لندن ـ «القدس العربي»: قبل عام ونصف العام من وقت كتابة هذه الكلمات، تحديدا يوم 25 فبراير/ شباط 2022، قامت الدنيا ولم تقعد في مكاتب قادة وزعماء دول العالم الأول، ومن ورائهم الدمى والعرائس التي تحكم قبضتها على كرة القدم وباقي الألعاب الرياضية، فارضين ما عُرفت وقتها بـ«حزمة العقوبات الأولى» على النظام والدولة الروسية، بدأت بسلسلة من الضربات الاستباقية على المستوى الرياضي، قبل حتى التدرج في العقوبات الوهمية على أكذوبة «فطام أوروبا» من النفط والغاز الروسي، كان أبرزها عزل موسكو كرويا عن عالم الساحرة المستديرة، وصلت الى حد إقصاء ممثلهم الوحيد في مراحل خروج المغلوب في بطولة اليوروبا ليغ، وحرمان المنتخب من استكمال مشواره في الملحق الأوروبي المؤهل لكأس العالم قطر 2022، وغيرها من العقوبات على مختلف الألعاب الجماعية والفردية، وذلك كما يعرف القاصي والداني، لأنهم لم يتحملوا رؤية من يشاركوهم في الملامح والبشرة البيضاء والعيون الزرقاء والثقافة، يتعرضون للقصف والغارات الجوية لاحتلال ما يزيد على 20% من الأراضي الأوكرانية، لكن سؤال المليون دولار الذي سنحاول استنتاجه معا في موضوعنا هذا. ماذا فعل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ونظيره الأوروبي (يويفا) مع العدوان الإسرائيلي الغاشم على أطفال ونساء وعجائز قطاع غزة؟
خزي وعار
باستثناء الموقف الحيادي للاتحاد الإنكليزي لكرة القدم وبعض الأندية الكبرى التي فضلت عدم المخاطرة بشعبيتها الجارفة في المنطقة العربية والشرق الأوسط عموما، فمن الواضح أن عالم كرة القدم، وبالأخص الاتحادات القارية والمؤسسات الدولية التي تدير وتضع معايير وقوانين اللعبة، لا تنوي أو حتى لديها مجرد فكرة عابرة لفرض ولو عقوبات خجولة على كرة القدم في دولة الاحتلال، وهذا يبدو منطقيا لأسباب وأبعاد سياسية نعرفها جميعا، منها على سبيل المثال لا الحصر، استقواء العدو المحتل بماما أمريكا وأبنائها أسياد العالم، وأيضا نفوذ الآلة الإعلامية الصهيونية، التي تُجبر صحيفة بحجم «واشنطن بوست» على تعديل عنوان مذبحة القرن في مستشفى المعمداني 3 مرات، حتى يفهم القارئ المشحون أن المذبحة حدثت بسبب انفجار مجهول، بعيدا عن براءة إسرائيل، لكن ما يصعب بحق هضمه أو تفسيره، هي تلك الازدواجية في التعامل بين الرياضيين والمشاهير الداعمين للصهاينة وبين سفراءنا العرب وكل من يحاول إظهار تعاطفه الإنساني مع عمليات الإبادة التي يتعرض لها الأبرياء في قطاع غزة، الى درجة أن رفع العلم الفلسطيني بات يُصنف كجريمة من نوعية دعم الإرهاب ومعاداة السامية، والعكس تماما بالنسبة للطرف الآخر القاتل، وشاهدنا كيف تفاعل ما يزيد على 65 مليون مغيب مع تغريدة مشهور كرة السلة الأمريكية ليبرون جيمس، الذي بادر بوضع نفسه في القائمة السوداء الداعمة للكيان، باستخدام كلمات وعبارات أقل ما يُقال عنها مضللة، بعبارة أخرى، مرر نفس الرسالة الأمريكية القذرة عن قطع رؤوس الأطفال واغتصاب النساء، حتى يسقط تهمة الإرهاب ومعاداة السامية على المقاومة الفلسطينية، وبعيدا عن كارثة عدم اعتذاره من عدمها، لاحظنا أن «NBA» وباقي مؤسسات اللعبة أيدت وجهة نظره الخبيثة ولم تلاحقه بتلك الشعارات الكاذبة والأوهام الخادعة عن عدم الخلط بين السياسة والرياضة، ونفس الأمر ينطبق على مشاهير كرة القدم في الملاعب الأوروبية الداعمين لجيش الاحتلال، هم أيضا يتسلحون بالحصانة الصهيونية العالمية.
ولنا في هذه الأزمة أكثر من نموذج، لعل أشهرهم متوسط ميدان ريال مدريد توني كروس، بتفاعله بالضغط على زر «الإعجاب» على تغريدة ابن العم ليبرون جيمس، وزميله في «سانتياغو بيرنابيو»، الحارس تيبو كورتوا، الذي وضع نفسه في مرمى النيران، بتغريدة على منصة «تويتر» سابقة و«إكس» حاليا، عبر فيها عن تضامنه مع ضحايا إسرائيل في عملية «طوفان الأقصى»، ليستيقظ على غضبة المتابعين، بتسونامي من التعليقات الغاضبة والمصدومة من موقفه المخزي، خاصة متابعيه في منطقتنا العربية، الأمر الذي أجبره على حذف المنشور والعودة مرة أخرى لاستئناف برنامج علاجه من الرباط الصليبي، على أمل أن تحدث معجزة ويعود للمشاركة قبل نهاية الموسم، بدلا من أن تصيبه دعوات المستضعفين ويعود إلى نقطة الصفر في انتكاسته الحالية ولا يلحق بكأس الأمم الأوروبية 2024، وقبل جميع الرياضيين ومشاهير الكرة، تقدم مدافع آرسنال ألكسندر زينتشينكو، قائمة الداعمين لباقي أفراد عائلته الكبيرة في الأراضي المحتلة، مشاركا الإسرائيليين ما اعتبرها اللحظات الصعبة، وهو نفس الشخص الذي كان يبحث عن أي كاميرا عابرة في الطرقات ليكسب تعاطف الملايين بعد سقوط 4 أقاليم من بلاده في يد العدوان الروسي من أصل 5 أقاليم منذ العام 2014، وهذا لا يعكس سوى ازدواجية هؤلاء البشر المصابين بكل أنواع الشيزوفرينيا، وفي رواية أخرى عنصرية وكراهية لنا وانحياز أعمى للعدو، يكفي أن هذا «الزيني» لم يلتفت له أحد في مكاتب نادي آرسنال ولا رابطة البريميرليغ ولا الاتحاد الإنكليزي، إلا بعد دخول صاحب النخوة والمبدأ محمد النني على الخط، بتغيير صورة بروفايل صورته عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي إلى صورة علم فلسطين، معها تذكرت الإدارة دفاترها القديمة، أو ما أشرنا أعلاه، «أوهام» عدم الخلط بين كرة القدم والنزاعات السياسية، بتحذير أو لفت انتباه للجميع داخل غرفة خلع الملابس، بعدم استخدام حسابات «السوشيال ميديا» لإثارة الجدل بين المشجعين في هذا التوقيت الحساس، لكننا جميعا نعرف ماذا كان سيحدث لو ظل النني صامتاً؟ ولو أن هذا لا يعني بالضرورة أن الدولي المصري قد أفلت من عقابه على موقفه التاريخي.
