فوائد «الصدمة» في برنامج إنساني وحكايات خاصة لسهير رمزي

في زحمة المُسلسلات المليئة بالقتل والبلطجة والخيانة والإعلانات، تبدو البرامج الإنسانية كالعزف على الوتر النشاز، فالبحث عنها بين القنوات مهمة شاقة ومُضنية والمُشاهد المحظوظ فقط هو من يُصادف برنامجاً خالياً من الهزل وألاعيب الحواة والدجالين كبرنامج «الصدمة» الذي تعرضه قناة mbc، فهذا يقدم مواقف بلا طرائف، فالهدف ليس التسلية والضحك على المواطنين السُذج من الذين يتحلون بحُسن النية والسجايا الطيبة، وإنما تقوم فكرة البرنامج في الأساس على اختبار الصفات الحميدة لدى العامة من الناس، وتفعيل نوازع الشهامة والمروءة في مواجهة المُشكلات التي يُمكن أن تصادف طفلا أو شيخا مُسنا أو امرأة أو فتاة أو شابا، أو غير هؤلاء.
مفاد الحدوتة المُلفقة والمُتفق عليها سلفاً بين فريق العمل في البرنامج اليومي، أن يتم عرض تمثيلية قصيرة يدخل من خلالها شخص ما في أزمة إنسانية كضرب أب لابنة في الشارع على مرأى ومسمع من المارة، بدعوى التقويم والتربية أو تتعرض فتاة لمضايقات من مجموعة شباب، أو يُعامل إنسان مُعاق مُعاملة سيئة، أو يُهان شيخ أو امرأة إلى آخر المواقف التي يُمكن أن تُثير حفيظة المواطنين العاديين تجاه من يقومون بالأفعال المسيئة، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة رد الفعل الذي تصوره الكاميرا وتُمثل ذروة الانفعال بما يُرتكب من جرائم في حق المُعتدى عليهم حسب الصورة التراجيدية المصنوعة، التي يقوم بتجسيدها ممثلون محترفون.
وتبدأ عملية التصعيد شيئاً فشيئاً وعند وصول رد الفعل من ذوي أصحاب الهمم إلى أقصاه يتدخل أحد صُناع الحكاية والعاملين في البرنامج لفض الاشتباك وتفسير الموقف الدرامي المحبوك، وهنا تتولد العظة ويتجلى المعنى الإنساني المقصود والمُستهدف ويتصافح المُتشاحنون بعد إحاطتهم بحقيقة التمثيلية الذكية، التي لم يكن هدفها السخرية أو التهكم أو التسلية بالطبع.
هذا هو الفارق النوعي بين برامج تُنفق عليها الملايين بلا جدوى أو هدف وبرامج أخرى ذات إنتاج بسيط ومغزى عميق، ولأن الشيء بالشيء يُذكر فهناك برنامج مصري يومي تقدمة ممثلة ناشئة تحت عنوان «امرأة مجنونة» على غرار حلقات الكاميرا الخفية التي قدمها الممثل الكوميدي الراحل إبراهيم نصر قبل سنوات، واستمر في تقديمها لفترة بمسميات مُختلفة كان أشهرها حلقات زكية زكريا، وفيها كان المقلب هو سيد الموقف، فالضحك لم يكن يصدر إلا من واقع التغرير بالشخصيات البسيطة الهامشية ووضعها في أزمة تُثير الشفقة أو تُثير الضحك! وتقليداً لهذه الفكرة تُقدم المرأة المجنونة حلقاتها الهزلية للإيقاع بمن يقوده حظه العاثر في طريقها، ويركب سيارتها الأجرة المُثبت بها الكاميرا لزوم التصوير، وتنفيذ المقلب القائم على إيهام الراكب بأن زوج المرأة يراقبها ويتعقب من يركبون معها للانتقام منهم، وتستمر الحلقة على هذا المستوى من الاستخفاف وليس الخفة إلى أن تنتهي وتكشف المرأة عن شخصيتها الحقيقية فيندهش الشخص الضحية ويكون السؤال الختامي.. نذيع الحلقة ولا غير موافق على إذاعتها فيكون الرد المتوقع لا مانع.
هذه مجالات التسلية في شهر رمضان الكريم في ظل الإفلاس في الأفكار وعدم القدرة على التجديد والابتكار، لكن ليس هذا هو المهم، وإنما الأهم هو حصيلة الإعلانات التي تدخل خزائن المحطات الفضائيات، لزوم ما يلزم من نفقات ومصروفات وخلافة. وما بين الجد واللعب ومباريات الكوميديا والهزل والمسلسلات والبرامج، تأتي على استحياء بعض الاستثناءات الجديرة بالمُشاهدة كبرنامج «كلام الناس» وهو عينة تقليدية من برامج كانت تُقدم في السنوات الماضية لاستضافة بعض النجوم والنجمات للحديث عن ذكرياتهم وحياتهم ومشوارهم مع السينما والمسرح والغناء والموسيقى، وفق طبيعة الحوار مع كل ضيف أو ضيفة.
هذا النمط هو ذاته ما يُعاد إنتاجه في برنامج «كلام الناس» بشكل عصري، حيث تتم استضافة نجم أو نجمة من زمن الإبداع الحقيقي ويدور الحوار والنقاش حول ما أنجزه هذا الفنان أو ذاك خلال رحلة العُمر، فأهم ما يميز البرنامج أنه يستضيف شخصيات من جيل الكبار، ففي إحدى الحلقات كانت الضيفة سهير رمزي، وقد حكت عن أجمل ذكرياتها وخصوصياتها ومشوارها السينمائي الطويل بعفوية شديدة، وبلا أدنى تكلف أو تحفظ على معلومة أو سر أو دور أو تصرف ما أو سلوك معين.
لقد بدت النجمة الكبيرة في كامل لياقتها، كأنها لا تزال في ريعان شبابها وتألقها وحضورها، وبالطبع تنطوي الفكرة الرئيسية للبرنامج على رسالة إنسانية مفادها أن يشعر النجم بأنه في ذاكرة جمهوره ومُحبيه وعشاق فنه، وكما كان لسهير رمزي الأولوية في الظهور على الشاشة الصغيرة خلال شهر رمضان، حصل الفنان حسن يوسف على الفرصة نفسها ليتحدث هو أيضاً عن عصره الذهبي ونجوميته وأهم أدوارة وحياته الشخصية والعائلية بأريحية وترحيب، لاسيما أنه شعر بالاهتمام بفنه وتاريخه الإبداعي وحاضرة فهو لم يغب تماماً عن الساحة وإن كان متأنياً إلى حد كبير في اختياراته، وما يُمكن أن يقدمه من أدوار جديدة ومفيدة.
هذه بانوراما قصيرة عن نوعيات البرامج التي امتلأت بها الشاشات بلا ضابط أو رابط، اللهم غير القليل الجاد والمهم.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية