وقت ليس أكثر، وعلى المجتمع الإنساني محاولة البحث عن نظام بديل، أكثر إنسانية وعدلاً. هذه الآراء جاءت على شكل مقالات صحافية أو عبر اليوتيوب.

الشيوعية الجديدة

بداية يقول السلوفاكي سلافوي جيجك.. إن ما ينبغي أن نقلق بشأنه ليس الآلاف الذين ماتوا ـ والآلاف الذين سيموتون ـ ولكن حقيقة أن الأسواق تشعر بالتوتر، ألا يشير هذا كله بوضوح إلى الحاجة الملحة لإعادة تنظيم الاقتصاد العالمي بطريقة لا يبقى فيها تحت رحمة آليات السوق؟ نحن بالطبع لسنا بصدد الحديث عن شيوعية على الطراز القديم، وإنما عن شكل من أشكال التنظيم العالمي، يستطيع التحكم بالاقتصاد وإدارته، وبإمكانه كذلك تقييد سيادة الدول القومية في حال استلزم الأمر. فأزمة كورونا ستعطي معنى جديدا للمجتمع، وسوف تتسبب بشيوعية جديدة، وهي بعيدة كل البعد عن تلك الشيوعية التاريخية المعهودة. فلم يعد هناك مكان لأمريكا وشعاراتها، فهناك حاجة إلى نظام عالمي جديد، للصحة العامة ووكالات دولية وقادرة على العمل بإجراءات متفق عليها. وما انتشار الجائحة إلا فرصة مناسبة لخلق حالة من التضامن الجديد عالمياً ومحلياً. فالوباء «سيجبرنا في الوقت ذاته على إعادة اختراع جديد لشيوعية تعتمد على الثقة في الشعب وفي العلم». يدلل جيجك على حجته بمثال من المشهد الأخير من الفيلم الأمريكي «أقتل بيل» لتارانتينو، حيث تعمد بطلة الفيلم إلى التخلص من خصمها من خلال ما يُسمى بـ (تقنية النقاط الخمس المفجرة للقلب) وهي حركة قتالية ــ أسطورية ــ تتألف من خمس ضربات بأطراف أصابع المهاجم، موجهة إلى خمس نقاط ضغط مختلفة في جسد الهدف، الذي يخرّ صريعاً بعد أن ينفجر قلبه داخل جسده، ما إن يخطو خمس خطوات. وبعدها يمكث بيل في مكانه بهدوء، يكلم قاتلته في حوار تصالحي، ثم يخطو خمس خطوات ويموت. يقول جيجك «وباء الفيروس التاجي هو نوع من ممارسة (تقنية النقاط الخمس) على النظام الرأسمالي العالمي. علامة على أننا لا نستطيع المضي قدماً في الطريق نفسه، كما فعلنا حتى الآن، وعلى ضرورة تغيير جذري». ويضيف أن «مَن يعتبر نفسه شيوعياً اليوم هو ليبرالي يحمل شهادة جامعية، ليبرالي درس بجد وعمق أسباب التهديد الذي تتعرض له قيمنا التحررية، فصار يدرك أن التغيير الجذري هو وحده القادر على إنقاذنا».

وباء النيوليبرالية

وبصورة أكثر تحديداً وجه بعض الفلاسفة انتقاداتهم الحادة إلى الليبرالية الجديدة، فيرى الأمريكي نعوم تشومسكي، أن أزمة كورونا أثبتت فشل سياسات السوق، التي فاقمت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وأن الجائحة ما هي إلا علامة تحذير تكشف عيوب النظام العالمي الذي نعيشه، والتحلل في النواحي الاجتماعية والاقتصادية. إذ أن ما عرقل جهود مواجهة هذا الوباء بعد كل هذه السنوات من التقدم هو (الطاعون النيوليبرالي)، خاصة أن المعلومات دائماً ما تكون متوفرة، ولكن الانتباه لها وسط هذا النظام لا يكون إلا إذا جاءت من خلفها منفعة. وعن الخيارات المتاحة لمواجهة ما يحدث، يرى تشومسكي أنها تتراوح ما بين شكل استبدادي تصبح فيه الدول أكثر وحشية، أو العودة إلى المصطلحات الإنسانية المعنية بالاحتياجات البشرية، وعدم تغليب الصوت الاقتصادي لمنفعة النيوليبرالية، بمعنى الاحتكام إلى عقلية الحركة الاجتماعية، من أجل التغلب ـ على المدى القصير ـ على أزمة شديدة تعبر عن فشل ذريع للنيوليبرالية، أزمة حتى إن انتهت، إلا أن العالم لن يصبح بعدها كما كان. وجهة النظر نفسها يؤكدها الفرنسي إدغار موران، الذي يرى أنه من الضروري اليوم التشجيع على خلق نوع من الوعي المشترك للتعاون بين سكان العالم، بناء على أسس إنسانية.

ويرى الإيطالي جورجيو أغامبين، أن الكارثة لا تتمثل في مجرد وباء، لكنه ذريعة لزرع الخوف في نفوس البشر، بحيث يظل ظلاً دائماً للبشرية تستغله السلطات الحاكمة كذريعة للبقاء.

وقد أظهر الوباء أن الإنسانية تمثل قارة موحدة، وأن البشر مرتبطون ببعضهم بشكل عميق، إذ إننا في هذه اللحظات العصيبة من الوحدة والعزلة، أصبحنا أكثر وعياً بحاجتنا للآخر. من ناحية أخرى، فالانظمة الرأسمالية مستعدة للتضحية بالفئات الهشة والضعيفة ـ المسنين والمرضى ــ وهو أمر يتماشى تماماً مع منطق الانتقاء الطبيعي ونظرية داروين حول البقاء للأصلح، وفي هذه الأزمة تماماً، كما يحصل في اقتصاد السوق، فإن أولئك الذين لا يستطيعون المنافسة، يكون مصيرهم الفناء. ويعتبر موران أن تطبيق هذا المنطق على البشر يكشف عن قسوة الليبرالية الجديدة، لذلك فإن خلق مجتمع إنساني حقيقي يبدأ بالوقوف في وجه هذا الفكر النفعي بأي ثمن. وفي الأخير يرى موران جانباً مشرقاً، كشكل إيجابي للعولمة، تتمثل في انخراط الباحثين من كافة العالم في تعاون دولي للتغلب على الفيروس.

فزع دائم وسلطة مطلقة

ويرى الإيطالي جورجيو أغامبين، أن الكارثة لا تتمثل في مجرد وباء، لكنه ذريعة لزرع الخوف في نفوس البشر، بحيث يظل ظلاً دائماً للبشرية تستغله السلطات الحاكمة كذريعة للبقاء.
وهو بداية يتفق والكثير من آراء الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي يرى أن مبدأ المراقبة كان حاضراً في كل الأوقات، وفي كل الجهات، فعيون الرقيب لا تنام. وقد أصبحت الرقابة نظاماً اجتماعياً منظماً وعقلانياً، ينفق أدنى التكاليف، ويحصل على أكبر العائدات، فقد أصبحت السلطة تتحكم في كل فضاءات الأفراد، وهذا يستدعي تطوير تقنيات مراقبة خاصة بكل فضاء، وهو ما يعني أن المجتمع الرأسمالي الحديث قائم على المراقبة الشرسة وتطويع الأجساد لها.
فيرى أغامبين أنه «بمجرد استنفاد الإرهاب كمبرر لاتخاذ تدابير استثنائية، يمكن لاختراع وباء أن يقدم الذريعة المثالية، لتوسيع نطاق مثل هذه التدابير بما يتجاوز أي قيود، إضــــافة إلى حالة الخوف التي لازمت الوعي الفردي، والتي تترجم حاجة فعلية لحالات رعب جماعي، والتي مــــرّة أخرى يقـــدم لها الوبـــاء ذريعة مثالية، وعليه يتم قبول تقييد الحرية الذي تفرضه الحكومات باسم الرغبة في الأمان.. فمجتمــــع یعیش في حالة طــــوارئ مســــتمرة لا یمكنه أن یكون مجتمعاً حراً. فعلياً، نحن نعیش في مجتمع ضحّى بالحریة لصالح ما یُسمى بـ (الدواعي الأمنیة)، وبالنتیجة حكم على نفسه بالعیش في حالة دائمة من الخوف وعدم الأمان.
ويضيف «أن الذعر المحيط بالوباء واستغلاله لصالح السلطات، تبدو تبعاته أكثر فداحة من انتشار الفيروس. ولا يمر الكثير من الوقت، حتى تمنح البرلمانات رؤساء الوزراء، سلطات مطلقة وطارئة، ومن دون سقف زمني». أما العلم الآن ــ حسب أغامبين ــ فيشبه الأديان في قدرتها على إنتاج الأساطير والمخاوف وقت الأزمات، حيث نشهد حالياً وصفات علمية مختلفة ومواقف متباينة، تتراوح بين أقلية مهرطقة، تنكر خطورة الظاهرة، وخطاب أرثوذكسي سائد يؤكد خطورتها الحقيقية، ومع ذلك غالباً ما يختلف هؤلاء جذرياً في كيفية التعامل مع الأمر ومكافحة الجائحة، وفي جميع الأحوال يقف بعض الخبراء، أو مَن يخدمون مصالح السلطة التي تفرض تدابيرها الاحترازية، مع تيار يميل إلى وجهة النظر هذه أو تلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية