فنون ما بعد الحداثة… المضمون بوصفه طيفًا

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
1

في زمنٍ سائل، حيث تتآكل الحواف وتتفكك المراكز، يذوب اليقين كما يذوب الثلج في يد طفلٍ مذعور لا يعرف إن كان عليه أن يفرح بالبياض أم أن يبكي اختفاءه. لا شيء يستقر، ولا فكرة تجد لنفسها أرضًا صلبة تقف عليها طويلًا. إنه زمن يتغيّر قبل أن نتمكن من تسميته، زمن لا يحفل بالبدايات ولا يعِد بنهايات، بل يفتح كل لحظة على ارتيابٍ جديد. في هذا الطقس من الانزلاق الدائم، تبدو فنون ما بعد الحداثة كمخلوقٍ من زجاجٍ مكسور: لا تُظهر الصورة كاملة، بل توزّعها على شظايا لا تلتئم، كل واحدة منها تقول شيئًا وتنكر الآخر. لا وجود لـ«المعنى الأعلى»، بل يوجد فقط أثره، ظلاله، بقاياه العالقة على أطراف النصوص والألوان والأجساد. المضمون لم يعد مركز الثقل، بل صار طوفانًا رماديًا، يتقدّم على استحياء، يتراجع فجأة، ثم يظهر مرتديًا قناعًا جديدًا لا يشبه سابقه ولا يكشف وجهه.
في مثل هذا المناخ، لا يعود الفن سؤالًا عن الجمال كما كانت تراه الحداثة، بل يتحوّل إلى سؤال عن النجاة: كيف نُبقي ذواتنا طافية فوق سطح مليء بالمعاني المتناقضة؟ كيف نخلق لغة وسط الضجيج؟ في هذه الحالة، لا يُطرح المضمون كحقيقة، ولا كحكمة مكتملة، بل كإيماءة عابرة، كتنهيدة تُلقى في الهواء، أو كحجرٍ صغير يُرمى في بحيرة هادئة فيبعثر سطحها… لا ليُحدث تموجًا منظّمًا، بل ليفضح هشاشتها، ويتركنا مأخوذين بتلك الدوائر التي تتسع بدون أن تُفضي إلى مركز.
إنه فن لا يقترح الإجابات، بل يثير القلق، لا يقدّم المعنى، بل يُذكّرنا بأنه مفقود. هنا، الفن ليس مرآة للواقع، بل خدشٌ على سطح تلك المرآة. كل صورة نراها في هذا الفن مرشّحة لأن تكون وهمًا، وكل مضمون يُقدَّم فيه مشكوكٌ في أصله، متعدّد في دلالته، زلقٌ كالماء، ومتملص كحلمٍ لا يكتمل.
المضمون في فنون ما بعد الحداثة يشبه الضباب. لا يمكن الإمساك به، لكنه يلفّنا. لا يُعلن عن نفسه، لكنه يؤثّر في إدراكنا لكل ما حولنا. إنه لا يأتي في شكل خطاب مباشر أو دلالة مغلقة، بل يتسرّب من الفجوات، من المساحات البيضاء بين الصور، من الصمت الذي يعلو فوق الكلمات. في أعمال الفنانة سيندي شيرمان التي استخدمت صورتها الذاتية لتقويض تمثيلات الهوية في الثقافة الشعبية، لا نكاد نعرف من هي أو ماذا تعني، لكننا نشعر بقلق هوياتي يتسرّب من عدسة الكاميرا. الصورة هنا ليست إثباتًا بل سؤالا، والمضمون ليس حضورا بل شبحً يُطل من خلف الأقنعة.
في عالمٍ لم يعد فيه للمركز وجود، يصبح المضمون شيئًا بين الحضور والغياب، بين الجهر والهمس. وربما تكمن قوته تحديدًا في هذا التردد، في كونه لا يقول بقدر ما يومئ. إننا نراه على أطراف اللوحة، في تشوه الوجه، في الارتباك المقصود للنص، في العنوان الذي لا يدلّ إلا على ما ينقصه.
وهكذا، فإن المضمون لا يُفرض كسلطة، بل يُترك كأثر. وكما أن الأطياف تُرى حسب زاوية الرؤية ودرجة الضوء، فإن معنى الفن ما بعد الحداثي يتغيّر مع المتلقي، ومع الزمن، ومع السياق. إنه معنى مؤقت، هش، قابل للانكسار بمجرد أن نثبّته في يد اللغة.

