فلسطين في مونديال قطر: المقاومة المعنوية لمشروع الاحتلال

رافائيل لو ما جواريك | ترجمة: عبدالله الحيمر
حجم الخط
5

سعت دولة قطر أن يكون لها مكان بين الأمم، وسعت في اتجاه التطور والنمو بكل مواردها وطاقاتها، التي تُركّز على بناء علاقات مفتوحة ومتزنة ومتنوعة. فإن احتضانها للمونديال كان استثنائيا بكل المقاييس كبلد عربي بهوية إسلامية متميزة. وفرصة مثالية، تعرف الكثيرون من خلالها على عروبة قطر. وكانت رسالة الافتتاح والختام، تتمحور حول التقارب بين كل شعوب القارات والتغلب على الاختلافات القاتلة، من خلال قيم الإنسانية الأصيلة المبنية على الاحترام والشمولية، حيث تسمح لنا كرة القدم كأس العالم بالتقارب كقبيلة واحدة كبيرة، والأرض هي الخيمة التي نعيش فيها جميعا. وكانت ثمة رمزية جسّدها الممثل الأمريكي مورغان، رفيق المناضل الافريقي نيلسون مانديلا، والفنان الملتزم بما يجري في قارته الأصلية افريقيا، التي تحاصرها الحروب والأزمات والحملات الاستعمارية المتواصلة، ولذلك أدى مورغان عام 2009 دور مانديلا في فيلم (Invictus) ورُشّح لجائزة الأوسكار عن أفضل ممثل.
ومن هنا فقد خيم طيف فلسطين على هذه الدورة من كأس العالم، المقاومة المعنوية لمشروع الاحتلال، وأن الحلم الفلسطيني والجرح الفلسطيني يحتل قلوب العرب والأحرار في العالم، وأن أي شيء في هذا الوجود لا يمكن ان يخلع هذا الحب الأبدي لفلسطين من قلوب المغاربة.

٭ ٭ ٭

خلال كأس العالم في قطر، تم تذكير العالم بفلسطين. من تجمعات المتفرجين في أسواق ومدن قطر إلى مدرجات الملاعب، ازدهرت الأعلام والرموز الفلسطينية خلال كأس العالم لكرة القدم الأول الذي نظم في بلد عربي. صحيح أن دعم فلسطين هو خط عربي تنتهجه قطر بالدفاع عنها عربيا وعالميا كقضية عادلة. وأن هذه القضية تحظى بإجماع واسع داخل المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج، خاصة في ملاعب العديد من دول المنطقة حتى خارج فترة المونديال.
في إحدى الأمسيات من عام 2019، في اللوحات الأخاذة التي تحتل جنبات ملعب محمد الخامس في الدار البيضاء كلّما لعب هذا الفريق، فسحة للمشاهد كي يستمتع بمباراة أخرى تجري فوق المدرّجات، الإلتراس البيضاوي الذي يُبهر المتتبعين بإبداعه في التشجيع، حتى إن لم يكن الفريق الأخضر في أفضل معنوياته، غير أن جمهور الرجاء لم يعرف فقط بشعاراته المساندة لفريقه، بل سبق له أن شكّل لوحات تعبيرية نصرة لفلسطين بوضع شعارات على القماش رسم عليها من الخلف الطفل حنظلة.

حنظلة شخصية بارزة في الثقافة الفلسطينية منذ 50 عاما

هذه الشخصية الرمزية التي تأبى ان تكبر، وأن تكون أكبر من الموت أصبحت، على مدى 50 عاما من الوجود، شخصية رئيسية في الثقافة الفلسطينية، هي من عمل رسام الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي (1937-1987) وتمثل صبياً في العاشرة من عمره. أدار ظهره للقارئ وعقد يديه خلف ظهره عام 1973 كرمز لرفض الشخصية للحلول الخارجية، ولبسه لملابس مرقعة وظهوره حافي القدمين يرمزان لانتمائه للفقر. ويقول ناجي العلي عنه، إن الصبي ذا العشرة أعوام يمثل سنه حين أجبر على ترك فلسطين بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عام 1948 إلى مخيم عين الحلوة، على مشارف بلدة صيدا الساحلية في جنوب لبنان، حيث أصبح ناجي العلي رسام كاريكاتير رسميا في الجرائد الكويتية منذ سنة 1963.
في صفحات إحدى الصحف الصادرة في دولة الكويت، وُلدت شخصية «حنظلة « عام 1969. على مدى العقود التالية، وأصبحت من بين شعارات القضية الفلسطينية الخالدة، التي توحد ما وراء الحدود، من المشرق إلى المغرب العربي. يخرج الطفل عديم الجنسية في مثل هذا اليوم من عام 2019 من أكشاك الدار البيضاء الملتهبة بالقضايا العربية، محاطًا بعبارة، «حتى النصر» في شعارات الألتراس في المغرب العربي، المتعودون على تلك الحقيقة، لاسيما تلك الخاصة بفريق الرجاء البيضاوي. مساء هذا اليوم نفسه من عام 2019، غنى ألتراس الرجاء أغنية «رجاوي فلسطيني».
مقياس الحرارة الاجتماعية للشعوب العربية
من المغرب إلى العراق، تعمل مجموعات المؤيدين هذه كمقياس للحرارة الاجتماعية. من الشعارات إلى الأغاني، بالنسبة لهذه المجموعات، تظهر القضية الفلسطينية كامتداد لروح الاحتجاج التي تشكل منصة ملاعب العربية وغالباً ما تعارض الأنظمة القائمة. الاتجاه نحو التقارب بين الرباط وتل أبيب ليس عبثًا في مظاهرة التأييد هذه لفلسطين من خلال الأعلام. مثل الفيلم المصري «عمارة يعقوب» حيث شعرت شخصية النجم عادل إمام بالرعب، لدى عودته من الإمارات العربية المتحدة، ليجد أن السفارة الإسرائيلية الآن بجوار شقته، فإن الملعب يعكس الفجوة التي بين صالونات السلطة، والحالة الذهنية التي تسود المجتمعات العربية الرافضة لهذا التطبيع. مثال آخر: في مصر، يتم تمييز مباريات اختيار كرة القدم بانتظام بأغاني مؤيدة لفلسطين، ما يدحض اتفاقيات كامب ديفيد الموقعة في عام 1978 بين القاهرة وتل أبيب.

اللاعبون العرب على العقيدة نفسها

من شباب المدرجات إلى هؤلاء الموجودين في الملاعب خلال مباريات كأس العالم، تظل الحالة الذهنية، كما هي رافضة ومقنعة بحبها الأبدي لفلسطين. هكذا كان النجم المغربي أشرف حكيمي. في مايو/أيار 2021، حيث قام مدافع أسود الأطلس بتغريدة دعمه لفلسطين قبل ذهابه لبطولة الأندية في دولة الاحتلال، ما جعله يتعرض لألفاظ نابية وتصفير حاد من طرف جمهور الاحتلال عندما لعب مع باريس سان جيرمان في تل أبيب، ضمن فعاليات كأس الأبطال في أغسطس/آب 2021 ثم في يوليو/تموز 2022. هذه الحالة بعيدة كل البعد عن العزلة: السبب هو حضور القضية الفلسطينية في وجدان الإنسان العربي بقوة، وفي صفوف الفرق في المنطقة، وبين العديد من اللاعبين العرب من المحيط إلى الخليج. تغريدة نشرها أشرف حكيمي في 10 مايو 2021.

