الدوحة – «القدس العربي»: يعد لورنزو كوين واحداً من أبرز النحاتين العالميين في الوقت الراهن، وتتناول أعماله الفنية، التي عُرضت حول العالم، قضايا متنوعة على غرار الحب والتواصل الإنساني، وذلك من خلال طريقته الخاصة بالتعبير التي تتجلى في أشكال الجسم والأيادي البشرية. وبمناسبة تدشينه لمنحوتته «بناء الجسور»، التي تعتبر ذروة أعماله الفنية، حيث تم تركيبها في حوض أرسينالي في مدينة البندقية، كان لنا معه هذه الدردشة عن أعماله وحياته الفنية وعن علاقته بالشرق وبوالده عملاق السينما العالمية أنطوني كوين.
■ يُقال عندنا أن «ابن الوز عوام» وأنت لم تحد عن هذه القاعدة، لكنك اخترت السباحة في عالم النحت بعيداً عن الوالد أنطوني كوين العملاق السينمائي، وبعيداً عن شهرة الوالدة يولاندا أدولوري في عالم الأزياء. فماذا قدم لك هذا النوع من الفنون؟ وهل كان ممكناً أن يصبح لورينزو ممثلاً أو مصمم أزياء؟
□ هذا صحيح تماماً! فقد ورثت إحساسي الفني من والدي، الذي كان أحد أكبر نجوم هوليوود، ووالدتي مُصممة الأزياء المعروفة، لكنني اخترت التعبير عنه بأسلوب مختلف!
لقد أردت في بداية حياتي أن أكون رساماً سيريالياً، ومن ثم فقد كانت لي تجربة في فن السينما في فيلم «ستراديفاري» عام 1989 مع والدي، حيث أديت دور الفنان السيريالي العملاق سلفادور دالي. لكن فن النحت أسرني في نهاية المطاف، كونه استطاع استيعاب طاقتي وفرادتي في العمل! لقد أردت أن أكون نفسي، وقد تمكن فن النحت من توفير ذلك لي.
■ لدى كوين الأب شهرة لا مثيل لها في الشرق، الذي احتك به من خلال عملين من أضخم الأعمال السينمائية وأعني فيلم «الرسالة» وفيلم «أسد الصحراء» عن عمر المختار، فما علاقة كوين الابن بالشرق؟
□ بالطبع! من الناحية الفنية البحتة، أريد لفني أن يكون عالمياً، وأن يعبّر عن شجون جميع البشر! أما من الناحية الشخصية، فقد كان للشرق، كما ذكرت في سؤالك، مكانة خاصة في قلبي منذ أيام الطفولة، خاصة لجهة الأعمال الفنية، التي أدّاها والدي وكانت في صميم نجاحه السينمائي. وقد قمت بالعديد من الأعمال مع دول في الشرق الأقصى والشرق الأوسط، ولعل منحوتتي «النهوض من خلال التعليم» في أكاديمية التفوق الرياضي «أسباير» في مدينة الدوحة هي خير شاهد على ذلك.
■ منحوتتك «دعم» كسبت شهرة عالمية وكانت أكثر تحفة فنية يُصورها الناس خلال عام 2017، هل تتوقع النجاح نفسه لتحفتك الجديدة «بناء الجسور»؟
□ أتمنى ذلك بالطبع، فنجاح الفنان إنما يعود قبل كل شيء إلى محبة الناس له، وإعجابهم بفنه، واستيعابهم للرسالة التي يحتويها هذا الفن. وأنا أعتقد أن «بناء الجسور» ستكون تحفة ناجحة كونها تعبّر عن ضرورة قصوى في عالمنا المعاصر: ألا وهي بناء جسور الصداقة والتفاهم والتواصل ما بين الشعوب والثقافات، من أجل مستقبل أفضل. كما أن هذه المنحوتة هي بمثابة متابعة لمنحوتة «دعم». لقد أردت من خلال المنحوتة الأخيرة التوعية بأهمية التصدي للتغيّر المناخي، وهي معضلة كبيرة بتنا نشعر بها في كل يوم. وتأتي منحوتة «بناء الجسور» من أجل توفير زخم إضافي، حيث أن المشاكل التي باتت تواجهنا هي مشاكل عالمية بالفعل، ولا يوجد أي أمل في مكافحة التغيّر المناخي من دون العمل الجماعي الذي تتضافر من خلاله جهود الشعوب كلها في سبيل تحقيق هدف واحد. وإضافة إلى السلام والازدهار، فلا بد أيضاً من التصدي للتغيّر المناخي الذي يُهدد كوكب الأرض وبالتالي مستقبل أبنائنا.
■ لماذا «بناء الجسور»؟ هل تعتقد أن العالم بحاجة إلى مد الجسور أم هو بحاجة إلى الأمن والغذاء والحرية؟
□ أعتقد أن الأمرين مترابطان بالفعل.. فالعالم في حاجة إلى مدّ جسور التواصل والتفاهم والحوار، كما هو بحاجة إلى الأمن والغذاء والحرية.. لا يُمكن تحقيق أي تقدم على أحد هذه الصُعد بمفرده، لا بد من العمل الجماعي الذي يسير بالبشرية قاطبة إلى الأمام.
■ عن أي جسور يتحدث لورنزو كوين؟ جسور بين من ومن؟ هل هي بين الحضارات أم بين الأديان أم بين البشر؟
□ لا توجد حضارات أو أديان دون بشر.. فالناس هم الذين يبنون الحضارات أو يوفرون للأديان بعدها المادي. ومن هنا، فإن منحوتة «بناء الجسور» إنما تشمل ذلك كله، جسور التواصل ما بين البشر والحضارات والأديان في سبيل بناء عالم متناغم ومتفاهم ومزدهر.
■ هل يمكن معرفة تكلفة هذه التحفة الفنية، ولماذا تم اختيار مدينة البندقية موطناً لها؟
□ أتحفظ عن ذكر الكلفة المادية لمنحوتة «بناء الجسور».. وأنا أعتقد، بكل صراحة، بأن الفن لا يُقاس بالمال، ولو أن عالمنا المعاصر بات يُعطي قيمة مادية لكل منحوتة أو لوحة.. لا أعتقد أن مايكل أنجلو أو برنيني، وهما من بين الفنانين الذي كانوا الأكثر تأثيراً عليّ، كانا يُفكران في القيمة المادية للأعمال التي أبدعاها.. لقد أبدعوا جميعا لأنهم أرادوا التعبير عن مكنونات أنفسهم ونشر رسالتهم بين البشر. وأنا أجزم بأن القيمة الحقيقية لأي عمل فني تتجلى بقوة الرسالة التي تعبّر عنها.
أما بالنسبة لاختيار مدينة البندقية لنصب منحوتة «بناء الجسور»، فذلك يعود لعدة أسباب. البندقية هي مدينة عالمية ومدرجة على قائمة التراث العالمي، كما أنها تزخر بالجسور.. ومن هنا رمزية نصب هذه المنحوتة فيها.. وتحتل البندقية كذلك مكانة خاصة في قلبي، كونها مسقط رأس والدتي وزوجتي في آن واحد.
علماً بأن منحوتة «بناء الجسور» ستكون متواجدة في البندقية لغاية شهر أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام، ونحن نعكف حاليا من خلال شركائي في غاليري هالسيون في البحث عن موطن دائم لها.
■ تستقطب قطر في السنوات الأخيرة العديد من الفنانين والمصممين العالميين لإثراء فضاءاتها الثقافية ومتاحفها، هل سبق وأن زرت قطر من قبل، وماذا لو أتيحت لك فرصة المشاركة أو تقديم عمل فني لأحد مؤسساتها؟
□ لقد كان لي شرف الاطلاع على المشهد الثقافي والفني في قطر عام 2005، وذلك عندما تم نصب منحوتتي «النهوض من خلال التعليم» في أكاديمية التفوق الرياضي «أسباير» في مدينة الدوحة. وهي واحدة من أكبر المنحوتات التي أنجزتها، منحوتة ضخمة يبلغ وزنها 8 أطنان، وهي عبارة عن يدي شخص بالغ تضعان العالم في يد طفل صغير، وتشكل الأيدي دائرة على كتاب مفتوح.
والحقيقة أن دولة قطر تبذل جهودا جبارة في سبيل إعلاء قيمة الفن والفنانين، وسوف يكون من دواعي سروري المشاركة في تقديم عمل فني مرة أخرى في الدوحة.