فن يختبر القلق

ليست فنون ما بعد الحداثة أداة لتهدئة النفس، بل بالأحرى تجربة لتمديد ارتباكها. إنها لا تحاول أن تداوي جرح العالم، بل تضع إصبعها فيه، وتطلب منّا أن نحدّق، فالقلق هنا ليس عرضًا جانبيًا، بل شرط وجود.
في عالم سائل، حيث الهوية لا تستقر، والمعتقدات تُبدَّل كما تُبدَّل الملابس، يأتي الفن لا ليقول لنا «من نحن»، بل ليشكّك في السؤال ذاته. كل لوحة، كل تركيب بصري، كل نص مشظّى هو مرآة مائلة تُظهر انعكاسنا مختلًا، نتعرّف علينا كما لا نريد، ونخرج من التجربة أقل يقينًا مما دخلناها. فنون ما بعد الحداثة لا تحاول أن تداوي جرح العالم، بل تضع إصبعها فيه، وتطلب منّا أن نحدّق. فالقلق هنا ليس عرضًا جانبيًا، بل شرط وجود. كل لوحة، كل تركيب بصري، كل نص مشظّى هو مرآة مائلة تُظهر انعكاسنا مختلًا.
في أعمال فرانسيس بيكون، هذا القلق يتجسد في الوجوه المشوهة، الأجساد المحطّمة، الخلفيات المضطربة التي لا توفّر أي استقرار بصري. الفن لا يطلب منا الفهم، بل المشاركة في الارتباك، إنه دعوة إلى أن نصير غرباء عن أنفسنا قليلاً.
القلق هنا ليس أزمة يجب حلها، بل حالة يجب الإنصات لها. إنه البوصلة الوحيدة المتاحة في غابة لم تُرسم لها خرائط. والفن ما بعد الحداثي يقدّم نفسه كدليل أعمى، يمسك بيدنا ليدخلنا في دهاليز لا تؤدي إلى مخرج، بل إلى المزيد من الأسئلة.

حين تتجاور الثقافات

في زمن الحداثة السائلة، لم يعد للماضي حرمته، ولا للمستقبل قداسته. الكل حاضر في الآن، والكل مفتوح على الكل. في فنون ما بعد الحداثة، يلتقي الإغريق بالبوب آرت، ويلتحم الفولكلور بقصاصات الصحف، ويجاور الرماد المتبقي من مأساةٍ قديمة ضوءُ شاشةِ هاتفٍ ذكيّ. هذا المزج ليس عشوائيًا، بل هو مقصود في فوضويته. في أعمال الفنان ديفيد سال، تُرى رموز من فنون عصر النهضة إلى جانب رسوم كرتونية، وإعلانات، وصور نساء مجهولات الهوية، لا تفسيرات، بل فقط طبقات دلالية متراكبة تُربك الإدراك وتستدعي مشاركة المتلقي.
وهذا ما نجده أيضًا في أعمال جيف كونز الذي يخلط بين النُصب الرومانية القديمة وألعاب الأطفال البلاستيكية، مشكلًا عالماً من المفارقة المستمرة. هل هو احتفاء أم تهكّم؟ كلاهما، وربما لا شيء منهما. إنه إعلان بأن لا سلطة للأسلوب الواحد، ولا أحقية لتاريخ دون غيره، إنه احتفاء بالهجنة، بالتركيب، بالمؤقّت.
حين يمزج الفنان رموز حضارات متباعدة، فهو لا يقدّم وصفة جاهزة لمعنى جامع، بل يطرح سؤالًا وجوديًا: كيف نعيش في عالم متعدّد، من دون أن نُختزل؟ كيف نفهم أنفسنا إذا كانت مرجعياتنا كلها غريبة جزئيًا عنا؟
إن المضمون المتولد من هذا المزج ليس ثابتًا، بل حالة عبور دائمة. والمشاهد لا يُطلب منه الفهم، بل المشاركة في هذه الحيرة المنظمة.

صرخة مكتومة في وجه السلطة

ما بعد الحداثة لا ترفع لافتات سياسية، لكنها تحفر في الجدران. لا تهاجم مباشرة، بل تهمس في الأذن: «هل تلاحظ ما يحدث؟». الفن هنا ليس احتجاجًا صريحًا، بل شكلاً من الانزياح الماكر.
في زمنٍ تصير فيه اللغة أداة في يد السلطة، وتتحوّل الصور إلى وسيلة للتسويق، يقرّر الفن ما بعد الحداثي أن يقلب الطاولة. أعمال باربرا كروغر، التي تدمج الصور التجارية مع نصوص جريئة، تستخدم أدوات السلطة (الإعلان، الشعارات) لتقويض سلطتها. أما هانز هاكه فكان يفضح في معارضه بنية السلطة داخل المؤسسات الثقافية نفسها، واضعًا المضمون في قلب فضيحة أخلاقية. المضمون هنا لا يُقال بلسانٍ صريح، بل يخرج كهمس ثقيل في فضاء مزدحم بالخطابات المهيمنة، أن يستخدم الأدوات ذاتها ليكشف زيفها، أن يصنع من الصورة أداة مقاومة، من اللغة شبكة للارتباك، ومن السرديات الكبرى مرمىً للسخرية.
في هذه الحالة، المضمون لا يكون صريحًا، بل يُصاغ كخدعة. كأن الفنان يقول: «أعرف أنكم اعتدتم على المعاني المعلّبة، لكني سأقدّم لكم شيئًا لا تستسيغونه بسهولة.» وهنا، يصبح الفن ساحة صراع رمزي، لا يحسم شيئًا لكنه يفضح كل شيء.

لا حقيقة… بل احتمالات

في فنون ما بعد الحداثة، كل محاولة لتثبيت المعنى تُقابل بسخرية. في أعمال تريسي أمين، مثل سريرها غير المرتب المعروض كعمل فني، لا يوجد «فن» بالمعنى التقليدي، بل حياةٌ مكشوفة تُعرض بلا تنظير. أما مارسيل بروتيرز، فكان يستخدم الأشياء اليومية والنصوص المجتزأة لخلق متاهة من الرموز التي لا تفضي إلى معنى محدد. الفن ليس مفتاحًا، بل لغز.
كأن العمل يقول: «حسنًا، إن كنت تظن أنك فهمتني، فأنت لم تفعل». هذا ليس تهرّبًا من المسؤولية، بل هو اعتراف شجاع بأن الحقيقة، إن وُجدت، فهي نَفَسٌ عابر، لا يُمكن حبسه في قفص التأويل الواحد.
المضمون هنا لا يُسلَّم للمتلقي، بل يُدفع إليه كما تُلقى ورقة في مهبّ الريح: إن استطاع الإمساك بها، فليقرأ ما يشاء؛ وإن أفلتت، فذلك جزء من اللعبة.
الرموز في هذه الفنون ليست مفاتيح، بل أبواب، واللغة ليست طريقًا للمعنى، بل متاهة. كل نص، كل صورة، كل شكل، يمكن أن يُقرأ كاحتمال، لا كجواب. والمضمون، في هذه الحالة، هو ما يحدث حين يجتمع العمل الفني والناظر إليه… وما قد لا يحدث.

الفن كنداء في الفراغ

لا يمكن للإبرة أن تجد اتجاهها في البوصلة المكسورة، وما بعد الحداثة تعرف ذلك. لذلك هي لا تعدنا بالخلاص، بل تقترح علينا أن نعيد تشكيل ذواتنا ونحن نغرق، أن نحاور الحطام بدلًا من انتظار السفينة. فنون ما بعد الحداثة لا تسعى إلى تعليمنا كيف نعيش، بل كيف نرتب الأسئلة في عتمة بلا أجوبة. في هذا المشهد، يصبح المضمون مراوغًا، متعدد الأوجه، هشًا… لكنه ضروري. ليس لأنه يكشف الحقيقة، بل لأنه يذكّرنا بأنها كانت يومًا ما ممكنة، وأننا ما زلنا نحاول الوصول إليها، ولو عبر مرآة متكسّرة.
فنون ما بعد الحداثة لا تعدنا بالخلاص، بل تقترح علينا أن نعيد تشكيل ذواتنا ونحن نغرق. أن نحاور الحطام بدلًا من انتظار السفينة. وهكذا نرى أن الفنانين التشكيليين في عصر ما بعد الحداثة – من شيرمان وبيكون إلى كروغر وكونز – لم يقدموا أعمالًا كحقيقة نهائية، بل كاحتمالات. كمرآة مشروخة ترى فيها نفسك مرة، وتفقد ملامحك مرات. الفن ما بعد الحداثي لا يُلقي بالمضمون كحقيقة، بل يرميه كنداء، في فضاءٍ لا وعد فيه سوى بالغموض… والسؤال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية