انتظرتُ مع المنتظرين مقابلة الملحن العراقي البارز كوكب حمزة على قناة “الدراما” الرسمية السورية، إذ ينتظر المرء أن يسمع جديداً من فنان بوزن حمزة وألحانه الراسخة في الوجدان.
قال حمزة في بداية هذه الحلقة من برنامج يحمل اسم “أعز الناس” إنه بظهوره هنا يكسر عهداً قطعه منذ ثماني سنوات في ألا يظهر في الإعلام، خصوصاً أن لا جديد لديه. لكنه لم يقل ما الذي دفعه لكسر هذه العهد، ودفعه لاختيار شاشة النظام السوري. صحيح أن الرجل لم يتحدث في السياسة، ولم ينزلق البتة إلى أي إشارة أو تلميح سياسي، لكن المعزّة كانت واضحة للمكان، لهذه الاستديوهات نفسها، التي مهّدت لقتل السوريين، أو سوّغت كل الارتكابات الوحشية بحقهم.
قلنا لعلّ لدى البرنامج من الحرفية ليست لدى لآخرين، وسرعان ما خاب الأمل، إذ ماذا ينتظر المرء من مقابلة مع ملحن كبير تتضمن، من دون أي رابط يذكر، استطلاع رأي بخصوص زواج الرجل من امرأة تكبره سناً!
لم تسأل المذيعة شيئاً ذا قيمة، ولم تمهد الأرض للفنان ليروي ذكريات أو آراء تهم الناس، فالإعداد ضعيف، ولا دور للمذيعة سوى التشويش على الحلقة، تسأل، و”تبربر” أكثر من ضيفها.
كذلك لم تفلح “مفاجأة” المغني سعدون جابر في اتصال هاتفي محضّر سلفاً في إنقاذ الوضع. لقد غنى سعدون، وغنى كوكب، غناء متعَباً، حزيناً، لا يدفع إلا للرثاء على الأصوات الذهب، وما حلّ بها.
ثماني سنوات من الصمت؟ حقاً، إن بعض الصمت ذهب.
جريمة فن الشارع
ما زال فن الشارع مخيفاً للأنظمة العربية. الموسيقا والرقص وفنون الأداء ممنوعة في الساحات العامة خوفاً من أن تتحول إلى احتجاجات ضد السلطات. في بلد مثل سوريا لطالما سمعنا هذه العبارة المتهكمة السوداء “ممنوع التجمع لأكثر من اثنين”. التجمع ممنوع، فكيف الاحتفال!
السلطات المغربية اعتقلت أخيراً شابين في الدار البيضاء كانا يقدمان عروضاً موسيقية في الطريق، والتهمة “إهانة الشرطة” بعد محاولة هؤلاء مصادرة آلاتهما الموسيقية.
الاعتقال تسبب بحملة تضامن واسعة عبّر عنها هاشتاغ #الفن_فالشارع_ماشي_جريمة .
فن الشارع لا يمكن أن يكون جريمة، إنه روح المدن، أجمل ما فيها. كيف ستصبح باريس مثلاً من دون موسيقى محطات القطار، وعروض الشبان الراقصة في الساحات وأمام المقاهي.
الاستبداد ليس فقط في حرمان البلاد من التعبير السياسي، إنه كذلك حرمانها من أغانيها وموسيقاها ومن أي إمكانية لابتكار أشكال فنية جديدة.
زمن “الأنجال”
شغلت صورة تجمع فاروق الشرع مع بشار الأسد، أثناء تقديم العزاء بوفاة زوج نجاح العطار، متابعي الشأن السوري المنشغلين منذ سنوات بالتكهن حول مصير الشرع.
وبالقدر نفسه استنكر بعض مؤيدي النظام ظهور الشرع، أو على وجه الدقة ظهوره إلى جانب الأسد “على الرغم مما بدر منه”، حسب تعبير البعض. إذ نقل خبر صحافي عن ابن بثينة شعبان، مستشارة الأسد، قوله في تغريدة :”الشرع لم يكن معهما، إنما كان وجوده في نفس التوقيت صدفة”. وأضاف أن تصرف الأسد وزوجته “يدل على كبرهما ورفعة أخلاقهما تجاه ما بدر من الشرع”.
في الواقع، ما يشغل المرء، أكثر من أي شي آخر في هذا الخبر، المانشيت الذي قال “هكذا علّق ابن بثينة شعبان”. منذ متى ولد هذا الشاب؟ ما اسمه؟ أي منصب أو مكانة يشغل في “الدولة” حتى تنقل عنه تصريحات ومانشيتات عريضة؟
هل ينضم إلى قافلة الأنجال العرب المجهولة أسماؤهم، كنجليْ صدام حسين، ونجلي مبارك، ونجل القذافي، ونجل علي عبدالله صالح؟ ثم أليس لهؤلاء أسماء؟
كنا نحسب من قبل أن “المرء يكافئ أبويه بشكل سيىء إذا بقي نجلاً”، لكن على ما يبدو فإنه الاستثمار الأكثر ربحية أن يبقى هؤلاء “أنجالاً”.
على عاتق المواطن
“لو بصّينا في المراية هي دي الحكاية” هي سلسلة إعلانات مصرية لمحاربة الفساد. واحد منها يصور مجموعة من الأطباء في غرفة العمليات يتآمرون لسرقة أعضاء مريض. ثم يمضي الإعلان ليشير إلى انتهاكات أخرى، كالغش في مواد البناء وسرقة الكهرباء وغيرها.
سيعجبك الإعلان من دون شك، وربما تقول لنفسك إن نقابة الأطباء المصرية ليست على حق وهي تثور على الإعلان معتبرة إياه يسهم في تشويه صورة الطبيب المصري، على الرغم من أن الإعلان لم يعمِّم، وأصرّ على عبارة “في ناس مننا”.
فقط عندما تعرف أن الإعلان مصنوع من جهة حكومية ستنتابك الشكوك حول وجهة وهدف الإعلان. المصريون أنفسهم التقطوا مغزى الإعلان: إنه يهدف إلى رمي مسؤولية الفساد العميم في مصر على عاتق المواطنين أنفسهم، ولا كأن الحكم هو الفاسد. إنها سلسلة ترمي إلى زرع الشك بين المواطنين أنفسهم، تدفع إلى التغاضي عن الفاعلين والمسؤولين الحقيقيين.
يذكّر الأمر بفيديو انتشر أخيراً يصور وزير الداخلية السوري يقوم بجولة بين المواطنين، الذين يجرون معاملات في بعض أروقة المؤسسات الرسمية، ويفضح أمام الكاميرا موظفاً بسيطاً يربح خمسين ليرة سورية إضافية من بيع تقرير رسمي. بدا كأن ذلك المواطن، الذي شهر به على نحو واسع، هو المصيبة كلها في البلاد.
إنه الأمر نفسه. تصوروا! في بلد المجازر والقتل في السجون وتهجير نصف الشعب سيصبح المدان الوحيد بالدليل القاطع موظفاً هو الحلقة الأضعف في في سلسلة النظام.
كاتب فلسطين سوري