فجور الغرب
واحدة من أكثر الأمور التي يعجز المتابع البسيط من المحيط إلى الخليج على فهمها أو تفسيرها، هي حالة التوحش أو ما يمكن تسميتها بالغضبة الأوروبية الشرسة تجاه المقاومة الفلسطينية، والأسوأ من الدعم الأسوأ لإسرائيل، هو تعمد هذه الدول غض الطرف عن حملات الإبادة والتطهير العرقي الممنهجة التي يتعرض لها سكان قطاع غزة على يد جيش الاحتلال، على عكس ما اعتدنا عليه في سنوات ما بعد الانتفاضة الثانية وحرب 2008، إذ كانت هذه الدول تدعي بعض الحياد، وفي وقت معين تضغط على الصهاينة لإيقاف غاراتهم البربرية، بينما الآن يتفوقون على أعتى الأنظمة القمعية والدول الديكتاتورية، باختراع قوانين ما أنزل الله بها من سلطان، الهدف منها وضع القضية والعلم الفلسطيني في مربع الدواعش والإسلاموفوبيا والإخوان المسلمين وهلم جرا، مثل تهديد فرنسا بسجن أو فرض غرامة على من يظهر دعمه سواء للمقاومة أو الشعب أو العلم الفلسطيني، والعنف المفرط في تعامل قوات الأمن في دول مثل ألمانيا وإيطاليا مع المظاهرات والوقفات الداعمة لنا، وهذا يفسر لنا انقلاب الأندية الأوروبية على المحترفين العرب والمسلمين، الذين أعلنوا تضامنهم بشكل واضح مع أشقائهم في غزة، في مقدمتهم هؤلاء الشجعان، المغربي نصير مزراوي، لاعب نادي بايرن ميونيخ، الذي قال كلمة حق في وجه شيطان جائر عبر حسابه على منصة «انستغرام»، قائلا: «اللهم أنصر إخواننا المضطهدين في فلسطين ليحققوا النصر، رحم الله الأموات وشفى الله جرحاهم»، ليتحول في غضون دقائق وساعات تعد على أصابع اليد الواحدة في وسائل الإعلام و«السوشيال ميديا» في ألمانيا، من لاعب كرة قدم وواحد من نجوم ومشاهير البوندسليغا، إلى إرهابي وداعم للجماعات المحظورة في الشرق الأوسط، هذا وفقا لأشهر صحيفة في البلاد «بيلد»، مع مطالبات وضغوط على النادي البافاري، لتجميد نجم رابع مونديال كأس العالم قطر 2022، تمهيدا لفسخ عقده أو بيعه لناد آخر خارج الدوري الألماني. وما زاد الطين بلة، التفاعل السريع للنادي مع منشور لاعبه، بنشر بيان رسمي جاء نصه على النحو الأتي: «اتصل النادي على الفور بنصير مزراوي بعد منشوراته على إنستغرام الأحد، اللاعب موجود حاليا مع منتخب المغرب. بعد عودته من المقرر إجراء محادثة شخصية مفصلة مع إدارة النادي في ميونيخ، بغض النظر عن ذلك، فإن الجميع، بما في ذلك كل موظف وكل لاعب، يعرفون القيم التي يمثلها نادي بايرن ميونيخ، قد عبرنا عن ذلك علنا وبشكل لا لبس فيه في منشور مباشرة بعد الهجوم الإرهابي على إسرائيل، نحن قلقون بشأن أصدقائنا في إسرائيل ونقف معهم. وفي الوقت نفسه، نأمل في التعايش السلمي لجميع الناس في الشرق الأوسط».
وكما كان متوقعا، بلغت الإثارة ذروتها بعد عودة نصير إلى مقر تدريب النادي نهاية الأسبوع الماضي، وكانت البداية بتسريب أنباء عن توجه الإدارة التي تتماشى مع سياسة الدولة، بالتكفير عن خطية الأمس العالقة في الأذهان، وذلك باستبعاده من تدريب الفريق الأول تحت قيادة المدرب توماس توخيل، وهو ما تحول إلى حقيقة، بحسب انفراد نفس الصحيفة، التي تشفت في لاعبنا، بتناول تفاصيل قهره في أول حصة تدريبية بعد عودته من معسكر أسود أطلس، لافتة إلى أنه قام ببعض الإحماءات بشكل منفرد، ثم أجبر على الركض بمفرده أيضا تحت إشراف المدرب البدني ستيفان كيرث، وسط تزايد في التقارير والمعلومات، عن تعرض إدارة بايرن ميونيخ، لضغوط لا تصدق من قبل اللوبي الصهيوني، للتخلي عن نصير في أقرب فرصة ممكنة. وعلى أميال من عاصمة السيارات الفارهة، وتحديدا في مدينة نيس الفرنسية، دفع اللاعب الجزائري يوسف عطال، ضريبة باهظة الثمن، بسبب وقوفه مع الضحايا والمصابين في غزة، في منشور عبر حسابه على منصة «انستغرام»، أعلن فيه رفضه للظلم الواقع على الأطفال والنساء والشيوخ في القطاع المحاصر منذ أكثر من 15 عاما، ورغم أنه اضطر لحذف المنشور، بعد التهديد الصريح من قبل رئيس بلدية نيس كريستيان ارتروسي، الذي قال نصا: «أتوقع من يوسف عطال، إذا كان قد تم استغلاله، أن يعتذر ويندد بإرهابيي حماس. إذا لم يكن الأمر كذلك، فلن يكون له مكان في نادينا»، إلا أن النادي بالغ في معاقبة محارب الصحراء، ببيان رسمي في مختلف حساباته في العالم الافتراضي، جاء نصه بهذه العجرفة: «يدرك النادي أن اللاعب اعترف بخطأه من خلال سحب المنشور بسرعة وتقديم اعتذاراته الخطية والعلنية. ومع ذلك ونظراً لطبيعة المنشور وخطورته، اتخذ النادي قرارا بالتصديق على أول العقوبات التأديبية على الفور ضد اللاعب قبل تلك التي يمكن أن تقررها السلطات الرياضية والقضائية، وعلى هذا النحو، قرر النادي إيقاف يوسف عطال حتى إشعار آخر، ونود التأكيد على أن سمعة ووحدة نيس ناتجة عن سلوك جميع موظفيها الذين يجب أن يكونوا متوافقين مع القيم التي تدافع عنها المؤسسة. كما جاء في رسالتها يوم الجمعة الماضي، حيث ذكّرت المؤسسة بالتزامها الراسخ بأن يسود السلام على كافة الاعتبارات الأخرى»، ما يعني بشكل أو بآخر، أن العقوبات لن تتوقف عند هذا الحد، استنادا إلى تهديد رئيس اتحاد كرة القدم الفرنسي ديالو، لما وصفها بدعوات العنف التي أطلقها ظهير نيس، قائلا في مقابلة موثقة: «وجهة النظر هذه تتعارض مع أخلاقيات رياضتنا والقيم التي تدافع عنها كرة القدم بلا كلل، إن الاتحاد الفرنسي لكرة القدم يدين هذه الممارسات بأقصى درجات الحزم. لا يمكن قبول خطاب الكراهية، ومجلس الأخلاقيات في الاتحاد سينظر في المسألة»، ونفس التهديد وأكثر يطال الأردني موسى التعمري، لاعب نادي مونبيلييه، الذي أثار إعجاب المتابعين بموقفه البطولي، بإصراره على موقفه الداعم لفلسطين، حتى بعد رسائل التحذير التي بعثها وزير العدل الفرنسي موريتي، لكل اللاعبين المتعاطفين مع المقاومة الفلسطينية، وكان مفادها أنهم قد يواجهون عقوبة رادعة، لن تقل بأي حال من الأحوال عن السجن لمدة 5 سنوات.
أيضا المهاجم الهولندي ذو الأصول المغربية أنور الغازي، هو الآخر تعرض لكل أنواع الغدر والتنكيل بمستقبله الكروي، جراء ما هو أشبه بعنوان خبر كتبه عبر حسابه على «إكس»، مدونا «من النهر إلى البحر… فلسطين ستتحرر»، ليجد نفسه أمام طوفان من الانتقادات والتعليقات العدائية، بدأت بتخلي ناديه ماينز عنه وبراءة الإدارة من موقف اللاعب، ثم بتجميده حتى إشعار آخر، من دون فسخ عقده، ما يعني أنه بموجب قوانين الفيفا، سيبقى مقيدا في تدريبات ناديه الألماني حتى فتح سوق الانتقالات الصيفية القادمة، ومن حسن الحظ، أن الفرنسي الجنسية، الجزائري الأصل كريم بنزيمة، قد هرب من هذا الجحيم في الوقت المناسب، بعد انتقاله من ريال مدريد إلى اتحاد جدة في الميركاتو الصيفي الأخير، وإلا كان سيواجه نفس مصير مزراوي وعطال والغازي، كثمن لموقفه الداعم لغزة واعتراضه على وحشية الصهاينة قبل وبعد مذبحة مستشفى المعمداني، وشاهدنا كيف أثار غضب واستياء القادة والمسؤولين الكبار في فرنسا بسبب إصراره على موقفه، كان آخرهم وزير الداخلية جيرار دارمانيان، الذي أناب عن أحمد موسى وإبراهيم عيسى ومصطفى بكري، بوضع كريم في جملة مفيدة مع جماعة الإخوان المسلمين، قائلا بالنص في مقابلة مع «فوت ميركاتو»: «منذ سنوات كثيرة ونحن نلاحظ انجرافاً بطيئا لبنزيمة نحو إسلام أكثر تشدد وصرامة، وهو إحدى سمات أيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين، التي تتسم بنشر المعايير الإسلامية بمختلف المجالات، بالخصوص وتحديدا بالرياضة»، استكمالا للحملة العنصرية الممنهجة التي يتعرض لها بنزيمة في السنوات الماضية، وكانت سببا رئيسيا في اتخاذه قرار اعتزال اللعب على المستوى الدولي، بعد أقل من عام على قرار عودته للديكة للمرة الأولى منذ 5 سنوات، على خلفية قضية ابتزاز اللاعب ماثيو فالبوينا في مقطع فيديو جنسي، منها على الذاكرة وصفه من قبل السياسي اليميني داميان ريو بـ«الإرهابي» منتصف العام الماضي، قبل أن يتخذ قرار التقاعد الدولي، ومؤخرا أسقط عليه السياسي الآخر غوردان باريلا، نفس الاتهام على صاحب «البالون دور»، معلقا على صورته بالزي السعودي في احتفالات اليوم الوطني للمملكة: «يجب أن نميز بين وظيفة الفرد وأفكاره، بنزيمة كان أحد أفضل لاعبي كرة القدم في فرنسا لكنه يدعم الإسلاميين، على الأقل هو ثابت في مواقفه، فهو يريد أسلوب حياة إسلاميا، لذا ذهب إلى السعودية، إنه يرتدي الزي السعودي التقليدي، والسعودية دولة إسلامية حسبما أعرف، وأنا أفهم أنها بلد يقطعون فيه أيدي أولئك الذين يسرقون»، وغيرها من المضايقات والقيود التي ستتضاعف على بنزيمة وكل من هو مثله داعم أو متعاطف مع الأبرياء والضعفاء في غزة، وقد تصل تكلفتها إلى سحب جائزة «الكرة الذهبية» منه أو حرمانه من الجنسية الفرنسية، على غرار الموقف المخزي للاتحاد الدولي للسباحة مع السباح المصري عبدالرحمن سامح، بعدما رفض الاحتفال بحصوله على الميدالية الذهبية في سباق 50 متر فراشة في كأس العالم، قائلا بالإنكليزية على مرأى ومسمع الجميع أثناء تتويجه بالذهب: «تلقيت تهديدات بالقتل، وكان الناس يهاجمونني طوال الأسبوع بسبب دعمي لفلسطين وتذهب عائلتي إلى النوم وهي لا تعلم ما إذا كان شخص ما سيقتحم غرفتي أو شقتي في اليوم التالي، وهم قلقون كثيرا في كل مرة لا أرد فيها على مكالمة إذا كنت مشغولا، خوفا من احتمالية أن يحاول شخص ما قتلي، بصراحة لا أعرف إذا كان ينبغي عليّ أن أحتفل بهذا أم لا، بسبب أن إخوتي يُقتلون في فلسطين الآن»، ليقوم الاتحاد بتحطيم معنويات المصري، بحذف كل صوره من مواقع التواصل الاجتماعي.
وكما نتابع الآن بدأت الانتقادات تطال أسطورة لعبة التنس أنس جابر، لتعاطفها مع ضحايا غزة. وكذلك هداف ليفربول محمد صلاح، بعد الضجة التي أثارها الأسبوع الماضي، باستجابته المتأخرة للأصوات التي كانت تطالبه بضرورة إظهار موقفه ودعمه لجيرانه المحاصرين في غزة، وحسنا فعل رغم كل الانتقادات التي ما زال يتعرض لها، مرة بقيامه بالتبرع لمؤسسة الهلال الأحمر المصري التي تشرف على إيصال المعونات الإنسانية لضحايا العدوان الإسرائيلي، ومرة أخرى بمقطع الفيديو، الذي نشره عبر حساباته في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، لحث رؤساء وزعماء دول العالم، لإيقاف ما يحدث في القطاع في الوقت الراهن، لكن الشيء المثير والمحير في نفس الوقت، أن الهجوم على الميغا ستار، أصبح من الداخل والخارج، نعم عزيزي القارئ، بعدم هضم شريحة عريضة لفحوى رسالة صلاح، ما بين آراء معترضة على استخدامه تقنيات الذكاء الاصطناعي في مقطع الفيديو، وقراءته للنص من الأوتو كيو أمام الكاميرا، وآخرون كانوا ينتظرون منه رسالة أخرى أكثر عمقا وتأثيرا، بإدانة واضحة للعدوان الغاشم، وليس بالتلاعب بالألفاظ واستخدام مصطلحات تأخذ معاني مزدوجة مثل «كل الأرواح مقدسة»، والاكتفاء بالإشارة إلى حاجة أكثر من مليوني شخص لأبسط حقوق واحتياجات الحياة، لكن هناك من يتبنى فكرة «أنه لم يكن هناك أفضل مما كان»، بمعنى أنه نعم جاء متأخرا، لكنه في النهاية جاء، ونجح في إيصال صوت الضعفاء لأكثر من 150 مليون شخص عبر منصة «تويتر»، وعشرات الملايين عبر «انستغرام» وأكثر من مليوني ونصف المليون رغم قيود «فيسبوك» العقيمة على انتشار المحتوى، خاصة المحتوى الداعم للقضية الفلسطينية، أضعف الإيمان، جعل ملايين لا يعرفون أي شيء عن القضية يبحثون عن أصل وبداية الصراع، وهذا آخر وأسوأ سيناريو كانت تنتظره إسرائيل من أكبر قوة ناعمة ناطقة بلغة «الضاد»، وهذا يفسر لنا بداية الهجوم الغربي والخارجي عليه، بنفس الأدوات والآلة الإعلامي التي دمرت مسيرة الألماني مسعود أوزيل في أعلى مستوى احترافي في البريميرليغ، بسب دعمه لأقلية الإيغور المسلمين في الصين، وها هي الآن قضية «من كانت تسمى فلسطين… وصارت تسمى فلسطين»، بصوت محمود درويش، تعود بقوة إلى الساحة لتعري وتكشف لنا نفاق عالم كرة القدم.