نقل موقع «سي أن أن» فيديو منشوراً على موقع «إسرائيل بالعربية» التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية، يعرض شهادة لفلسطيني، من سكان الكويت سابقاً، يروي كيف اكتشف، بعد أن كبر، أنه يتحدر من أصل يهودي.
قال مارك حلاوة، وهذا هو اسم الشاب اليهودي، إن جدته المقدسية يهودية الأصل وقد أسلمتْ، وقد جاء من يقول له إنه، بحسب الديانة اليهودية، يعتبر الآن يهودياً.
هنا يتذكر الشاب من سيرة حياته «الفلسطينية» التحريض المستمر والحض على كراهية اليهود، وهو يسوق لإثبات ذلك عبارات وشتائم من قبيل «اليهود هم أبناء الخنازير والقردة».
يختم حلاوة الفيديو بالقول: «تعالوا إلى إسرائيل وشوفوها بأنفسكم. عندنا سلام. كل الوقت هناك سلام. السلام كلّه هنا».
كنا نحسب أن يهودياً عاش بيننا كل هذه السنوات، مضافاً إليها تجربة عائلته لأجيال سابقة، يمكن له أن يتحدث بإنصاف عن تجربة الألم الفلسطيني، الذي سبّبه الاحتلال الإسرائيلي، ولعله قد رأى بأم العين حجم عذاب ما بعد النكبة، والنكسة، واجتياح لبنان، إلى قصف غزة المستمر والمتكرر، مأساة اللجوء،.. كان يمكن له، حتى وهو يتلمس جيناته اليهودية، أن يعاين بعين الضمير (الأمر الذي تجده بالفعل عند كثير من اليهود المتضامنين مع مأساة الفلسطينيين)، لا بما تمليه عليه الجينات الوراثية.
لن نسأل حلاوة الإنصاف باسم خبز وملح السنين، لكن لا ندري إن كان سيميل لجيناته الإسرائيلية لو لم تكن إسرائيل منتصرة على هذا النحو الساحق.
مارك حلاوة هو النموذج الضد لخلدون، أو دوف بطل رواية «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، ذلك الشاب الذي أجبرت عائلته الفلسطينية على تركه طفلاً رضيعاً في منزلها الحيفاوي ليؤول إلى عائلة يهودية، ليصبح من ثم جندياً في الجيش الإسرائيلي، وحين تعود إليه عائلته الأصلية إثر نكسة العام 67، سيؤكد لها معرفته المبكرة بـجيناته الفلسطينية، وأن هذا لا يغيّر عنده شيئاً، فالإنسان، بالنسبة له، قضية، لا جينات، ما يعبّأ به ساعة إثر ساعة، ويوماً إثر يوم بالقناعات والأفكار.
الإنسان، يا مارك، ليس جينات وراثية، ولا حتى ما يعبّأ به، إنه اختيار قبل كل شيء، اختيار أن تكون إنساناً لا مجرد خاضعٍ لقدر الجينات.
في عزبة رامي مالك
لعله من بين التقارير المنوعة الظريفة ذاك الذي بثته «بي بي سي» من قرية الممثل العالمي رامي مالك الحائز أخيراً أوسكار أفضل ممثل. إذ بدا طريفاً وغريباً بعض الشيء أن تتحدث القرية البسيطة، عزبة فلتأووس، بشوارعها الترابية، وحيطانها الفقيرة، بالنيابة عن مختصين، عن كيفية اكتشاف موهبته التمثيلية، مع تأكيدها أن «الأوسكار ليس إلا بداية المشوار وليس نهايته». وعلى الرغم من تأكيد التقرير أن أبناء القرية يحاولون «توطيد أواصر النجم العالمي بجذوره» فهو لم ينف حلم بعض من أبناء عمومته (من الذكور حصراً، على ما أكدّ التقرير) بالهجرة.
هذه الزيارة إلى البلد الأصلي لرامي مالك (وبالطبع لا يمكن اعتبارها زيارة إلى مسقط رأسه، ما دام الشاب قد ولد في الولايات المتحدة) يمكن إدراجها بسهولة تحت عنوان كوميدي، لا يمكن للمرء إلا أن يضحك حين يرى هذا الاحتفال البسيط للقرية، هتاف (رامي ابننا)، وركوب على الحمير، وتصفيق للأطفال وهتافات تتبع المراسل معد التقرير وتعلو فوق صوته.
حكايات برميلية
أعلنت مؤسسة السينما في سوريا انتهاء تصوير فيلم سينمائي قصير بعنوان «جوري»، قصة وإخراج يزن أنزور.
يقول الخبر إن الفيلم يتناول حكاية فتاة صغيرة تتعرض مدينتها لإبادة جماعية على يد جماعات إرهابية، لتبقى وحدها في الحي في مواجهة الإرهابيين.
ليس من المتوقع أن تنتج «المؤسسة العامة للسينما» في سوريا، جهة الإنتاج السينمائي الحكومية، سوى بروباغندا من هذا النوع.
إعلام النظام كان قد بدأ القصف على كافة الجبهات كنوع من التمهيد لمثل هذه الحكاية، بدءاً من اختراع حكاية مندسين يطلقون النار في المظاهرات على الناس العزّل، مروراً بإنكار كل المجازر التي ارتكتبها قوات النظام، من مجزرة جديدة الفضل وجديدة عرطوز وصولاً إلى مجازر الكيماوي في غوطة دمشق وخان شيخون وسواها، وصولاً إلى شيطنة الشهود، وعلى رأسهم منظمة الخوذ البيضاء، الشاهد على مجازر النظام في مختلف المناطق السورية.
مع حديثها عن إبادة جماعية ارتكبتها جماعات إرهابية، وهذه في عرف النظام ومحور الممانعة ليست سوى الاسم الرسمي لقوى المعارضة السورية، أياً كان اتجاهها، تكون بروباغندا النظام قد وصلت إلى مبتغاها، حيث رواية كاملة مضادة وملفقة باتت بين يديها الآن جاهزة للتصدير في كتب وأعمال سينمائية وتلفزيونية. وما على مثقفي النظام وأبواقه سوى تكرارها خمس مرات في اليوم، حتى تتحول إلى حقيقة نهائية، تعتنقها «سوريا الأسد».
يؤمن النظام بأهمية الحكاية، وبأن من يرث الحكاية يرث أرض الحكاية». ولذلك فإنه يستميت في اختراع الحكايا الملفقة بالقوة نفسها التي يلقي فيها البراميل العشوائية المبتكرة.
بفعل الإرهاب
أكثر العبارات تداولاً لدى إعلام النظام السوري اليوم هي «بفعل الإرهاب». إن عاد لاجئون سوريون إلى حضن الوطن عنونَت قنواته «عودة عشرات المهجرين بفعل الإرهاب»، وإن نقل خبر عن سقوط منزل كتبوا «إزالة وإخلاء الأبنية المهددة بالسقوط جراء الإرهاب»، الحرائق بفعل الإرهاب، والنكبات الاقتصادية كذلك، غلاء الأسعار، وتلوث الطقس، وتأخر المطر، وعدم بيع المسلسلات التلفزيونية سببه الإرهاب!
يعرف النظام أنه أصل كل النكبات، وهو لذلك يريد التأكيد في كل لحظة، وكذلك إجبار الجميع، على الهتاف بصوت واحد: «بفعل الإرهاب».
تزايد السجون الفرنسية!
في المقابلة المكررة، حدّ السأم، مع قناة «الميادين» راحت المذيعة تسأل الممثل دريد لحام أسئلة مستعادة من حوارية له في مسرحية «كاسك يا وطن»، تسأله «ما ظل سجون؟»، فيجيب، من دون أي أثر للمزاح: «كثرت، بس في فرنسا. بسبب السترات الصفر»!
دريد يعرف بالضبط عدد سجون النظام السوري، داخل الأجهزة الأمنية وخارجها. يعرف بالضبط ما يجري هناك، ومع ذلك لا يخجل من التهاضم والحديث عن كثرة السجون الفرنسية.
لا تصدقوا أن هذا الرجل يمكن أن يكون مغرّراً به، أو أن يكون غائباً عن الوعي. دريد لحام أخطر من جهاز الأمن.
٭ كاتب فلسطيني سوري