بيروت ـ «القدس العربي»: قبل 65 عاماً انطلق معرض بيروت العربي والدولي للكتاب. عميد المعارض العربية شكّل وجهة للناشرين من مختلف الدول، ومقصداً للباحثين عن الكتاب الصادر حديثاً من مختلف الدول العربية. في خلال تلك السنوات مرّ لبنان بالكثير من الأحداث الأمنية الكبيرة، لكنّ المعرض حافظ على موعده عاصمته بين نهاية تشرين الأول/نوفمبر وبدايات كانون الأول/ديسمبر. ومرّ أيضاً بمطبات الاقتصاد اللبناني المتهاوي أكثر من مرّة، والناتجة عن صراع شرس بين العملة الوطنية والدولار الأميركي، مما إنعكس سلباً على طلب المواطنين للكتاب.
في الدورة الـ65 للمعرض كانت المواجهة ذات شقين. الأول تمثّل بالانقسام وتفريخ “المعرض الدولي للكتاب في بيروت” بتنظيم من جمعية الناشرين. والثاني ناتج من العدوان الصهيوني المتواصل على غزّة. توقيت المعرض “الوليد” كان بعد أسبوع من طوفان الأقصى. وتوقيت المعرض الأصيل أتي في عزّ احتدام المعارك وسقوط الشهداء، وتسجيل انتصارات المقاومة.
استلحق معرض بيروت العربي والدولي للكتاب نفسه وأدخل إلى برنامجه العديد من الفعاليات الثقافية المخصصة لفلسطين. فيما تعددت مواعيد توقيع الكتب لإصدارات جديدة لكتّاب من فلسطين وفق برمجة سابقة للعدوان. لقد فرض الحدث الفلسطيني نفسه، وسعى برنامج المحاضرات والفعاليات المرافقة إلى المواكبة سواء بأمسية شعرية تحية لغزّة، أو أمسية غنائية لأطفال بيت الصمود وغيرها من الانشطة.
أين فلسطين في معرض الكتاب الـ65؟ سؤال طرحته “القدس العربي” على عدد من دور النشر. وكانت الإجابات التالية:
تقول رائدة إدريس إن مؤسس دار الآداب الوالد الراحل سهيل إدريس التزم القومية والوحدة العربية كمسار لسياسة الدار، وكانت وما تزال فلسطين في الطليعة. الإصدارات الخاصة بفلسطين لا حصر لها. بدءاً من الكتب الفكرية والسياسية والمقالات والدراسات، وصولاً إلى الروايات. هذا العام وكما في كل عام أصدرنا المميز من الكتب منها كتاب الياس خوري الذي يجمع عدّة مقالات تحت عنوان “النكبة مستمرة”. ومن يقرؤها يشعر وكأنه يعيش المرحلة التي عاشها الشعب الفلسطيني سنة 1948. و”تفصيل ثانوي” للكاتبة الفلسطنية عدنية شبلي والذي صدر سنة 2017. هذا الكتاب حظي بالكثير من الاهتمام بعد حجب الجائزة عن كاتبته والتي نالتها في معرض فرانكفورت. حقق تفصيل ثانوي طلباً كبيراً، وكانت له طبعة ثانية. جديدنا على صعيد الرواية كتاب السجين لدى الاحتلال باسم خندقجي “قناع بلون السماء” والمحكوم مؤبد. وكانت رواية أولى قد صدرت له عن دار الآداب قبل سنتين “خسوف بدر الدين”. وصدرت هذا العام وبمناسبة المعرض بطبعة جديدة. أسلوبه جميل جداً فيه تشويق ومعاناة. “قناع بلون السماء” جرى توقيعه في الدار بحضور حاشد جداً، واختار الكاتب للتوقيع بدلاً من الشاعر زاهي وهبي. ومن أدب السجون صدرت رواية “حكاية جدار” لنصار أبو سرور والمحكوم مؤبد كذلك. وآمل أن يتحررا معاً في عملية التبادل المنتظرة.
وأضافت إدريس: وصدر عن دار الآداب الجزء الثاني من السيرة الذاتية لسحر خليفة. وهي الكاتبة التي نشأت وكبرت في فلسطين وشاركت في ثوراتها وتظاهراتها.
وخلُصت رائدة إدريس للقول: زاد الطلب على الأدب الفلسطيني. واسم فلسطين بات موجوداً في العالم أجمع. والبعض راح يبحث عن موقعها على الخريطة، ويسأل عن حكايتها. والبعض الآخر هزته الجرائم التي يرتكبها العدو، فعاد لتقويم موقفه وبات اخلاقياً.
وماذا عن مقولة سماح إدريس “إذا تخلينا عن فلسطين تخلينا عن أنفسنا”؟ تقول: كم نحتاجه ونفتقده الآن. يتذكره الجميع حين بدأ الحديث عن المقاطعة وكم كان مؤمناً بها. لا شك أنه فخور حيث هو بانجاز السابع من أكتوبر.
في مركز دراسات الوحدة العربية كان الكاتب الفلسطيني أحمد الدبش يوقع جديده المترجم للإنكليزية. قال: نحن بصدد توقيع الإصدار الأول “القدس التاريخ الحقيقي من أقدم العصور إلى الاحتلال الفارسي” 2020. والإصدار الثاني توقيع النسخة الإنكليزية من كتاب “فلسطين: من هنا بدأت الحضارة من أقدم العصور إلى العصر الحجر النحاسي” والذي تولت ترجمته منال شربيني، وصدرت هذه الطبعة سنة 2022 فيما صدرت الطبعة العربية سنة 2018. كتاب تاريخ القدس يقدّم صورة من واقع مدينة القدس وليس صورة متخيلة. إنها كتابة لتاريخ القدس خارج نص الكتاب المقدّس، وبناء على التنقيبات الأثرية وعلم الآثار. يعود تاريخ مدينة القدس لـ500 ألف سنة قبل الميلاد، وليس مع الفتح اليبوسي كما يقول بعض المؤرخين العرب. كانت القدس مهد الحضارة النطوفية، وهي الحضارة التي انتقلت بالإنسان من حالة الصيد إلى حالة الزراعة والاستقرار. وبالتالي هذه الحضارة انطلقت من القدس وشملت كل المشرق القديم تحت مُسمى الحضارة النطوفية. للقدس تاريخ عريق وعميق نقدمه اليوم في هذا الكتاب.
يُعرّف الكاتب أحمد الدبش نفسه بـ”فلسطيني أجدادي من الرملة. هاجروا بعد النكبة إلى غزّة، ومنها إلى مصر، وها أنا الآن أقيم في بيروت. إنها مراحل اللجوء من 75 سنة إلى الآن”. هذا ونال كتابه جائزة جامعة الزيتونة في الأردن كأفضل كتاب عن تاريخ القدس.
في دار رياض الريس لفتني إعلان كبير الحجم لكتاب “اسماعيل وهاجر: القبيلة المنبوذة” لفاضل الربيعي. فيما كان الوزير غازي العريضي يتابع توقيع كتاب منير الربيع الذي حمل عنوان “العرب في قطار النظام العالمي”.
سألنا الوزير العريضي: نبحث عن حضور فلسطين في المعرض الـ65؟ فيعود بالذاكرة إلى سنوات مضت: بالنسبة لي تعددت تواقيعي في معرض الكتاب منذ القديم. كافة كتبي موضوعها فلسطين، فما يستهدفها يستهدف العرب جميعهم. وهذا ما أراه على المستوى الشخصي. في جولتي على المعرض سررت بالتركيز على القضية الفلسطينية، علماً أن الكتب يتمّ تحضيرها مسبقاً، وقبل حصول العدوان على غزّة من قبل دولة الاغتصاب والإرهاب. ولا شك أن هذا العدوان مفتوح ومستمر منذ النكبة الأولى. أجزم بأن أحداً لن يأخذ مكان بيروت في نُصرة فلسطين على المستوى الشعبي، والشبابي والطلابي. وعلى مدار أيام المعرض لمسنا نشاطات وتوقيع كتب وندوات من شعر وأدب ورواية وفكر وسياسة وتاريخ. ستبقى بيروت عروس العواصم العربية في المقاومة وفي التعبير عن المقاومة.
الكتب التاريخية
قالت فاطمة الريس بأن فلسطين حاضرة في دار رياض الريس في كتب متعددة هذا العام. منها الكتب الروائية، والفكرية وغيرها. جديدنا كتاب “سردية الجرح الفلسطيني: تحليل في السياسة الحيوية الإسرائيلية” للكاتبة سلمى الريس من غزة. كما وصدر حديثاً للكاتب فاضل الربيعي كتاب “إسماعيل وهاجر: القبيلة المنبوذة”.
وتضيف: الكتب التاريخية التي صدرت قديماً وحديثاً جميعها يهدف للوصول إلى حقيقة واحدة أن فلسطين لأهلها ومنذ أقدم العصور. الحمد لله الإقبال لافت على كافة الكتب المتعلّقة بفلسطين وبشكل خاص كتاب “سردية الجرح..” لسلمى الريس. كما وينفرد دار رياض الريس بإصداره مذكرات للشخصيات الفلسطينية البارزة جميعها تقريباً.
ووجد الباحث والكاتب الفلسطيني منير شفيق أن الاهتمام بالرواية الفلسطينية في معرض الكتاب أمر لافت، خاصة للروائيات. وأضاف: العدوان الدامي على غزّة ترك لدى القارئ نهماً للبحث في أصول القضية الفلسطينية وجذورها. نحن في مرحلة تحولات وهناك انتعاش في سوق الكتاب بحثاً عن مزيد من المعرفة عن فلسطين. وأظن أن أي كتاب لو تواجد في المعرض الآن عن غزّة لكان حقق رقم مبيع قياسيا.
غزّة أغنية فلسطين
بوستر “غزّة أغنية فلسطين” ارتفع في العديد من دور النشر، وهو من توقيع دار نلسن. صاحب الدار سليمان بختي تحدث لـ”القدس العربي” عن ظروف ولادة هذا البوستر بالقول: ولد بوستر غزة ووزع على كافة الناشرين في المعرض العربي الدولي للكتاب الدورة 65 لقد ولد من وجع غزة وجراحها. من جحيم غزة التي ما رأينا مثل صورها ومعانيها. وكيف يذهب العالم إلى هبائه، وتخاف ان ننسى وتخاف ان نتذكر. وتخاف ان تقع السقوف ولا يراها أي شاهد أعمى. هذا جحيم غزة يحرق ويحترق. لا بد لهذا الهمس ان يتحول إلى فكرة والفكرة إلى صورة، والصورة إلى بوستر وان يكون لنا القول إن غزة هي أغنية فلسطين. بادرت بالعمل مع المصممة الفنية في دار نلسن وخلال ساعات قليلة هبطت وانتشرت مثل غيمة مثل وردة توزعت أوراقها في ريح المساء. في قاعة الكتب التي تتدلى منها الحروف والكلمات مثل الثمرة أو الحجر الكريم. وحقّ لنا أن نقول أن الكلمات الثلاث “غزة …أغنية فلسطين” هي نجمة الكتاب في معرض الكتاب في بيروت.
مدير معرض الكتاب عدنان حمود تحدث لـ”القدس العربي” عن ظروف افتتاح المعرض الـ65: قرار افتتاح المعرض في ظل الواقع المؤلم الذي تعيشه غزّة كان صعباً. أمضينا عاماً في التحضير للمعرض، وقبل عشرة أيام من افتتاحه اتخذت الهيئة الإدارية للنادي الثقافي العربي قرار الاستمرار بعد الكثير من الأخذ والرد نتيجة الظروف الصعبة. عندما بدأت أخبار الهدنة تتوارد وقبل عشرة أيام من الافتتاح تمّ تأكيد الافتتاح في وقته المحدد.
يعود حمود إلى بدايات النادي الثقافي العربي وتأسيس معرض الكتاب حيث كانت فلسطين في طليعة الندوات، إضافة إلى حضورها على صعيد دور النشر. يقول: في معرض الكتاب رقم 54 عقدت 12 ندوة عن فلسطين. فتلك الدورة من معرض الكتاب العربي والدولي حملت اسم فلسطين. وكان من بين المحاضرين أسعد عبد الرحمن، وعزمي بشارة. وكان تكريم للقائد جورج حبش. وفي الدورة الـ 65 خصص يوم الختام لعرض فيلم “لماذا المقاومة”. ثمّ حفل لكورال بيت أطفال الصمود. وندوة “عن التطورات في الداخل الإسرائيلي في التعامل مع حرب غزّة” تحدثت فيها الباحثة رندة حيدر، والكاتب أنطوان زحلان.
وفي تقييمه العام للمعرض الـ65 قال عدنان حمود: رغم الوضع الاقتصادي الذي يعيشه لبنان والأزمات التي نمرّ بها كان هناك إصرار على إقامة المعرض في موعده. دون شك كان الاستقبال فاتراً للمعرض في أيامه الأولى، خاصة وأن معرض لبنان الدولي للكتاب الذي نظمته للمرة الأولى نقابة الناشرين، بهدف منافسة معرضنا ترك أثراً سلبياً. شارك في معرضنا 103 من دور النشر. ونحن في معرض الكتاب نعتبر إطلاق معرض من قبل الناشرين صفعة لمعرض الكتاب العربي والدولي الذي يُعتبر عميد المعارض العربية. والأثر المباشر للمعرض الرديف أن دور النشر اختارت توزيع المساحة التي كانت تستأجرها بين المعرضين. وهكذا انقسم الجمهور بين المعرضين وخاصة تلامذة المدارس.