ليس من غير المألوف أن تصور الاحتفالات بالأهداف، العنف الذي يعاني منه السكان الفلسطينيون. في القاهرة، جعل اللاعب مصطفى محمد يحتفل بهدفه مع المنتخب المصري «للشباب» بوضع إشارة يده فوق عينيه، في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2019. كموقف احتجاجي من أجل الشاب المصور الفلسطيني معاذ عمارة، الذي أعمته رصاصة من الجيش الإسرائيلي. في الأصل من المنطقة أو الشتات الفلسطيني، يظهر اللاعبون أنفسهم كامتداد لهذه القضية التي توحد العرب خارج الحدود الوهمية للوطن العربي. على الرغم من الموقف الاستراتيجي للعديد من الخبراء السياسيين في العالم العربي، التي تقترب أكثر من إسرائيل – الذي يتجلى بشكل خاص في توقيع اتفاقيات إبراهيم في عام 2020 بين إسرائيل، من جهة، والإمارات العربية المتحدة والبحرين من جهة أخرى. ومن جهة أخرى، انضم المغرب والسودان في ما بعد، إلا ان القضية الفلسطينية تواصل حشدها من طرف أحرار العرب. ومع ذلك، هناك منطقة واحدة هي استثناء: المنطقة بالتحديد التي أقيمت فيها نهائيات كأس العالم للتو. بعيدا عن المونديال، قضية فلسطينية شبه غائبة عن الملاعب الخليجية. لكن كأس العالم في قطر 2022 غيّر المعادلة تماما، وأصبحت قضية الصدارة في كل مباريات المنتخب المغربي الذي وصل إلى ربع نهاية كأس العالم؛ لكن في قطر وفي الأوقات العادية، وبعيدا عن هذه الأضواء، يظل هذا الصراع غائبا عن مسافاتها. لا عجب، في دولة حيث يتم بناء مجال الرياضة بالقوة كمساحة غير سياسية. ولا يقتصر هذا الصراع على قطر فقط على المدرجات: فهذه لا سياسية، تسود جميع الملاعب في المنطقة. ومع ذلك، يجب أن نتذكر دور الفلسطينيين، الذين كانوا القوة الدافعة في تطوير الرياضة، خاصة كرة القدم في دول الخليج. لنأخذ حالة الكويت، أرض المنفى لرسام الكاريكاتير ناجي العلي، كان للبورجوازية الفلسطينية دور حاسم في هيكلة الحركة الرياضية للإمارة الناشئة. من بين الأساتذة والمعلمين الذين شكلوا عماد نهضة الكويت التعليمية والفكرية، هناك الكثير من بين صفوف هؤلاء المعلمين ممن يمارسون كرة القدم. بين مركزية الكويت كأرض للهجرة الفلسطينية والرحلات الدراسية للشباب الكويتي إلى القاهرة، انتشر العديد من الأفكار والمبادرات والمشاريع التي غرست بذور البيئة الرياضية الكويتية.
فنادي العربي لكرة القدم أحد النوادي الكبار في البلاد، هو ثمرة هذا الزخم والحراك الفلسطيني في الكويت، فتأسست منذ الخمسينيات تحت اسم العروبة العديد من الأندية الكروية. في هذا الوقت، كانت القومية العربية، خاصة القضية الفلسطينية، مصدر إنشاء هذا النادي. وابتداءً من الخمسينيات، انتشر العديد من الأندية في جميع أنحاء المنطقة تحت الاسم نفسه والجوهر نفسه. بعض لاعبيهم يعودون أحياناً إلى الشرق الأوسط للمشاركة في القتال ضد دولة الاحتلال إسرائيل في صفوف «الفدائيين».
وبصورة حازمة في موقفها ضد إسرائيل، تظل الكويت استثناءً على الساحة الخليجية من حيث علاقة عالمها الكروي بالقضية الفلسطينية. والواقع أن نادي العربي لم ينس جذوره، وليس من النادر أن نرى لاعبيه لا يعرضون رموزاً تكريماً لفلسطين. من ناحية أخرى، تسعى السلطات في دول الخليج الأخرى إلى تجنب أي ادعاء سياسي في ملاعبها، بما في ذلك الملاعب المؤيدة للفلسطينيين.

عندما تلوّح الدوحة بالقضية الفلسطينية

كهدف استراتيجي للدوحة، كان كأس العالم بمثابة تتابع لخطها السياسي الإقليمي. تعتمد قطر على صدى مثل هذا الحدث للتواصل وإعادة تركيز القضية الفلسطينية على الساحة العالمية خلال شهر من المنافسة. انعكس تدفق المشجعين من جميع أنحاء المنطقة، فضلاً عن وجود مئات الآلاف من الأشخاص المنتمين إلى هذه المنطقة الجغرافية، الذين يعيشون في دول الخليج، على أجواء المونديال. من خلال هذا التسييس الانتقائي – تم حظر رموز أخرى، مثل شارة « One Love « الشهيرة، أو حتى رسائل دعم الحركة الاحتجاجية في إيران، باسم السياسة الرسمية للحدث – وتترك قطر التعبير عن الموضوعات الشعبية العابرة للحدود في إطار ثقافي مشترك يكون جزءا من توجهها السياسي. من خلال استخدام هذا الرمز الموحد، فإنها تضع نفسها في صف المجتمعات العربية، التي تنظم هذه المسابقة على أنها «كأس العالم لجميع العرب». كأس العالم الذي تبنته قطر كموضوع يجتمع الناس على اختلاف أجناسهم وجنسياتهم وعقائدهم في حبهم وعشقهم لهذه اللعبة الجميلة. وسعت من خلاله لتعزيز شعبيتها في المجتمعات العربية، كقوة ناعمة تتبنى سياسة الباب المفتوح، وبناء علاقات مفتوحة ومتزنة ومتنوعة مع كل جيرانها العرب..

رافائيل لو ما جواريك: باحث في الجغرافيا السياسية ومتخصص في المجتمعات العربية والرياضة
ترجمة بتصرف عن موقع The conversation

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية