في برنامجها “عالم الظهيرة” استضافت “بي بي سي” خبيرةَ المناخ الأردنية صفاء الجيوسي عبر السكايب. اعتذرت الضيفة، في بداية حديثها، عن بكاء طفلها بقربها، بل واستسمحت أن تحمله أثناء اللقاء، فكان لها ذلك. تابعت الجيوسي تتحدث عن أحوال المناخ والطفل على كتفها. تماماً كما يحدث في الحياة عندما نتحدث في مختلف الشؤون، بل عندما نتجادل في أكثرها تعقيداً فيما نقوم بعمل أشياء جليلة أو تافهة.
تعاطي المذيعة الودود والتلقائي مع الحادثة كان رائعاً. بل إن “بي بي سي” حولت الأمر إلى قصة طريفة بثّتها بشكل منفصل على موقعها الإلكتروني لقيت كثيراً من الإعجاب.
بدت القصة هنا كما لو أنها ردّ على تلك المنخوليا التي نلاحظها في عدد من حوادث تلفزيونية مشابهة، خصوصاً في حادثة شهيرة عندما كان أحد الضيوف يتحدث من بيته لإحدى القنوات إذ دخل طفل إلى الغرفة ووراءه امرأة، لم نعرف إن كانت زوجته أو شغالة في المنزل، تركض مذعورة تردّ الطفل عن المكان، فيما الضيف نفسه يحاول حجز الطفل بعيداً بذراعه. تعلّمنا قصة “بي بي سي” أن تلك الحادثة كان يمكن أن تمر من دون ذعر، بل وبشيء من الفكاهة، الضرورية أحياناً.
مذيعو التلفزيون ليسوا روبوتات أو كائنات إلكترونية، لذلك بالإمكان أن يستجيبوا، وأن يستجيب الناس معهم بلطف ومودة
مذيعو التلفزيون ليسوا روبوتات أو كائنات إلكترونية، لذلك بالإمكان أن يستجيبوا، وأن يستجيب الناس معهم بلطف ومودة، لقبلة يطبعها عابر سبيل على خدّ مراسلة في الشارع، لمذيعة تباغتها هزة أرضية في الاستوديو فتنزل تحت الطاولة على الهواء، وبالطبع لحالات بكاء أو موت على الهواء مباشرة!
فنان أم دهّان؟
في ختام مقابلتها مع فنانة الغرافيتي المصرية آية طارق سألت مذيعة “فرانس24” ليانا صالح ضيفتها: “فن الشارع في مصر خفّت وتيرته بسبب حالة القمع والتخويف التي يتعرض لها الفنانون في مصر. برأيك هل انتهى هذا الفن من الشارع، كما عرفناه مع بداية ثورة يناير؟”. أجابت الفنانة “الموضوع انتهى من 2013 . منذ ذلك الحين لم يعد هناك نزول قوي للفنانين في الشارع. توقفوا. (ذهبوا) كل واحد في مسار مختلف”.
ما السرّ في التوقف المفاجئ لجميع الفنانين عن الرسم على حيطان المقهورة في وقت واحد؟
وهنا تتلكأ طارق قليلاً في الجواب: “مثلاً، أنا ما عنديش.. كي أكون منصفة، ما فيش حدّ تقبض عليه، فنان، لغاية ده الوقت. ممكن مصورين، صحافيين. ممكن حاجات ترتبط مباشرة..”.
إذا أردنا الحديث عن فن الشارع فهو يشمل عدداً من الفنون أحدها فقط الغرافيتي، وعلى ذلك فإن من المؤكد أن نظام السيسي قد اعتقل فنانين “شارعيين”.
لكن من قال إن المسألة هنا، وما هذا التحايل على الحقيقة! لنفرض بالفعل أن النظام لم يسجن فناناً فما السرّ إذن في التوقف المفاجئ لجميع الفنانين عن الرسم على حيطان المقهورة في الوقت ذاته؟ ثم ألا يكفي أن يُظهِر النظام العنف والإجرام في مكان حتى يرتدع عموم الشعب في مختلف الأمكنة؟ مع أن نظام السيسي لم يترك شريحة وفئة مصرية إلا وروّعها بما يكفي لنرى كم بات مستحيلاً الخروج إلى الشارع، حتى لأغراض أقل من الرسم على الحيطان.
الفنانة آية طارق
تذاكي طارق يذكّر بمحاولات بعض “المبدعين” السوريين عندما يجهدون في إنصاف حافظ الأسد فيقولون إن من باب الموضوعية الاعتراف أنه كان ذكياً بما يكفي كي لا يعتقل كاتباً أو صحافياً.
الغرافيتي فن خَطِر، يصعب أن يكون من دون متاعب مع السلطات، حتى في بلاد الحرية.
إنها تزعم الإنصاف في ما تقوم بالضبط بمحاولة تزوير مكشوفة. لم يسجن السيسي فنان غرافيتي، هل هذا ما تودّين قوله؟ لكنه وضع الشعب كله في سجن، يكفي النظر إلى الاعتقالات الأخيرة، عشية الدعوة إلى مليونية الخلاص، وكيف قطّع الشوارع وأغلق الميادين لنعرف أن المصريين كلهم مساجين.
الغرافيتي فن خَطِر، يصعب أن يكون من دون متاعب مع السلطات، حتى في بلاد الحرية.
يمكن للمرء بالطبع أن يختار بين أن يكون دهاناً يرسم صوراً لعمر الشريف على حيطان سويسرا أو أن يكون فنان غرافيتي بحق يطمح لأن يترك أثراً هائلاً على الجدار.
لا شك أن الفنان شيء آخر غير الدّهان.
خطوط ميادة الحمراء
لا تمانع المطربة السورية ميادة الحناوي تحويل قصة حياتها إلى مسلسل تلفزيوني، مع اشتراط أن لا يتم تجاوز الخطوط الحمراء، كما قالت في مقابلة.
كذلك فإن الحناوي “تعتبر أن السير الذاتية التي جسدت حياة الفنانين، لم تكن بالمستوى المطلوب”، لكنها لم تنكر أن “الأفضل بينها، كان العمل الذي تناول قصة حياة الراحلة أم كلثوم”.
مشكلة أعمال السيرة الذاتية هي أنها لا تظهر للجمهور إلا مصفّاة بعدد كبير من الفلاتر، صاحب السيرة، أو ورثته، القبيلة، الطائفة، السلطة السياسية، المحاذير الدينية المختلفة.
مشكلة أعمال السيرة الذاتية هي أنها لا تظهر للجمهور، وخصوصاً نظارة الشاشة الصغيرة، إلا مصفّاة بعدد كبير من الفلاتر، صاحب السيرة، أو ورثته، القبيلة، الطائفة، السلطة السياسية، المحاذير الدينية المختلفة. وربما لو تمت مراعاة كل تلك الرقابات في مسلسل عن الحناوي لم يبق ما يعرض للناس إلا أغانيها لنظام الأسد، وعلى رأسها بالطبع “يا حافظ العهد”، قصيدة الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، المتملقة الشهيرة المكتوبة والمزخرفة على سقوف “مكتبة الأسد” بدمشق.
يصعب أن تجد صاحب سيرة يقول، على طريقة المغنية الفرنسية العظيمة اديت بياف “تلك هي حياتي”، دائماً الخطوط الحمر.
في رثاء “المستقبل”
سوريون كثر تحسّروا على انطفاء شاشة تلفزيون “المستقبل” اللبناني أخيراً. على نحوٍ ما كانت الشاشة سورية أيضاً، استغنوا بها عن محطاتهم البليدة. دعك من السياسة، فهي كانت في وقت من الأوقات كالجميع متحكم بها من قبل عهد الوصاية، فقد كانت شاشة للعائلة، تقدم برامج حيوية للغاية، وقد بلغت شهرة بعض برامجها أقصى المجتمعات الناطقة بالعربية. ولعلها اشتغلت على ذلك، على الأقل كنوع من توسيع سوق المشاهدة.
شاشة تلفزيون “المستقبل” كانت سوريّة على نحوٍ ما، استغنوا بها عن محطاتهم
“المستقبل” كانت، كما أراد الراحل رفيق الحريري لتياره، ولو كحلم، أن تكون للجميع، لبنانيين بمختلف طوائفهم، وللناطقين بالعربية بمختلف انتماءاتهم ولهجاتهم.
أسوأ ما يمكن أن تلاقي في رثائها اليوم إعلامية لبنانية ممانعة، تمجّد، على الأرجح، قناة الحزب الواحد، قناة “حزب الله” الضيقة ومثيلاتها، التي بالكاد تتسع لطائفة، تعلن شماتتها بتغريدة تقول “تلفزيون المستقبل رحل وبقي الرئيس الأسد”. ولكن للحق، ليس هناك أصدق تعبيراً عن واقع الحال من هذه العبارة. فلقد رحل المستقبل شخصياً، وبقي الماضي الرهيب نفسه، يحكم ويتحكّم برقاب الطامحين إلى الحياة.
شبيحة للأبد!
ذات مرة هتف مؤيدو رئيس النظام السوري في دار الأوبرا السورية، وبحضوره، إثر أحد خطاباته: “شبيحة للأبد، لأجل عيونك يا أسد”. لقد جاء الشعار بهذا الوضوح، تماماً مثل تغريدة مذيعة تلفزيون “المنار”: “تلفزيون المستقبل رحل وبقي الرئيس الأسد”.
كاتب فلسطيني سوري