فليتوقف القتل.. أمنية للعام 2014

حجم الخط
1

يبدو للوهلة الاولى صعبا ان تتمنى ان ‘ينقلع’ عام بكامله وان يختفي من مذكرتك للابد، ولكن تجربتي على المستوى الخاص في هذا العام كانت في احسن الاحوال ‘زفت’، اضافة الى ان هذا العام هز كياني ووجودي كعربية ومسلمة وعضو في البشرية التي انتمي اليها.
أعود بذاكرتي الى بداياتي صحافية قبل حوالي خمس وعشرين سنة عندما كانت المجموعة الشابة من زملائي وزميلاتي يتناوبون ويتدافعون للتوصل الى فكرة جهنمية تعبر عن هويتنا المتعالية عن حدود الهوية الوطنية الضيقة، وتوصل معظمنا الى اننا ‘دوليون’ لاننا اعتقدنا ان هذه الفلسفة ستحتوي وتتبنى كل تناقضاتنا – كمسلمين ومسيحيين وعلمانيين وليبراليين ومحافظين، اردنيين وفلسطينيين وهنود وأرمن ورومانيين وامريكيين وانكليز وغيرهم، وسواء كنا خريجي الجامعات الأمريكية او الاوروبية الغربية او الشرقية او الروسية او العربية، او حتى لو لم تكن لدينا اي شهادات جامعية – فكانت هذه الفلسفة ستسمح لنا ان نتعايش مع بعضنا بعضا والا نعير الاختلاف الديني او العرقي او الاثني اي اهتمام.
آمنا بمهنيتنا وادوات تحقيق اعلى درجات النجاح في رسالتنا، متمترسين خلف التزامنا بمصداقية التقارير الصحافية ومصادرها وتسخير اللغة للتعبير عن الحالة السياسية التي كنا نتناولها. خلافاتنا كانت تتمحور حول مهنيتنا على صفحات الجريدة التي كنا نعمل بها. لا شك ان معظمنا كانت له اراؤه السياسية، ولكن هذه الاراء لم تكن تنشر بدون تدعيمها بـ’حقائق’ حتى ان كانت هذه الحقائق ‘مولفة او ملفلفة’ فهي كانت كذلك لخدمة التغيير المجتمعي ورفض الفصائلية والحقد وحالات النبذ السياسي او الديني.
اهم صفات هذه المجموعة على الاطلاق كان رفضها للمصالح المادية او الطبقية، حيث انتمت الى هذه المجموعة اطياف من القدرة المادية او عدمها. احببنا وصادقنا ولهونا من غير اي حدود او متطلبات مادية على الاطلاق.
في المحصلة كنا متقبلين للاختلاف، حتى اكثر من ذلك كنا مرحبين به بدون اي محاولة خارقة للوصول الى تلك الحالة من الاطمئنان لآفاق وايجابية التنويع والاختلاف من مجموعة اندمجت وتزاوجت افكارها وعقولها وآمالها تحت مظلة فريدة من الامل وحسن النية.
كنا سنغير البلد الذي ننتمي اليه، وهو في هذه الحالة الاردن ليصبح مثلنا نحن، كنا في الحقيقة نتمنى ان نغير الشرق الاوسط ليعكسنا نحن كما كنا نرى انفسنا، متنورين وديمقراطيين مهنيين منفتحين على العالم محتفلين بعالمنا الاجتماعي وقدراتنا على تنظيم ‘الطلعات والسهرات’ وحتى قدرتنا على انتاج المناسف او الكبسة او غيرها من متطلبات السهر السياسي في ذلك الوقت. حلم لم يكن حالة فريدة، بل لمجموعة واحدة من مجموعات الشباب التي كانت موجودة في اطراف العالم العربي التي كانت تحلم بالتقدم والديمقراطية والمهنية والحب والانصهار بين الافراد والشعوب.
صعب جدا، بعد تذكر الامل والحالة الشبابية، ان ننظر اليوم الى العالم العربي ونعترف بفشل جيلنا في تحقيق التغيير الذي كنا نحلم به. كيف توصل العالم العربي الى هذه الحالة التي هي اقرب الى القدر الكبير، الذي تغلي فيه دويلات تتلوى وتتألم في خضم خلطة عجيبة من التخلف وعدم القبول والنبذ العرقي والديني، والدموية والسادية والتحركات الفوقية السياسية.. الدينية.. العسكرية.. الملكية.. الاميرية والقبلية المعمية بخلافاتها وفرض قبضتها على مفاتيح الحكم والتحكم.
قبل اسبوع تناقش زملائي في حيثيات ومسببات الـ’مسخرة’ التي حلت بالعالم العربي، واختلفت اراؤهم بين من يعتقد ان هذه الحالة العربية الشرق الاوسطية أتت تحقيقا لـ’المخطط الامريكي’ للمنطقة والمبني على استغلال ايران ومطامعها التوسعية لخلق حالة من الهيجان الطائفي وعدم الاستقرار، وليستقطب ‘المتطرفين الدوليين’ الى ساحة حرب واحدة في سوريا، تمهيدا لابادتهم بعضهم ببعض.
ورأى اخرون ان المخطط هو ‘مشروع ايراني قديم’ لخلق محاور واقواس شيعية امنية تجمع بين دول الاقلية والاغلبية وتمهد للإمبراطورية الإسلامية الشيعية المتوافقة مع امريكا وروسيا والصين، تحت ذريعة حماية الاقليات، ولكن بالحقيقة لتحقيق المصالح المتطابقة والمتوازية بين هذه الاطراف في المنطقة وضد الاغلبية السنية. ورأت مجموعة اخرى ان المخطط امامنا هو ‘مخطط وهابي سني’ لمحو حقوق ومكاسب الاقليات في العالم العربي بمن فيهم الشيعة – وطمس هويتهم ومحوها لادراجهم تحت الراية ‘التكفيرية’ السنية.
ولكن الاسئلة الحقيقية التي يجب ان نسألها ليست حول من هو المخطط الحقيقي، اذا كان امريكا او ايران او الشيعة او السنة، بل يجب ان تكون اسئلتنا عما اذا كان مهما جدا ان نعرف من هو المخطط؟ أليس الاهم ان نسأل لماذا نحن نسير وراء المخطط مثل الغنم ونطبق ‘المخطط’ بحذافيره؟ لماذا سمحنا بان تضيع منا فرصة الربيع العربي او الصحوة العربية او سمها ما شئت؟ لماذا سمحنا بان تصبح بلادنا ملاعب تطبق فيها هذه المخططات واصبحنا نحن ادوات التطبيق؟
في عام 2013 سمحنا بان يقتل اولادنا ويفجروا وييتموا وتغسل عقولهم ويجرعوا الحقد والفصائلية والكراهية ويحولوا الى ادوات عنف وعسكرة. في عام 2013 سمحنا بان تغتصب نساؤنا ويترملن وتمتهن كرامتهن ويغصبن على تحمل منظر عائلاتهن وهي تختفي من الوجود نتيجة الحروب والعنف والجوع والبرد والتشرد. في عام 2013 سمحنا لرجالنا بان يتحولوا الى ادوات في ايدي المتلاعبين السياسيين والدينيين والعسكريين – من الداخل والخارج – وليصبحوا آلات مبرمجة للخراب والخلاف والحرب. في عام 2013 قبلنا ووافقنا على عذاب وتفريق واسى وتهجير واهانة وقتل ‘الاخرين’ في سبيل الاصرار على مشاريعنا السياسية واجنداتنا.
سمحنا لمستقبلنا بان يتحول من أمل وحلم الى مستقبل ظالم وحالك الظلام.. فقط ليخدم ‘المخطط’ و’المشروع’ أيا من تلك الخطط والمشاريع كان.
في عام 2013 فقدنا نحن العرب انسانيتنا! فلتنقلع يا عام 2013.
وامنيتي الا يتحقق اي من هذه المشاريع والمخططات في عام 2014 ولا يهمني من كان وراءه ولا من يدعمه او يتمحور معه. في عام 2014 امنيتي ان تتوسع مجموعات شباب اليوم لتضم مجموعات شبابية اخرى تحمل الامل الجديد والاعتدال السياسي واحترام حقوق الانسان حتى تنوَر لنا ما يبدو حتى الان وكأنه خندق اسود بلا نهاية. أتمنى من ‘الاغلبية الصامتة’ ان تخرج عن صمتها وترفض محاولات ضمها الى ‘المشاريع’. اتمنى ان تجتمع شعوب هذه الامة تحت رايات الاعتدال واحتضان الاختلاف ورفض العنف وتبــني الحوار. اتمنى ان يتوقف القتل!

‘ كاتبة اردنية من اسرة ‘القدس العربي’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية