يواصل فيروس كورونا زحفه محدثاً المزيد من الإصابات والوفيات في صفوف المواطنين حول العالم، وتاركاً انعكاسات سلبية على كافة الأصعدة وأبرزها القطاعات الاقتصادية والصناعية والتجارية، التي تضررت بشكل كبير في الكثير من بلدان العالم العربية والدولية، نتيجة إغلاق آلاف المنشآت الصناعية والتجارية، وتوقف قطاعات مهمة وهي شركات الطيران وإغلاق المصارف والبنوك، وذلك كخطوات احترازية لمنع تفشى الفيروس.
وفلسطين واحدة من الدول العربية التي أنتجت إجراءات وقيود كورونا أزمة اقتصادية حادة، بعد إغلاق مئات المصانع والمصالح التجارية وتوقف شريحة واسعة من العمال عن عملهم أكثر من شهرين. وفي أعقاب الإغلاق وتفادياً لمزيد من الانزلاق الاقتصادي وبالتزامن مع غياب أي حلول لمنع لتفشي الفيروس أو القضاء عليه، عكفت الحكومة الفلسطينية على اتخاذ إجراءات صحية وقائية مشددة، مع فك الحظر تدريجياً وإلغاء حال الطوارئ وعودة الحياة إلى طبيعتها.
وتنوي الحكومة الفلسطينية فتح المنشآت السياحية وصالات الأفراح والمطاعم كأولى الخطوات من مراحل التخفيف، كي يتسنى للعمال الذين تضرروا من المكوث في منازلهم العودة لمزاولة عملهم، فيما سمحت سلطة النقد بعد إنتهاء إجازة عيد الفطر بعودة فتح البنوك والمصارف الأربعاء الماضي، لاستقبال المواطنين وإنجاز مصالحهم وسط حالة من الانضباط والحرص على سلامة المواطنين بإتباع أساليب الوقاية، فيما أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية تخفيف حدة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمنع تفشي فيروس كورونا في فلسطين، وقال خلال مؤتمر صحافي عقد في مقر الرئاسة في رام الله” نحن في مرحلة جديدة من مواجهة الوباء، وهي مرحلة التحرر من الإجراءات والتسهيل على الناس والعودة للحياة الطبيعية بحذر ووفق إجراءات السلامة، كون منحنى المرض ما زال صاعدا على المستوى العالمي ويحصد آلاف الأرواح يوميا، كما يسمح بفتح المحال والمنشآت التجارية والصناعية ومختلف المؤسسات بشكل طبيعي، مع الحفاظ على إجراءات السلامة”.
ويرى مختصون اقتصاديون في أحاديث منفصلة لـ”القدس العربي” أن خطوة الحكومة تخفيف ورفع إجراءات الحظر عن العديد من المصالح الاقتصادية مهمة وتأتي في سبيل محاولة إنقاذ ما تبقى من الكساد الاقتصادي الذي انعكس بالسلب على أصحاب الممتلكات الصناعية والعاملين فيها، بينما رأى مختصون أن أي نجاح لعودة الحياة إلى طبيعتها مرهون بطبيعة الأوضاع في الدول المجاورة، سواء مصر مع غزة أو الأردن مع الضفة الغربية إلى جانب إسرائيل، التي تعتبر ممرا تجاريا مهما للبضائع والسلع الآتية إلى فلسطين وتتحكم في المعابر التجارية.
وأوضح الخبير الاقتصادي معين رجب، إن القطاعات التجارية والصناعية في غزة أو الضفة، تصارع الوقت بعد رفع الحظر لتنشيط تجارتها واستعادة وضعها في السوق المحلي، ولا سيما عودة النشاط السياحي والنقل والمواصلات والخدمات التي تعتبر من أكثر القطاعات إنعاشاً للاقتصاد، مشيراً إلى أهمية تكثيف السلطة جهودها على المستويات العربية والدولية لدفعها من أجل تقديم المساعدات لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني الذي يعد متهالكا.
وأشار إلى أن على المؤسسات المالية والمصرفية دور مهم في توسيع التسهيلات الائتمانية من أجل تمكين القطاعات الإنتاجية من استعادة وضعها السابق، وأيضاً التوسع في تمويل المشاريع الصغيرة التي تعد من أكثر الركائز التي تعتمد عليها اقتصادات الدول.
وعبر رجب عن تخوفه من تراجع الاقتصاد الفلسطيني في ظل العراقيل التي يضعها الاحتلال أمام الفلسطينيين في إطار سياسة ضم الضفة وما قابله من محاولة السلطة وقف التنسيق الأمني، وما يهدد ذلك عودة إسرائيل إلى سياسة الاستفزاز المالي من خلال حجز أموال المقاصة وربطها بإملاءات سياسية.
وفي السياق بين المختص الاقتصادي ماهر الطباع أن استعادة النشاط الاقتصادي في الأراضي الفلسطينية يتطلب أن تعتمد السلطة في معالجة مشكلاتها المالية على خطط مدروسة ومنظمة، وأن تواجه الفساد المالي في المؤسسات العامة وحث المؤسسات المصرفية على أن يكون لها الدور المحوري في مساعدة القطاعات الإنتاجية لاستعادة نشاطها وتسهيل معاملاتها المصرفية.
وأشار إلى أنه في حالة عودة الجائحة للاستفحال مجدداً في دولة الاحتلال سيترتب على ذلك منع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى مراكز عملهم في الداخل المحتل، وستتأثر كذلك حركة الصادرات والواردات، كما أن الأردن هو المنفذ العربي الوحيد للضفة إلى الخارج وإن حدثت تطورات دراماتيكية فيها سيعود نشاط الضفة إلى المربع الأول، إضافة إلى أن مصر لا تزال تعاني من أزمة حادة وارتفاع متواصل في معدلات الإصابة والوفاة في صفوف المواطنين، الأمر الذي يجعل إمكانية عودة الأمور إلى طبيعتها في غزة صعبا، خاصة بعد إغلاق المنفذ الوحيد من غزة إلى العالم معبر رفح البري.
ولا يعول الخبير الاقتصادي نور أبو الرب كثيراً على تدخلات الحكومة في رأب صدع الشركات والأفراد المتضررين من خطة الطوارئ، مستنداً إلى الدور الحكومي الخجول في تقديم الدعم والمساعدة للمتضررين وحالة التميز في صندوق وقفة عز بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وإسناد عملية التوزيع إلى غير أهله والتمييز بين المحتاجين.
فيما لم يحدد فترة التعافي للاقتصاد بعد رفع حال الطوارئ، وربط ذلك بتعاطي دولة الاحتلال ودول الإقليم مع تطورات الجائحة وما تحمله الأيام المقبلة من تطورات حول مدى حصر انتشار الفيروس ووقف تمدده، مبيناً أن المنتجين في كل الأحوال سيحاولون قدر الاستطاعة تصريف إنتاجهم، والمستوردين سيعملون على إدخال البضائع العالقة خشية العودة للطوارئ.