رحلّت السلطات المصرية أخيراً الممثل الفلسطيني علي سليمان (من فلسطينيي 48)، القادم عبر أحد مطاراتها للمشاركة كعضو لجنة تحكيم في «مهرجان الجونة السينمائي» المنعقد حالياً.
الخبر فتح ذكريات مؤسفة، أرشيفاً كبيراً يوثق ترحيلات لفلسطينيين على مدى تاريخ مصر المعاصر، لم يسلم منها شاعر بحجم الراحل راشد حسين، الذي كتب إثر ما حدث معه في مطار القاهرة يقول: «واقفٌ كلّي مذلة في مطار القاهرة/ ليتني كنت طليقاً في سجون الناصرة»، المعنى الذي كتبه محمود درويش تالياً: «السجن أرحم من بساتين المنافي».
لا نجومية الممثل الفلسطيني، ولا دعوته كعضو لجنة تحكيم، شفعا له على الأقل بتعامل لائق، لقد رحّل كأي مجرم جنائي: السؤال ممنوع، الكلام ممنوع، ولا جواب، قرار ترحيل، ومن ثم اقتياده إلى الطائرة نفسها، التي جاء على متنها، من دون جواز سفره، بل بإعطاء الجواز لطاقم الطائرة، كأن الرجل على أهبة الفرار.
أخيراً لم يعد الفلسطينيون وحدهم، فهذا فريق فيلم المخرجة السورية سؤدد كعدان، المشارك في «الجونة» لم يعط من الأساس تأشيرات دخول. لا تفهم كيف يريد هذا البلد أن ينهض بالسياحة والثقافة في ظل هذه القبضة الأمنية البلهاء.
لكن ألا يحتج منظمو «مهرجان الجونة» على هذه الإجراءات؟ ألا يجهدون في الضغط على حكومتهم من أجل حفظ ماء وجه السياحة على الأقل، إن لم نقل من أجل كرامة الضيوف وأبسط حقوقهم؟
طيب، الفنانون، المثقفون، منظمات حقوق الإنسان، الكل يريد سلّته بلا عنب. وحدها الفنانة الفلسطينية ريم تلحمي ألغت سفرها احتجاجاً وتضامناً مع مواطنها سليمان، فماذا لو فعل فنانون مدعوون إلى المهرجان بخطوات مماثلة.
يبدو أن لا أمل، لقد أثبتت الأيام أن كثيراً منهم يبيع الدنيا مقابل «دعوة وإقامة فاخرة» (عبارة مسجلة باسم الفنان المصري شريف منير)، كما أثبتت أن الربيع، إن جاء، فليس من أماكن كهذه، بل ربما من عربة خضار التونسي محمد بوعزيزي، من شوارع «المعتّرين» والبسطاء الذين لم «يستقروا في القصور»، ولم تبلّدهم الإقامات الفاخرة.
مسامير هشام الجخ
أحيت المذيعة المصرية منى الشاذلي أمس مقابلة قديمة لها مع الشاعر المصري هشام الجخ بعنوان «أيوا بَغير»، فيها يتحدث الشاعر عن غيرة الصعيدي على محبوبته، الأمر الذي، على ما يبدو في قصيدته، لا يتوفر لباقي البشر: الهيبة، والنار الحامية، وعدم القدرة على التحمّل في ما يخص المرأة (بنستحملش).. إلى ما هنالك من مبالغات جرياً على عادة قصائد الفخر العربية الشهيرة المدوية «إذا بلغ الفطام لنا صبيٌ، تخرّ له الجبابر ساجدينا».
سيمرّ الكلام، ولو على مضض، إلى أن يصل الجخ للسخرية من نموذج محدد يبدو أنه استسهل النيل منه: «لو كان بإيدي/ كنت أعملكْ هندي بريش/ وأقلب شعري كنيش كرابيش/ وألبس لك سلسلة متدلدلة خرزة وقلب/ بس ازاي ألبس لك سلسلة! هو أنا كلب؟
حسب وصفه، يقصد الشاعرُ الهنديَّ الأحمر، ولسنا متأكدين إن كان دارياً بذلك، وإن كان دارياً بأن الهنود الحمر لهم حضارتهم وثقافتهم، التي كُتب فيها أجمل الشعر، وهي كسائر الثقافات والحضارات لا تستحق الاحتقار.
سيبطل العجب إن عرفنا على مَنْ يقرأ الشاعر «مساميره»، إنه يقرأ على جمهور يُشتَم ويحتقَر «عينك عينك» ثم يصفق بفرح لشتيمته: عندما يصل الشاعر بقصيدته إلى عبارة «بس ازاي ألبس لك سلسلة!»، سيتفحص جمهوره ويرتجل «لا، ما شاء الله، نص المسرح لابسين سلاسل»، ثم يتابع: «هو أنا كلب؟». أي أنه يصف «نصف المسرح» بالكلاب، وهم سيضحكون، وستضحك المذيعة، وتعود إلى نشر تلك المقابلة مرة تلو المرة، من دون أن يعترض أحد.
تصنيع فايا يونان
فايا يونان مغنية سورية ولدت إثر موقفها المساند للنظام السوري بعد العام 2011. حينذاك جاءوا بها، حيث تعيش في إحدى الدول الأوروبية لتغني في دار الأوبرا السورية، ليحتفى بها، مع شقيقتها التي شاركتها الانطلاقة ذاتها، ولتبدأ حملة تصنيعها. ولم يكن الأمر مجرد شكر لها على موقفها، بل كان كذلك استثماراً لصورتها كوجه فيه ملامح النجومية. غنت فايا في سوريا ومصر وبات لها من الجمهور ما قد تعجز عنه أصالة نصري، مواطنتها التي كان لها موقف مشرف ضد النظام جوبهت بسببه بحملات تشويه واستبعاد وتهديد.
أخيراً ظهرت فايا بأغنية من ألحان وكلمات اللبناني خالد الهبر وتوزيع ريان الهبر، لقد استطاعت البنت أن تخرج الفنان المعروف كمغن ملتزم من غيبة وسبات طويل، يصعب أن يقنعنا الهبر بأن لدى فايا صوتاً استثنائياً أقنعه بالخروج من الصومعة، إذاً؟ هل بات الفنان جزءاً من ماكينة النظام التي تعمل على تصنيع فايا كنجمة ذات ولاء مضمون للنظام؟ هل هي طريقته بالتضامن مع النظام السوري، والممانع عموماً، أم أنه يرى (يسمع على وجه الدقة) في البنت صوتاً لا يراه سواه؟
كاتب فلسطيني سوري