فنّ التداعي عربياً… نداء غزة الأخير

المقاومة الفلسطينية الباسلة في غزة لم تُجهز على التصوّر الصهيوني الاستعماري للتاريخ، فحسب، وإنما على «التصوّر العربي» للعالَم، قبل كل شيء، التصوّر الذي دخل مرحلة التفتُّت المحزِنة، منذ عقود. يكفي كذباً وأباطيل، نحن تجمّعات عشائرية، أشباه دول، فئات عقائدية، فتات بلدان كانت، ولم تعد. يكفينا ما تحملناه، ونتحمّله، من ادعاءات ومراوغات وأضاليل. نحن اليوم مستحاثات تاريخية، لا أكثر. لا مكان لنا في العصور الحديثة. يكفينا عمى وتخابُؤاً وتبارير. نحن الآن مجموعة من الكائنات المستغَلّة بعمق والراضية، مع ذلك، بشروط وجودها المزرية. كيف تستقيم الحياة بهذا الشكل؟ ومن المسؤول عن هذا الانحدار العربي اللامعقول إلى الهاوية؟ وكيف يمكن لنا أن نتحرر من مثاقيلنا التي لا تحتمل؟
نحن العرب هوامش العصر الحديث علمياً واجتماعياً، آن لنا أن ندرك أعطاب وجودنا، وأن نحاول ترميمها أو علاجها أو تفاديها. لقد صرنا في خضمّ التقدم الإنساني الكاسح من حولنا، لا نتقن غير فنّ الاقتباس. نقتبس العلوم والآداب والأفكار والمقولات والأزياء والفنون والخلاصات. نقتبس كل شيء، كل ما نحتاج إليه من أجل البقاء. وما نحتاجه، في الحقيقة، هو كل ما ينتجه غيرنا، فنحن لا ننتج شيئاً. أتساءل: كيف يمكننا، إذن، أن نحقق أهدافنا في الحرية والتطوّر والتحرر؟ كيف نتخلّص من آخر استعمار بقي فوق الأرض عندنا في فلسطين ونحن غير قادرين على التخلّص من آفاتنا المزمنة التي تبدو وكأنها ولدت معنا؟ لماذا هذه المرارة؟ إبداع المقاومة الفلسطينية الباسلة، وبالتحديد في غزّة، هو الذي دفعني، اليوم، إلى التمعّن بوضعنا المأساوي الذي نغرق فيه، والذي لن يتبدل إذا ما بقينا على هذه الحال. وهو، نفسه الذي يجعلني أعيد النظر بأطروحتي اليائسة، هذه، مستمدّاً منه بعض العزم والأمل، لحسن الحظ.
كيف لي أن أشرح، بعد ذلك، ما يبلبل أفكاري، ويملؤني بالتَّلاطُم والقُروحات إزاء السياسة العربية البائسة حاليّاً: سياسة التلاؤم والانصياع والخذلان؟ أعرف أن السياسة شيء، ومصائر البشر شيء آخر، لكنهما قد تتّفَقان، أحياناً، لحقبة زمنية محددة، إلاّ أن افتراقَهما واقع لا محالة في الأزمات التاريخية الحاسمة. ونحن الآن في حقبة افتراقهما العظمى، منذ أن أصبحت مصائرنا في خطر. لا يغرنّكم بعض المظاهر المسالمة والمزيّفة لمدن عربية عصرية، فهي لا تشذّ عن القاعدة، وإنما تثبتها. إنها بهرج الحداثة المستوردة، دون أن تكون علامة محلية على التقدم أو التطوّر أو الإبداع. إنها، على العكس من ذلك، تشير إلى أن الوضع أصبح مأساوياً بشكل عميق: بهرجة صارخة في بعض بلداننا، واستعمار استيطاني كاسح في بعضها الآخر. ومع ذلك، نتحاشى التمعّن في مصيرنا الذي غدا مهدداً بعمق، وبلا حماية. لماذا؟ لأننا نعتقد، كالبُلَهاء، أن وحش الاستعمار الصهيوني لن يفترس إلا «الآخرين». وننسى أن «الآخرين» جزء منا. والوحش، كما تعرفون، لا يفرّق بين الأخوة، ولا بين الأنداد، أو الأضداد.
ما يغيظنا، إذن، ليس هو الحياد، إيجابياً كان أم غير إيجابي، لكن هو سوء استخدام السلطات العربية لمقدراتها. سلطات تبدو جوفاء بلا استراتيجية تاريخية للمستقبل، يسيطر عليها السكوت والخنوع، ونحن بحاجة إلى صوت عالٍ منها بدلاً من صمتها العميق الذي يشبه صمت الموتى. كنا نأمل، أيضاً، من تلك السلطات العديدة «والرشيدة» أن تقول بكل طاقتها للصهاينة المتغطرسين: «لا! هذا يكفي»! بدلاً من التخاذل والرضى الخبيث بالأذى. كنا نتمنى أن يصرخ بعض قادتنا «المحنّكين»: «نحن هنا»! حتى لو لم يُشهروا سيوفهم. لماذا الخوف من الكلام! الكلام لا يقتل أحداً، لكن غيابه قد يشجّع المعتدين على قتلنا. نحن لا نريد الشر لأحد، خاصة لهم، هم، «قادة بلداننا» المؤدَّبين جداً. ومَنْ سىيؤذيهم وهم يدون غارقين في لامبالاتهم بما يحدث في غزة، وتجاهلهم له، واستسلامهم لقدر يتجاوز طاقتهم على التحدّي. هذا هو نداء غزة الأخير الذي لن يسمعوه، ربما، ومع ذلك، نلقي به في الريح!

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية