بيروت – «القدس العربي»: إختلفت حتى التناقض ردات الفعل، التي سمعتها حين إنفضت مسرحية «رسالة إلى آن فرانك» وذلك بعد وقوف للجمهور مصفقاً لدقائق. ربما هذا حال كل عمل فني وبخاصة المسرحي منه، والإنفعال حياله يختلف بين نخبة ومتفرجين متحمسين عفويين. وهذا ليس انتقاصاً من أهمية الفئتين، فحق الفرجة وحق الرأي مشروع. إذاً تراص المغادرين للصالة سمح بسماع زبدة سريعة عن المشاعر حيال العرض من فئة تُعبر وبقية الفئة الأكبر صامتة. ففي عرض مسرحي كما «رسالة إلى آن فرانك»، ومهما كانت قدرات المتفرج مغرقة عميقاً في بحر الثقافة المسرحية، وكذلك في البحث الأكاديمي المنهجي، ثمة وجع منغرس سلفاً في الذات من ظلم يفوق حدود العقل، ويستوطن الروح قبل العرض وبعده، يفرض نفسه على الموقف. والأهم أن كل موقف أو نقد سيكون مفيداً للمخرج وبقية الفريق طبعاً، عندما يكون ضمن حدود لا تتوخى التجريح.
«رسالة إلى آن فرانك» عرض مسرحي اشتغل في مسرح مونو في بيروت من 25 أيلول/سبتمبر إلى 6 تشرين الأول/أكتوبر وبنجاح لافت على شباك التذاكر، وانتقل إلى عاصمة الشمال طرابلس. وقعته سمية شمالي تأليفا وكتابة، شادي كنج دراماتورجيا، عوض عوض إعداداً وإخراجاً، وجسده على الخشبة كل من رلى حمادة ومدى حرب وزمن حمادة.
في موجز عن «رسالة إلى آن فرانك» ورد التالي: إنها قصة حنان، إمرأة مقدسية قد هُدم بيتها للمرة الثالثة، واعتُقلت ابنتها المراهقة التي تبلغ 13 عاماً. بينما هي ترتب أحجار بيتها لتعاود بناءه تأتي فتاة يهودية عمرها 16 عاماً اسمها آن تائهة لا أهل ولا بيت لديها. تستقبلها حنان وتطعمها. تكتشف الفتاة أن وعد إبنة مضيفتها كتبت رسالة إلى آن فرانك فتصمم على قراءتها لمعرفة محتواها. تدور أحداث المسرحية حول هاتين الشخصيتين المتواجدتين في غرفة صغيرة من البيت ما زالت جزئياً صامدة. كل واحدة منهما متمسكة بقضيتها وبموروثها التاريخي.
إنها قضية فلسطين مجدداً يتناولها المخرج الشاب عوض عوض بدعوة من الممثلة القديرة رلى حمادة. وعوض على الدوام يسلم قضية شعبه ووطنه للناس بعيداً عن السياسة العربية والفلسطينية تحديداً وجراحها المؤلمة. هم الناس في فلسطين وكيف يواجهون الإحتلال، والوافدين إلى أرض فلسطين من أوروبا. نص فيه عودة إلى هتلر وإلى الكامب والمحرقة كذلك. إنها المواجهة المباشرة بين فلسطينية جذورها ممتدة عميقاً في القدس، وفتاة مراهقة وافدة من هولندا.
«رسالة إلى آن فرانك» ليس عرضاً معقداً ولا عبثياً ولا توريات فيه. مباشر تماماً كما المواجهة اليومية للفلسطينيين مع قطعان المستوطنين وجنود الإحتلال. ناس يقاومون ويعتقلون ويستشهدون. كان جيداً اختيار المواجهة بين النساء.
هو اختبار مسرحي، في حين نعرف من خلال الواقع أنها مواجهة لا تختلف عن المواجهة بين الرجال في فلسطين وجنود الإحتلال، فالنساء سطرن البطولات المشهودة. أما حنان الفلسطينية المقدسية فتملك حجتها كفاية في الدفاع عن بيتها وأرضها ووطنها. وآن اليهودية تملك كفايتها من القوة والعنف والتسلط والاستظلال بالكامب والمحرقة والوعد المدفوع الثمن لسرقة وطن له شعب وناس. حوار بين مراهقة تتحول إلى جندية فيما بعد، وبين سيدة اختبرت السجن الصهيوني وكل تبعاته من ممارسات عنف وخساسة. تزوجت وأنجبت، استشهد زوجها وولداها، سُجنت إبنتها «13 سنة» وهُدمت دارها ثلاث مرات. في خضم هذا السياق الشخصي المؤلم والمتواصل لم تيأس ولم تتراجع. بقيت تخترع من الألم صموداً ومقاومة وإيماناً، وأحياناً ضحكة بطعم مر.
رلى حمادة الممثلة المخضرمة الواثقة بعوض المخرج الشاب، الذي واكبته منذ كان طالباً بذلت جهوداً كبيرة خلال التمارين. بخاصة التمارين المُكثفة لإتقان اللهجة الفلسطينية.
ولا بد أن نشهد لها في العبء الجسدي الذي تكبدته وهي تنقل الحجارة لإعادة بناء بيتها. ليس هذا العبء الوحيد، فالنص الدرامي أو حتى الدراماتيكي كما هي حياة الشعب الفلسطيني منذ ما قبل النكبة حتى الآن في مواجهة المشروع الصهيوني، فرض على هذا العرض تأهباً بالحد الأقصى، سواء لجهة الصوت أو لجهة الجسد المشدود. إنها حقاً مواجهة لا تترك حيزاً لنسمة هدوء أو راحة.
«رسالة إلى آن فرانك»عرض مسرحي لساعة و10 دقائق قارب القضية الفلسطينية منذ نشأت كوعد في أرض لليهود، ووصل إلى بدعة ترامب بإعلان القدس عاصمة للدولة الصهيونية. بدعة هزأت منها حنان وأعلنت بدورها القدس عاصمة لدولة فلسطين. تميز العرض بوتيرة شبه متواصلة بحضور مشدود للممثلتين وسط دمار المنزل، ووسط حوار ترتفع معه نبرة الصوت وتنخفض. حوار لم يخل من طيبة عربية ومن غدر صهيوني.
إذاً هي فلسطين تعود إلى الأشرفية بسلام، وتجد تصفيقاً حاراً. مسرحية جاءت في بدايات الموسم المسرحي البيروتي شهدت اقبالاً كبيراً. اقبال ربما أقفل أو استعمل ساتراً حول أحقاد سببتها الحرب الأهلية في لبنان، والتي كانت المقاومة الفلسطينية شرارتها الظاهرة أو المعلنة منذ بداية السبعينيات وحتى الإجتياح الصهيوني سنة 1982 ومجزرة صبرا وشاتيلا.