الرباط ـ «القدس العربي»: وضع عدد من الفنانين المغاربة أيديهم على قلوبهم خوفا من عودة الإغلاق، بعد تسارع حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد، والتي واكبتها الحكومة بإصدار قرارات جديدة تتضمن إجراءات مشددة منها حظر التنقل من التاسعة ليلا إلى الخامسة صباحا، إضافة إلى منع التنقل من وإلى مدن الدار البيضاء ومراكش وأكادير. ويستثنى من هذا القرار الأشخاص الملقحون المتوفرون على شهادة «جواز التطعيم» وذوو الحالات الطبية المستعجلة، والمكلفون بنقل السلع والبضائع، إضافة إلى العاملين في القطاعين العام والخاص الحاملين لوثيقة «أمر بمهمة» موقعة ومختومة من طرف رؤسائهم في العمل.
قرارات الحكومة شملت أيضا (وهذا ما أصاب الفنانين بالخوف) إغلاق المطاعم والمقاهي في الساعة التاسعة ليلا، وإغلاق الحمامات وقاعات الرياضة والمسابح المغلقة، وعدم تجاوز التجمعات والأنشطة في الفضاءات المغلقة والمفتوحة لأكثر من 25 شخصا، مع إلزامية الحصول على ترخيص من لدن السلطات المحلية في حالة تجاوز هذا العدد.
هذه الإجراءات الجديدة التي اتخذتها الحكومة بناء على توصيات اللجنة العلمية والتقنية الهادفة إلى الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، جعلت عددا من الفنانين ينشرون تدوينات مثمنة للقرارات، لكنها تحمل في طياتها خوفا من عودة الإغلاق.
«القدس العربي» التقت الفنان والنقابي عمر جدلي الذي يشغل منصب أمين مال «الاتحاد المغربي لمهن الدراما» وسألته عن التداعيات وعن الخوف من القادم، وعن أعطاب المشهد المسرحي، وما يمكن للنقابات الفنية أن تقوم به للتخفيف من حدة الوضعية الاجتماعية الصعبة للعديد من الفنانين.
وذكر في جوابه عن سؤال كيف حال المسرح مع جائحة فيروس كورونا، أن «المسرح في المغرب كما في العالم بأسره، وعلى غرار باقي الأنشطة الثقافية والاقتصادية المرتبطة بالناس، تأثر بشكل بالغ بجائحة كورونا، لذلك فحاله لا تسر ولا تبعث على الارتياح، خصوصا وان المسرح عندنا كان يعاني حتى قبل الجائحة على مستويات عدة».
وأوضح أن «الجائحة عرت الأعطاب الكثيرة التي تعتري ممارسة فنون الدراما ببلادنا، وزادت الطين بلة فيما يخص الوضعية الاجتماعية للفنان، فبعدما كنا نسمع ونرى ونتفاعل مع صرخات بعض الفنانين من الرواد الذين تأثروا بهشاشة بنية هذه المهنة الفتية، بعدما لم يسعفهم العمر والوضع الصحي للاستمرار في العمل من أجل ضمان العيش لهم ولأسرهم، أصبحنا في ظل الجائحة نرى السواد الأعظم من الفنانين، شبابا وروادا ومن جيل الوسط، يعانون من تقطع السبل ومن تأثر وضعهم الاجتماعي من هذه الجائحة التي حلت على حين غرة وأربكت حساباتهم ومخططاتهم الشخصية لتجاوز ظروف العطالة العادية التي يمكن أن يسببها عدم استقرار الموسم وعدم انتظام الشغل».
وحسب الفنان والنقابي جدلي، فإنه «كان من المفترض أن يتخذ المسرح، من مختلف الظواهر الاجتماعية التي أفرزتها الجائحة مادة له، ويحيلها إلينا وإلى التاريخ مرجعا ووثيقة ووسيلة لنقد المجتمع ونقد عقل الدولة الذي عجز عن ابتكار الحلول الاستباقية اللازمة لتفادي النكسة الاجتماعية والاقتصادية على الأقل».
وفي رده على سؤال عودة الإجراءات المشددة، قال «أعتقد أن المشهد الثقافي بشكل عام لم يستفد من التخفيف من حالة الطوارئ بالرغم من فتح قاعات استقبال العروض، لأن ممارسة المسرح في المغرب، مثلا، مرتبطة ارتباطا عضويا بالدعم المسرحي، وليس بفتح القاعات أو إغلاقها، فلنتأمل مستوى الحراك الثقافي بعد تخفيف قيود التحرك وفتح القاعات، كم من العروض الفنية قدمت عبر ربوع الوطن؟ فباستثناء المسرح الوطني محمد الخامس ما هي قاعات المسارح ودور الثقافة التي استقبلت عروضا خلال شهر تموز/يوليو مثلا؟ وبأية وتيرة، إن لم نفكر في صيغ ووسائل لدعم المسرح واقتناء العروض من المؤسسات العمومية والخاصة فلن يكون لفتح القاعات أي وقع يذكر على شرائح الفنانين. فمنذ فجر الجائحة لم يشتغل فنانو الدراما، باستثناء دعم الجولات المسرحية الذي وسم بالاستثنائي، وحتى بعد رفع حالة الطوارئ وبعد فتح القاعات ليس هناك شغل، بالرغم من وجود كم هائل من الأعمال المسرحية الجاهزة التي لم تنل حضا من الترويج. لذلك فأنا أرى أن نفكر في وسائل الدعم قبل أن نفكر في فتح قاعات العروض».
