فلسفة التثقيف الإعلامي الفلسطيني بين الواقعٍ والتطلعات
4 - November - 2013
حجم الخط
0
يُمارس الإعلام الفلسطيني منذ نشأته دوراً طليعياً مهماً في تعزيز البُنيان الوطني للفكر الفلسطيني قديماً وحديثاً، وهو يُعّبر عن تطلعــات وآمــال الجماهير، بكل مكوناته وأطيافه السياسيـة، كل حســب أيديولوجيته، وهو بالتالي يؤدي دوراً وطنياً على كافة الصُعد، مما يساعد في تأسيس قاعدة تثقيفية للتربية الوطنية، ويُنمي المدركات ويُعزز من خاصية الوعي الذاتي. لقد كان وما زال اعلامنا الفلسطيني يشرح مضامين الحالة الشعورية التي تنتاب شعبنا بآماله، ويسير ضمن التيار المصاحب لهذا الشعور . إن التثقيف الموضوعي المبني على الأسس الموضوعية تكاد تكون محدودة نوعاً ما، وإن وُجدت أحياناً في قوالب ثقافية متطورة تخاطب النخبة من الجماهير، ولكن حدود الحرية الفكرية التي تُعبر عن الرسالة التثقيفية تتحدد معالمها بفعل الضغوط التي يُمارسها الســاســـة المُبرمجُون لتأثير الــدعــاية بسلوكيتها التوجيهية على الإعلام الفلسطيني والأفكار الثقافية المطروحة فيه. ويمكن القول إن مفهوم اللغة التجريدي لوحده، من دون أن يحتوي على خطاب ثقافي معين، هو بحد ذاته مفهوم مُنتقص، باعتباره مجردا من وظائفه الجمالية والعلمية والعملية، إذ لا بد من إيجاد علاقة تكاملية بين الأهداف الإعلامية وقوالبها اللغوية المختلفة، فالتعبير اللغوي بحيويته يتكامل بكافة أبعاده الوجدانية، الحسية والمادية، ويؤدي إلى تحريك الرأي العام بأفكاره وتوجيهاته نحو مستهدفيه، فاللغة هي بأبسط معانيها نتاج علاقة الإنسان بالإنسان، والثقافة هي نتاج العلاقة مع البيئة والمحيط الإنساني، وكلامها يحتاج للآخر ويكملان دورهما بعضهما بعضا. لهذا لا بد من وجود قواسم مشتركة في ما بينهما واللغة العربية بمفرداتها الغنية تتفاعل مع ثقافات العالم وتُنمي الثروة اللغوية الثقافية تبعاً لذلك. فلذلك يجب أن يحافظ إعلامنا على الكنز الضخم من الإرث الثقافي اللغوي ويطوره، بما يخدم الحفاظ على تراثنا الأدبي والفكري والعلمي والاجتماعي. والتاريخ الفلسطيني زاخر بالنماذج الثقافية اللغوية الفلسطينية في هذا الإطار . وقد كانت هذه الحقيقة حبيسة العقول النيرّة فترة طويلة من الزمان، إبان الحكم العثماني لفلسطين، حيث طمسوا معالم الثقافة العربية لفترة ليست بالهينة، ما أضفت بآثارها السلبية على الفعل الثقافي الفلسطيني سياسياً واجتماعيا وعلمياً، وأورثوا فكراً تسلطياً طبقياً فردياً، وتخلفاً في الأداء الثقافي. فالحرية العقائدية لإنتاج نماذج ثقافية واعية كانت محدودة جداً، بفعل الرقابة الصارمة لذلك، لخلق حالة عربية واعية، ولكن بعد انتهاء هذا الحكم بدأت مرحلة النضال الفلسطيني تجاه الاحتلالين الإنكليزي والإسرائيلي، مما ساهم في بناء الوجود على الأرض الفلسطينية والصراع من أجلها، حيث نبتت الأسس الفعلية للحركات الثقافية السياسية الواعية التي تنادي من أجل الحرية والاستقلال. ولكن المحاولات لتشوية معالم هذا البنيان الثقافي كانت وما زالت الأخطار محدقة بها، وتتهددهــا الآثار السلبية نتيجــة لتنميطه من الزمن السابق بفعل ضعف التَحضُر المعرفي للحُكم العثماني، والسيطرة الفكرية للانتداب البريطاني، مما شكل إرثاً مشوهاً أصاب الجسد الثقافي العربي الفلسطيني. هذا ولم تكن العملية التثقيفية الفلسطينية يوماً ما بمعزل عن محيطها العربي، فهي عملية مواكبة للفعل التثقيفي العربي بتاريخه وأحداثه، فلقد كان الوطن واحداً بهمومه وأحزانه وتطلعاته وآماله بالوحدة القومية العربية وأهدافها المشتركة. وكانت العملية الإعلامية مرتبطـة إلى حد بعيـد مع إطارها التثقيفـي سياسياً واجتماعياً، فالمرحلة التي عاشها العرب سابقاً قبل التحرر كانت موحدة في مفاهيمها وأفكارها التي تحملها، وإن كان فكراً ثقافياً مُسيساً في أغلب معانيه . لقد كان الإعلام العربي يواجه برسائله التثقيفية السياسية التحديات الاستعمارية الفكرية، باحثاً عن نموذج أصيل، يحقق أحلامه نحو بناء المصير المشترك، ولكن من دون جدوى، لما التزم به من تبعية ضمنية واستقلال شكلي نوعاً ما. ومن أجل توحيد الرؤى الإعلامية العربية، لا بد من توحيدها فكرياً أولاً، فالبعـد الإعلامي للعملية التثقيفية العربية، لا يمكن فهمه دونما تبني فكر إيديولوجي يحقق لإعلامنا الفلسطيني تكاملاً مع بيئته العربية. لم يكن الإعلام الفلسطيني بمنأى عن المؤثرات المحيطة من حوله، خاصة قياداته السياسية، فهو يساند النظم السياسية الحاكمة ويعبر عن فكرها الثقافي السياسي، فاعلامنا مُسيس لحد كبير، وهامش الحرية الإعلامية المعارضة مقيد لحد ما، وهذه التبعية الإعلامية نتاج الثقافة السائدة لأنظمة الحكم الفلسطينية، مما تشكل في بُنيانها بالأزمنة الغابرة كما ذكرنا . فلا يمكن الانتقاد أو الانتقاص من شأن القادة السياسيين، فهم الداعم المادي والمعنوي للسلطة الرابعة، ويدركون تمام الإدراك الأثر البالغ لها على عقول الجماهير، ويحاولون باستمرار تنميط الدور الإعلامي واتباعه لمجالهم الفكري، وتبقى محددات الحرية الثقافية الإعلامية السياسية مرتبطة بهم وعلى أهوائهم، حسبما يرتأي القائمون على الجهاز الإعلامي من توجهات سياسية . فالثقافة السياسية الواعية التي تُبرز الحقائق الخفية كامنةُ وراء الستار، يُحجب عنها التعبير الصريح، لتفســــير المخططات الإعلامية الهادفة والمحللة للحدث الثقافي الســــياسي بكافة مضامينه وأبعاده الحقيقية، ولكن بشكل نسبي وليس مطلقا، حسبما يرتأيه الموقف والزمان لبث الدعاية السياسية . ومن أجل ضمان بيئة ثقافية سلمية من التشوهات الفكرية والمستقلة بأفكارها لا بد من تأسيس وعي سياسي فلسطيني، من خلال بث رسالة ثقافية تٌعبر عن تطلعات عامة الجماهير وكافة الأوساط الثقافية النخبوية والجماهيرية معاُ، وخلق توجهات لوحدة المصير والهدف نحو بناء كيان ثقافي يركز حول الجماعة وليس الفرد فقط، ويُنمي المدركات الجماهيرية نحو تعزيز الثقافة الجمعية ويوحد الصف في مواجه التحديات والمخاطر من المساس بهذا البناء الثقافي الحصين على الصعيد المؤسسي والوطني. كما يجب عدم الصمت الفلسطيني حول القضــــية المركزية لشعبنا مثل قضية النضال لاستكمال الاستقلال السياسي، والاقتصادي والثقافي ومشكلة التنمية الثقافية- السياسية، والتقليل من التبعـــية الإعلامية للنظم الغربية، بثقافتها السياسية الموجهة نحو التحرر المفرط للقيم الثـــقافية والاجتماعية . كاتب فلسطيني