فرح النابلسي تحتفي ببطل فيلمها صالح بكري: أعظم ممثلي كوكب الأرض
بيروت ـ «القدس العربي»: بعد أن فاجأ «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر العالم وأذهله، بات التاريخ يدور على ما قبله وما وبعده. ليس عربياً وحسب بل حتى عالمياً. وإن تأبط إعلاميو القنوات الغربية السؤال السام المنسلخ من تاريخ احتلال فلسطين «هل تدين حركة حماس نعم أم لا؟» فإن غالبية المثقفين كانت لهم مواقفهم الهلامية من العدوان الصهيوني، وأبدوا حرصاً إشكالياً على أهل غزّة، بدورانهم حول «الثمن». وحاذر كثيرون شجب العدوان، وتابعوا كتاباتهم، وكأن الأرواح التي تُزهق في غزّة لم يبلغهم صداها بعد.
في الفن، قلّة نطقت بإدانة الظلم التاريخي للشعب الفلسطيني نتيجة الاحتلال والطرد. اغمضوا العيون وصمّوا الآذان عن حرب الإبادة. وراحوا صوب مصالحه مع هذا المنتج أو ذاك، وهذا البلد الغني أو ذاك.
وتبقى لمجموعة وازنة من الفنانين مواقفها التاريخية الثابتة مع الحق الفلسطيني. وهؤلاء ينتمون للدول العربية ولمختلف دول العالم. وبعضهم دفع ثمن إنسانيته ودعمه الأخلاقي للحق وخاصة في هوليوود المحكومة بالرأسمال الصهيوني.
مهما كان حصاد العام 2023 غنياً على صعيد الفن، لكنّ الحصاد التالي للسابع من أكتوبر بات الأساس والمحور. هنا بعض من حصاد العام:
كثيرون ضربهم الخرس
لم يكن الاعتقال وحده الضريبة الوطنية التي دفعها الفنانون الفلسطينيون. فقد استشهد من بينهم الفنان علي نسمان في قصف صهيوني على قطاع غزة. علي نسمان فنان معروف بنشاطه في فترة الحروب، فهو يحفز الناس على الثبات والصمود في مواجهة المحتل. هو فنان كوميدي ساخر له الكثير من الأعمال الدرامية، أبرزها مسلسل شارة نصر «جلبوع» والأسرى الذين حفروا النفق في ايلول/سبتمبر 2021. يُذكر أن الفنان علي نسمان ولد في غزّة في 15 نيسان/ابريل 1985 وعاش فيها حتى شهادته. وآخر ما كتبه عبر حسابه الشخصي على موقع إكس: ما زلنا نرابط وسنظل نرابط إما النصر وإما الشهادة. ورحم الله السابقين.
واستشهد الفنان طارق ضبان وزوجته وعدد من أطفاله جرّاء العدوان بعد زمن قصير من استشهاد والده حيث نعاه على فيسبوك «إستشهد الوالد وماتت فرحة البيت..أين صوتك الشجي يا والدي»؟
واستشهدت في غزّة كذلك الفنانة الفلسطينية إيناس السقا، وهي من رائدات المسرح في القطاع. قدّمت أكثر من عشر مسرحيات، وشاركت في عروض موجهة للأطفال. واستشهد ابنها إبراهيم بعد ساعات من استشهادها.
وفي بدايات العدوان على غزّة اعتقلت قوات الاحتلال المطربة الفلسطينية دلال أبو أمنة من منزلها في الناصرة، بسبب تدوينة نشرتها على فيسبوك قالت فيها: «ولا غالب إلا الله» مرفقة إياها بعلم فلسطين.
ونشرت بعد إطلاق سراحها، صورة تجمعها بأبنائها على إنستغرام، وعلقت: «بعد قضاء ليلتين في السجن الانفرادي ظلما وبهتانا. أنا حرّة. حرّة كما كنت وحرّة كما سأبقى دوما وأبدا. وجسدي الذي هَزُل بسبب إضرابي عن الطعام طيلة الثلاثة أيام أصبح الآن أقوى.. وإيماني بالله أعمق.. وقناعتي برسالتي وتكليفي زاد أضعافا».
وأضافت: «حاولوا تجريدي من إنسانيتي، وإسكات صوتي وإذلالي بكل الطرق، شتموني وكبلّوا يدي وساقي بالقيود، لكنهم بهذا جعلوني أكثر شموخا وعزة.. سيبقى صوتي رسولا للحب، مدافعا عن الحق في هذه الدنيا».
وأعتقلت أيضاً في فلسطين الممثلة ميساء عبد الهادي على خلفية نشرها تدوينات على وسائل التواصل داعمة للمقاومة، لتقوم قوات الاحتلال باعتقالها، وتمديد الاعتقال. أفرج عنها، وهددت بسحب جنسيتها. فهي من مواليد الناصرة.
يُذكر أنّ ميساء عبد الهادي من نجوم التمثيل المقاومين للاحتلال من خلال أعمالها السينمائية. ومن أفلامها «صالون هدى» المستوحى من أحداث حقيقية. وهو فيلم يتعمق في مفاهيم الولاء والخيانة والحرية، من بطولتها مع علي سليمان، ومنال عوض.
أغنيات من وحي صمود غزّة
اختارت الفنانة جوليا بطرس من التراث الفلسطيني أغنية «يمّا مويل الهوى» وأعادت تسجيلها بإيقاع صوت غاية في التأثر والإنفعال الإنساني العالي. يُذكر أن الأغنية تعود لزمن الاستعمار البريطاني وتحث الرجال على قتاله. أطلّت جوليا في بثوب أسود تجلس على كرسي، فيما تتوالى خلفها مشاهد لآثار العدوان الصهيوني على القطاع. جوليا المقلّة جداً في الإعلام كتبت على انستغرام «بيضل عمري انفدى ندر للحرية» وأرفقته بالأغنية المصورة.
ممثلون من لبنان كسروا صمتاً أطبق على فنانين كثر منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، والتقوا في المركز الثقافي الروسي وسجلوا مشهدية غنائية بعنوان «غزّة في قلوبنا» والتي تُرجمت للإنكليزية. مشهدية معبرة جمعت مشاهير في السينما والدراما والمسرح اللبناني ومن بينهم برناديت حديب، وكارول عبود، وريتا حايك، ورولا بقسماتي، وطارق تميم، وإيلي متري، وسعيد سرحان، ونيبال عرقجي، وطارق يعقوب، ويارا أبو حيدر وآخرين.
الفنان معين شريف حاضر على الدوام بالموقف والمشاركة حيث تكون فلسطين. وخلال مشاركته في الملتقى الدولي الخامس للتضامن مع فلسطين في جنوب أفريقيا، لفّ كتفي ماندا مانديلاّ «حفيد نيلسون مانديلاّ» بالكوفية الفلسطينية الخاصة بالحملة العالمية للعودة إلى فلسطين. وكان ذلك خلال كلمته ضمن الملتقى الدولي الخامس للتضامن مع فلسطين في جنوب أفريقيا.
موسم الرياض إصرار على المهرجان
في 28 تشرين الأول/أكتوبر كان الموعد مع موسم الرياض 2023. وكان أهل غزّة يرزحون تحت عدوان عالمي. وعليهم تنهمر أطنان من القنابل الأمريكية الصنع. هل يلبي الفنانون أم يعتذرون؟ الممثل المصري محمد سلام الذي اعتذر عن المشاركة في العرض المسرحي «زواج اصطناعي» قائلاً أنه لا يستطيع فعل ذلك بينما أهل غزّة يبادون. ولم يكن لسواه موقف متضامن مع غزّة وأهلها، وهي بقيت مُغيّبة عن موسم الرياض. لكنها حضرت بقوة الإيمان والإرادة في مهرجان سينما البحر الأحمر في دورته الثالثة. فقد فاز الممثل الفلسطيني صالح بكري بجائزة «أفضل ممثل» عن دوره في فيلم «الأستاذ». بالطبع لم يحضر بكري الموجود في «البلاد». وتسلّمت الجائزة المخرجة الفلسطينية فرح النابلسي، ومعها حضرت فلسطين إذ قالت: كمخرجة تهتم بشأن ممثليها، أنا سعيدة جدا من أجل صالح بكري، وعملياً هو ممثل فلسطيني صراحته خارقة. عملت معه قبل فيلم «الأستاذ» وأرى أنه أعظم ممثل على كوكب الأرض. وأعلم أنه إذا كان هنا، لكان قال: أوقفوا الإبادة الجماعية في غزة وتوقفوا عن قتل أشقائنا وأطفالنا في غزة. شكرا لمهرجان البحر الأحمر ولجنة التحكيم على تكريمهم لموهبة وعمل صالح وأخيراً صراحته. ولقيت المخرجة الفلسطينية تفاعلا هائلا من الجمهور في المهرجان السينمائي بعد خطابها المؤثر.
يُذكر أن فيلم «الأستاذ» يتناول كفاح مدرّس في مدرسة فلسطينية محاولاً التوفيق بين التزامه بالمقاومة السياسية المحفوف بالمخاطر، ودعمه العاطفي لأحد الطلاب، وفرصة الحصول على الحب من عاملة متطوعة.
مهرجانات مؤجّلة وأخرى على موعدها
وفي تشرين الأول/أكتوبر أعلنت وزيرة الثقافة المصرية تأجيل الدورة 45 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي والتي كانت منتظرة في منتصف الشهر. وكذلك تأجيل فعاليات الدورة الـ32 لمؤتمر الموسيقى العربية الذي كان مقرراً في نهايات تشرين الأول/أكتوبر، معتبرة أن الظروف المستجدة بعد السابع من أكتوبر لا تسمح بتلك الفعاليات.
فيما حافظ مهرجان الجونة السينمائي على موعد دورته السادسة، وأطلق عليها عنوان «نافذة على فلسطين». مهرجان حضرت فيه فلسطين بقوة سواء بالأغنيات التي تخللت حفل الافتتاح، أو بالكلمات، وصولاً إلى الملابس. اختارت بعض الممثلات التعبير عن انحيازهن إلى الحق الفلسطيني بأساليب متعددة ومميزة. وقدّمت الفنانة الفلسطينية التشيلية إليانا أغنية «غصن الزيتون» وكانت بمثابة صرخة أبكتها وأبكت الحاضرين، لما تضمنته من صدق وإنفعال عاطفي ووجداني.
سينما العام 2023
من الأفلام التونسية المميزة للعام 2023 فيلم «بنات ألفة» من إخراج كوثر بن هنية. وتدور أحداثه حول عائلة مفككة تحاول فهم ما حدث لها عندما التحقت ابنتيهما بجماعة «داعش» الإرهابية.
لبنانياً كان لفيلم «بركة العروس» النخبوي صورة وموضوعاً توقيتاً في غير صالحه. انطلق في الصالات بعد افتتاح كبير، وبعد أيام كانت عملية طوفان الأقصى. «بركة العروس» للمخرج باسم بريش يقع في خانة الانتصار لقضايا النساء. دور البطولة «سلمى» أدته كارول عبود. إمرأة يلفّها الشرود، وتتنقّل بهدوء في مكانها الخاص، وكأنها تحسب حساب كل خطوة. عيناها دائمتا التحديق في المدى البعيد دون قدرة على بث أي ذبذبات اطمئنان، دون أن نطمح لبعض السرور. كأن جسدها ينوء بحمل ثقيل، وعقلها يدور في دوّامة من الذكريات المرّة. ماضي سلمى الأليم يخرج من قمقمه فجأة مع وصول ابنتها ثريا التي أدت دورها الممثلة أمية ملاعب، عادت مُطلّقة وفي أحشائها جنين.
أما فيلم «أرض الوهم» للمخرج كارلوس شاهين والذي فاز بجائزة سعد الدين وهبة عن فئة «أفضل فيلم عربي» في مهرجان القاهرة السينمائي لسنة 2022 فلم يجد بعد توقيتاً مناسباً للإنطلاق في الصالات المحلية، وما زال يجول في المهرجانات. منطلقاً من ثورة سنة 1958 يترك شاهين لسيناريو فيلمه أن يتغلغل داخل مجتمع لبناني منوّع طبقياً وطائفياً. يلتقط إرهاصات لا يزال بعضها متحكماً بحياة عائلات ثرية، أو ذات امتدادات اقطاعية. في «أرض الوهم» يتداخل الدين مع الإقطاع مع المال والعواطف، وجميعها تتغذى بفعل ذكوري يُمنع اعتراضه.
في المسرح نشاط دائم ومميز
الكاتبة والممثلة الفلسطينية رائدة طه قدّمت جديدها في المسرح «غزال عكّا». أبحرت في حياة غسان كنفاني وسنوات عمره القصير، وسنوات عطائه الـ16 وكأنه مدرك للتحدي بينه وبين الحياة، فأمطر إبداعاً وفناً وسياسية وإنسانية. رغم مرتبته الإبداعية بين أقرانه من الذين تناولوا السردية الفلسطينية، ورغم عمله لساعات طوال في اليوم، حرصت رائدة طه في نصها على اظهار مساحة الإنسان الرحبة في حياة «غزال عكا». مُحب للسهر والرقص، ومفتون بأغنيات الأمريكية السمراء إرثا كيت. وعندما قررت أن تغنّي لجمع التبرعات للوكالة اليهودية، محى أثرها من منزله ونسيها. غسان رجل مواقف صلبة، مواجه وغير متساهل، تستخلص رائدة طه. في «غزال عكّا» كانت تواصل دربها في تجسيد السردية الفلسطينية على المسرح وبنجاح كبير. وفي عرضها الجديد كأنها استعادت بعضاً من والدها الشهيد علي طه. فغسّان وعلي تشارطا قبل أيام من استشهاد الثاني، لمن ستكون الأسبقية.
وفي المسرح أيضاً تجلّت ماريا دويهي في عرض «آخر بروفا» والتي أدت دوراً متداخلاً ومتغيراً بإدارة المخرج شادي الهبر. كتبت نصها واعتمدت أشكالاً مسرحية متعددة لإيصاله. نص ناطق بالمعاناة أو الإشكاليات التي تعيشها كممثلة إلى جانب أخريات، وكإنسانة لها قلب ينبض وأحاسيس.
في السادس من تمّوز/يوليو الماضي تعرّض مدخل مسرح دوّار الشمس للحريق، وتمت السيطرة عليه سريعاً. لكنّ آثاره امتدت إلى صالة المسرح في الأسفل وكافة مقتنياته. ورشة الترميم امتدت إلى بدايات الخريف، ومعه بدأت العروض تتوالى. لقي القائمون على دوّار الشمس تضامناً مميزاً من المسارح الزميلة ومن العاملين في المسرح من فنانين وكتّاب ومخرجين وتقنيين.