واستطرد جدلي بالقول، «حري بنا كمسرحيين أن نطالب بالإفراج عن دعم الإنتاج والترويج لوزارة الثقافة والشباب والرياضة/ قطاع الثقافة، للموسم 2021 الذي أوشك على الانصرام، والمطالبة بإضافة ميزانية الموسم الماضي إلى ميزانية هذا الموسم حتى يتمكن الفنانون من تدارك ما فاتهم وسداد ديونهم ولملمة شتات وضعهم الاجتماعي».
الحجر تجربة قاسية
تشديد الإجراءات جرّ الحوار إلى فترة الحجر الصحي الشامل، وسألت «القدس العربي» عمر جدلي عن الكيفية التي تعامل بها الفنان المغربي كفرد وكنقابة مع ذلك، فأكد أن «الحجر الصحي كان تجربة مريرة على شرائح الفنانين، خاصة منهم الذين يعيشون من المسرح، تجربة قاسية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فشخصيا وقفت على حالات يندى لها الجبين ويخجل المرء من نفسه وهو يحاول أن يتدخل لدى المسؤولين ولدى الأصدقاء من أجل المساعدة قدر الإمكان».
وأشار إلى أنه «بالنسبة للاتحاد المغربي لمهن الدراما فقد بادر منذ بداية الحجر إلى التدخل لدى وزارة الثقافة ولدى رئاسة الحكومة من أجل إيجاد صيغ سريعة لوقف معاناة الفنانين المتضررين، وقد أصدر الاتحاد مذكرة في الموضوع عممت ونشرت في بيان رسمي، وترافع بشأنها في اجتماع مكتبه الوطني مع وزير الثقافة والشباب والرياضة، وهي مبادرة من بين مبادرات نقابات أخرى وفي قطاعات فنية أخرى أثمرت جميعها إطلاق وزارة الثقافة لما سمّي بالدعم الاستثنائي، واتخذ شكل دعم للجولات المسرحية بالنسبة للمسرحيين. كما أطلقت مجموعة من مكاتب فروع الاتحاد مبادرات تضامنية للتخفيف من آثار الجائحة على المسرحيين، كمبادرة (فنان لفنان) التي أطلقها المكتب المسير للاتحاد في مراكش وشارك فيها العديد من الفنانين من داخل وخارج مدينة مراكش والذين تبرعوا بمبالغ مالية مهمة لفائدة زملائهم المحتاجين».
وبخصوص اقتراحات النقابة لمعالجة الوضعية الاجتماعية المتأزمة للعديد من الفنانين المغاربة، استشهد عمر جدلي بالمثل الصيني المعروف «لا تعطني سمكة كل يوم ولكن علمني كيف أصطاد السمك» مبرزا أن «الوضعية الاجتماعية للفنان المغربي لا يمكن أن تعالج بالحلول الترقيعية ولا بالمقاربة الإحسانية. الفن في المغرب أصبح مهنة قائمة الذات، مهنة يؤطرها قانون ولها سوق للشغل وشغيلة كثيرة ونقابات تدافع عنها ووزارة تنظم جانبا من علاقاتها الشغلية. هذه المهنة لا تحتاج إلى أنصاف الحلول، بل إلى حلول كاملة وكفيلة بضمان انتظام الشغل وصون كرامة الفنان، أقول أنصاف الحلول لأننا نعتبر في الاتحاد المغربي لمهن الدراما أن وجود قانون الفنان بدون تنزيل النصوص التنظيمية اللازمة لتفعيل بنوده وتطبيق مواده، هو نصف حل لأزمة خانقة أبانت الجائحة عن الكثير من جوانبها».
وأضاف «من هذا المنطلق، فمطالبنا تنطلق من تنزيل النصوص التنظيمية لقانون الفنان، والرفع من سقف دعم المسرح بأنواعه، وإعمال الآليات الكفيلة بدمقرطته وتحصينه؛ مع التركيز الشديد على ضرورة إعادة النظر في دفاتر التحملات الخاصة بالإنتاجات التلفزيونية، لأن الهضم الكبير لحقوق فناني الدراما يتم على مستوى هذه الإنتاجات، فمن جهة ليست هناك آليات لضمان تكافؤ الفرص بين الفنانين للاشتغال في الأعمال التلفزيونية وخاصة الممثلين، ومن جهة أخرى ليست هناك ضوابط للعلاقات الشُّغلية، بدءا بالعقد الفني وبالحد الأدنى للأجر الفني وانتهاء بمساطر صرف المستحقات وتحديد ساعات العمل. وهذه الضوابط وغيرها من آليات تنظيم العلاقات الشغلية من المفترض أن تضمنها دفاتر التحملات، لأن الأغلفة المخصصة للإنتاجات التلفزيونية هي دعم للدولة وليست رساميل خاصة بشركات تنفيذ الإنتاج. هذه مطالب بسيطة ومشروعة وغيرها صرفها الاتحاد في وثائقه الترافعية وملفاته المطلبية التي قدمها إلى الوزارة الوصية في أكثر من مناسبة».
وجوابًا على سؤال، هل تتحمل الوزارة المسؤولة على القطاع مسؤولية تراجع الممارسة المسرحية في السنوات الأخيرة، قال جدلي: «باستثناء الجائحة ومخلفاتها على الوضع المسرحي، لا أعتقد أن هناك تراجعا للممارسة المسرحية في المغرب، بل على العكس هناك طفرة نوعية مهمة على مستوى الإبداع كما وكيفا، وهو ما يزكيه ظهور تجارب مسرحية وحساسيات جديدة أثرت المشهد المسرحي وأعلت من شأن المسرح المغربي في المحافل العربية».
وأضاف أن «المؤسف حقا هو أن علاقة وزارة الثقافة بالمسرح لا تتجاوز الدعم وشروط تنظيمه ومنحه ومتابعة خطوات صرفه، وهذا ناتج عن غياب سياسة ثقافية لدى الحكومات المتعاقبة على حكم المغرب منذ الاستقلال إلى الآن، وعن أهمية حقيبة الثقافة في سباقات الأحزاب السياسية المغربية نحو الاستوزار. لذلك، نرى أن هذه الوزارة غالبا ما تسند إلى الوزير الخطأ، وعلى الثقافة المغربية أن تتحمل نتائج هذا الخطأ. وزارة الثقافة مسؤولة بشكل مباشر وعاجزة بشكل كامل عن جعل الثقافة في صلب انشغالات الحكومة كما هي في صلب انشغالات المثقفين والفنانين والكتاب. المسرح يتطور إبداعا ويتراجع تنظيما، وهي مفارقة غريبة لا يمكن تفسيرها إلا بتضحيات رجالات المسرح وأجياله العاشقة الحالمة والمغامرة».
وبالعودة إلى الحديث عن جائحة كورونا، أفاد بأنها «كانت محكا حقيقيا ومرحلة فارقة كشفت العديد من الأعطاب والعيوب، وأربكت الكثير من الحسابات الاستراتيجية على المستوى الدولي» وهي في ما يعتقد «مناسبة لمراجعة الكثير من الحسابات».
وشدد على أن «الجائحة تجربة مريرة على شعوب العالم بأسره واستخلاص العبرة منها مسؤولية الحكومات أولا، والأكيد أن جميع الدول ستغير استراتيجياتها وتصوراتها لحياة ما بعد الجائحة، والمغرب لا يمكن أن يخرج عن هذا الإطار». وعن الخطوات التي ستقدم عليها النقابة في إطار تعزيز المكاسب القانونية والاجتماعية لفائدة الفنانين، أوضح جدلي، «النقابات الفنية تختلف جذريا عن النقابات المهنية الأخرى، بحكم واقع الفئات التي تدافع عنها وهي فئات الفنانين وهم ليسوا أجراء ولا موظفين وليسوا جميعهم بأشخاص يشتغلون لحسابهم الخاص، لذلك فهي تنظيمات تترافع أولا من أجل تنظيم المهنة وتقنين ممارستها، وذلك عن طريق مقاربة تشاركية مع السلطة الحكومية الوصية، ثم تسعى في مراحل لاحقة للدفاع عن منخرطيها من الشغيلة بعد ضمان شروط الشغل وانتظام العلاقات الشغلية، والاصطفاف إلى جانبهم في المنازعات الشغلية، لذلك فالاتحاد المغربي لمهن الدراما يركز كل جهوده على الترافع من أجل التنزيل الممكن لبعض النصوص التنظيمية لقانون الفنان، وإقناع السلطة الحكومية المكلفة بالثقافة بضرورة العمل التشاركي من أجل مراجعة قانون الفنان الحالي وتقديم صيغة جديدة له تتدارك النقص الكبير الذي جعل بعض البنود في الصيغة الحالية لهذا القانون غير قابلة للتفعيل وغير منسجمة مع مدونة الشغل المغربية، وفي هذا الصدد قدم الاتحاد توصياته وملاحظاته لوزارة الثقافة عقب الإعلان عن نيتها في تنزيل النصوص التنظيمية الخاصة بالحماية الاجتماعية وعبر عن مخاوفه من أن لا تخدم هذه النصوص الفئات العريضة من الفنانين المشتغلين في العروض الحية».