«فوات الأوان» مجموعة الشاعر المصري محمد أبو زيد: ماهية الشعر والشاعر ومغايرة الكتابة

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في ديوان «فوات الأوان» للشاعر المصري محمد أبو زيد يجد القارئ نَفَسا شعريا جديدا، يجيد إخفاء صنعته، والتخلص من ديونه للسابقين من خلال مناورات الشكل، واللهاث وراء ماهية أو معنى لا نهائي لا يتحقق للشعر. ففي هذا الديوان يشكل سؤال الماهية الخاص بالشعر حضورا واضحا، ينفتح في الإجابات المحتملة على غياب، لأن الشعر في منطق نصوص الديوان طائر يجيد الحركة، ويجيد التشكّل أو إعادة التشكل، ويجيد التخفي، ويغيّر جلده وهيئته من فترة إلى فترة، ومن عصر إلى عصر، يؤيد ذلك الإحالات الممتدة في النصوص إلى تجليات سابقة في دواوين سبقت هذا الديوان، للكشف عن المتغير في مساحات الرؤية.
الديوان يقدم نصوصا شعرية لا تكفّ عن الإشارة إلى التغيّر والتبدل عما سبق، فكأننا أمام شعرية تتطور بالتراكم والاختلاف التدريجي، نتيجة لتأمل السابق لبناء نقلة تحمل وعيا مغايرا، ويتحقق هذا الأمر في نصوص هذا الديوان على مستوى البنيات الأسلوبية ووالتراكيب النصية بين جزئيتي (بعد) و(قبل)، وكأن هناك حالين شعريتيين، يفصل بينهما بون بعيد في التوجّه والإيمان بالقدرة على الفعل، للوصول في النهاية إلى حركة تشبه القصور الذاتي غير القادر على التأثير والفعل. فالعواء الذي يبدأ به الجزء الأول من الديوان يكشف عن مساحة الفعل الساكنة، ليتحول الشعر – معادل الفعل والقدرة على التأثير في شكله المثالي – إلى عواء ذاتي ساكن يطارد أشباحه المتخيلة.
تكشف نصوص الديوان عن تساؤل آخر، يتولّد من فكرة المغايرة وارتباطها بسياقات حضارية، يتمثل في جدوى ومشروعية فن الشعر في اللحظة الآنية، وحتمية البحث عن شكل وآليات فنية تتعاظم على الظرف التاريخي الذي يمرّ به هذا الفن. فنصوص الديوان في مجملها تمثل اشتغالا لخلق أبنية شعرية متساوقة مع اللحظة، لا تحلم بتغيير العالم، أو الإيمان بالشكل المباشر القديم لرسالة الشعر، هي فقط تكتفي بالوجود بشكل خافت، لأن هناك متغيرات دائمة تلحق بالسياق أو السياقات، وتترك بالضرورة أثرها على الشعرية المنجزة. ويمكن للقارئ أن يقارن بين طبيعة أبطال النصوص وسارديها في الجزئين (بعد) و(قبل) وكلاهما يكمل عنوان الديوان «فوات الأوان»، وكأن هناك حدثا عظيم التأثير أوجد هذه المغايرة أو الفكرة التي تظلل شعر الشاعر على امتداد دواوينه السابقة، لكنها هنا تترك أثرها في جزئيات عديدة، منها ماهية الشعر المتعددة التي لا تكف عن الحركة والفعل من جزئية إلى أخرى.
ثمة ملاحظة في عناوين قصائد الديوان، تتمثل في طولها من جانب، ومن جانب آخر تشكل – إلى حد ما – مساحة من الانفصال من خلال احتشادها وانبنائها وتجذّرها في سياق قد لا يكون قريبا للوهلة الأولى بينها وبين المتن، خاصة في القصائد المشدودة للحاكم – يتشكل غالبا في صورة إله – والسيدة الأولى في مقابل المحكومين، أو فصائل النمل المتراصة المشغولة بالحياة، ومخزونها من السكر. وكأن هذه العناوين التي تبالغ في الطول والاحتشاد والمرتبطة دلاليا بأمور فلسفية مثل المادية والجدلية، تحاول زعزعة يقين التأويل، وهذا يجعلنا نشير- مع شيء من عدم الاطمئنان – إلى أن جزئي الديوان (بعد) و(قبل) يتعلقان بالثورة، بوصفها الحدث المحوري الأكثر حضور، بالرغم من محاولات تغييبه بوسائل عديدة، مثل الإيهام بعناوين بعيدة الغور والدلالة.
ماهية الشعر والشاعر والكتابة
في نصوص كثيرة من نصوص الديوان ثمة اشتغال على الشعر وماهيته، وتطوره الزمني، ذلك التطور الذي يعاني من سلطة السابقين التي أخذت شكلا أقرب إلى الصواب الدائم، ما يفرض نوعا من الثبات حول هذا المنجز القديم، وكأنه الشكل الأخير والوحيد لفن الشعر. وقيمة نصوص هذا الديوان أنها تبني أسانيدها، وأسانيد مشروعية اختلافها عن النمط الثابت المستقر برهافة بالغة تتسرّب تدريجيا لتؤكد حتمية وجودها. في نصّ (جد عجوز فاض به الكيل لا يحتمل) يمثل الجد معادلا للسلطة الفنية ولمنطق الحياة وسطوتها في الاحتفاء بالمستقر في مقابل حركة وإضافة الحفيدين (الولد والفتاة) اللذين يأتيان بوصفهما معادلا للمغايرة والاختلاف ارتباطا بمنطق الزمن واختلافه بينهما وبين الجد.
وإذا كانت الأشكال الشعرية الجديدة في النص السابق تتجلى في نسق الصراع، بالإضافة إلى حسّ السخرية الموجود في معظم النصوص، فإن مفهوم الشعر الجديد، وبشكل محدد قصيدة النثر، ينتصر لتعدد الأشكال، وغياب التأطير والثبات، بل ويجعل من هاتين السمتين مساحة للتفرد والإيجابية. فقصيدة النثر في منطق النصوص ولادة جديدة مع كل نص، وهذا يبعدها عن التقعيد والشكل الثابت. ففي نصّ (بيضة الديك كنظرية تأسيسية: نقد العقل المحض) يدرك القارئ من العنوان – بعد إزالة مساحات التغريب والتغييب بين العنوان ومتن النص – أن هناك وعيا من البداية بهذه السمة أو الخاصية الفريدة، فقصيدة النثر- نظرا لفرادتها وغياب التقعيد وتكرار القالب – تشبه بيضة الديك.
لا تنفصل ماهية الشعر عن ماهية الشاعر، ومحاولة تحديده أو تأطيره، وإن كانت كل المحاولات لا تفلح في الإمساك بكائن غير فيزيائي، يتشكل على نحو مغاير في كل لحظة أو فترة زمنية، ويلتحم في كل تشكلاته بمنطلقات الإبداع لدى الشاعر. ففي النصوص قناعة بأن ما يتخيله الإنسان يمكن حدوثه، ويمكن أن يكون جزءا من الواقع الملموس إن أمكن تحديد شيء ما يعبر عن الواقع. صورة الشاعر في النصوص – وإن لم يتم التوجه إليها بشكل مباشر- تتحدد في مساحة الريب بين الحدوث وعدم التحقق منطقيا.
والقصيدة ـ أيضا – في نصوص الديوان لم تعد مرتبطة بالتجليات السابقة في الارتباط بظروف وسياقات محددة، قد تكون مشغولة برسالة سامية للشعر، وإنما أصبحت مشدودة للإنسان، ولحاجاته البسيطة والصغيرة، لأن الشعر لم يعد متعاليا مفارِقا، فمكانه يتغير من فترة لفترة، وصورة الشاعر ومكانه يتغيران. فلم يعد الشاعر- على حدّ تعبير النص الشعري الذي جاء بعنوان (محضر اجتماع الجمعية العمومية العادية لسنة 2023) – ساكنا للمجرّات أو السماء، بل أصبح مثل الناس واحدا عاديا، يحتاج ما يحتاجون إليه.
أما الظاهرة الأهم في تجليات هذه الشعرية، فتتمثل في الاستناد إلى عناوين لافتة، فيها الكثير من الاحتشاد، لإسدال نوع من التغييب لإخفاء العلاقة المباشرة بين العنوان والمتن، وكأنه يفتح مجالات بعيدة للتأويل، بعيدا عن ارتباط النص بشكل مباشر بموضوع محدد، له حضور لافت لا يخلو من وضوح في سياقاتنا السياسية، فهناك الكثير من الاحتشاد في صناعة العناوين النصية، وكأنها بهذا الاحتشاد تمارس نوعا من التشتيت الذهني، لفكّ الارتباط المباشر. في نصين متتاليين (إعادة كتابة التاريخ1) و(إعادة كتابة التاريخ 2) يشدّنا العنوانان إلى اصطلاحات ما بعد الحداثة، وارتباطها بطبقة أو طبقات من كتابة التاريخ، وإعادة كتابته بشكل مختلف في نسخ عديدة بعيدا عن النسخة المتفق حولها.
لكن هذه المحاولة لإسدال نوع من التغريب في النص الأول تأخذ بعدا أكثر رحابة، حين يوحّد النص – في ظلّ إعادة الكتابة – بين السقّاء ونرسيس صاحب الأسطورة الذي يذوب ويجف لتعاليه على النساء، ولكن تأمل النص مرة أخرى ربما يكشف عن عقد تواز آخر بين السقّاء ونرسيس ونهر النيل الذي يتيه به المصريون، ويشير النص ـ في ظل متغيرات آنية- إلى إمكانية جفافه وذوبانه، فكأننا أمام طبقات ثلاث.
المراجعة والالتحام بالعجائبي
إن منطلق المراجعة لرصد المغايرة حاضر بقوة في نصوص الديوان، يتجلى ذلك في سمات كثيرة تتضافر فيما بينها لتأسيس ذلك التوجه في الكتابة الشعرية، بداية من عناوين بعض القصائد التي تتعرض للشطب والمحو، ولكن أثرها يظل باقيا، يمكن قراءته بسهولة، وكأن الكتابة الشعرية حالة مستمرة من حالات الاشتغال على نصوص سابقة، ويبقى أثرها واضحا. مثل عنوان قصيدة (قصيدة تصلح لهذا العالم)، حيث يُمارس ضده الشطب والمحو، مع وجود تساؤل في السطر الثاني من العنوان (ما هذا العنوان؟)، أو في نص آخر بعنوان (قارئ يعتقد أنه جناح فراشة)، ثم يُمارس الأسلوب ذاته في الشطب في إضافته في ذات العنوان (أو قصيدة تعتقد أنها ظل رجل يختبئ في الحائط).
في نصه الأول (تروتسكية ستالينية خضراء) نجد الإيمان بهذه الرسالة واضحا، من خلال التكرار الدوري لجمل تحمل الشعور بالمسؤولية عن البشر والعالم، مثل (ولد يحمل بلدا على كتفه)، و(فتى يحمل بلدا). وفي مقابل الثورة الدائمة التي يمثلها تروتسكي، يأتي ستالين – قاتله أثناء هروبه بالمكسيك – بوصفه إشارة للحاكم الذي لم يتحمل الثورة والمطالبة بالتغيير، لتحوّله إلى إله. يقول النص في نهايته: (الإله يترك البلد جوار ماسح الأحذية، ويغادر المقهى، غير مهتم بالكتاكيت التي تعبر الشارع). والصورة السابقة لا تنفصل عن نص (على مذبح الأيديولوجية – المجلد الثاني)، لأن صورة الحاكم تتوحد بصورة معكوسة بسليمان النبي، وبحكايته مع النمل، لتشير إلى حاكم خاص محدود المعرفة.
أما النص الثالث الذي جاء بعنوان (يقول لينين: أفضل وسيلة لتدمير النظام هي إفساد رأس المال – المجلد الثالث) فتجعلنا نعيد النظر في النصين السابقين، وتأمل ملامح الثورة ومآلاتها البعيدة والقريبة، فمساحة الانتصار المخفية في حديث ماركس، يقابلها وعي إنجلز بسيادة وعودة النسق القديم واستمراره. ففي لحظة الثورة التي تولّد مساواة وقتية بين الحاكم والمحكوم، هناك وعي فائض بسلطة النسق وعودته في شكل مغاير، يقول النص: (ضحك ماركس في قبره، شدّ إنجلز من لحيته- استيقظ يا خمّ النوم.. ألم أقل لك؟! ـ آه يا ماركس المسكين، أنت لا تفهم شيئا، انتظر أسبوعا واحدا فقط.. وسأروي لك بقية المأساة).
هناك نوع من المغايرة أو المراجعة يتمثل في تأسيس منطلقات شعرية مغايرة للمنطلقات القديمة، وإن كانت تتماس معها في إطارها العام، لكنها تمعن في إحداث نوع من الفرادة عن الشعرية المنجزة سابقا، حتى في صناعة اليومي الخاص بها، فلم يعد اليومي- في نصوصه- واقفا عند حدود رصد الآخر أو جزئيات الكون التي تحتوينا، في إطار يحفظ لكل قسيم وجوده المنفصل، فالراصد والمرصود هنا متداخلان، وفي انفتاح دائم، فكل قسيم يأخذ من الآخر ويعطيه في الآن ذاته، ولم يعد الأمر رصدا للآخر أو للكون المحيط، وإنما أصبح الأمر مشدودا للذات محل الاهتمام بشكل مباشر، وأصبح الآخر وأصبحت الجزئيات المحيطة علامة فارقة ومؤثرة في تجلّي الشعرية وصناعة الذات، وتشكيل حركتها، ومتابعة أشكال تشظيها وتساميها.
وفي صناعته للنماذج البشرية التي نلمح ارتباطا بينها وبين نماذج مؤسسة في شعريات سابقة، مثل شعر عبد الصبور وحجازي، يسدل عليها نوعا من المغايرة والاختلاف، تبدأ من العنوان، وتمتد لتشمل إضافات جديدة للكون الشعري، تتماس مع اللحظة الحضارية المغايرة. فمن يقرأ نصّه (بناية21، الدور الرابع، شقة 406) يشعر أنه- بالرغم من محاولات تفكيك عُرى التناسل والارتباط – مشدود لنصين سابقين، هما (غرفة المرأة الوحيدة) لحجازي، و(المرأة الشمس) لعبد الصبور. لكن النص هنا يسدل بعض السمات التي تؤسس نوعا من الخصوصية المغايرة، تجعله مشدودا إلى لحظة حضارية، ووعي مغاير، وزمن مختلف لكل نموذج من النماذج الثلاثة، مثل وجود كتالوغات آيكيا، وصور إنستغرام، ومسلسلات نتفليكس. والمتأمل يدرك بالرغم من اختلاف الإطارات المشكلة لهذه المرأة الموجودة في كل زمان، أن النهاية واحدة في النصوص الثلاثة، وهي تتمثل في الموت وحيدة، يقول النص: (ظلت وحيدة/ تتنصّت على غرابيين يتبادلان البصاق في شرفتها/ وعلى الأقنعة الأفريقية التي تحدّق/ في جثتها الملقاة بلا اكتراث).

محمد أبو زيد: «فوات الأوان»
ديوان للنشر، القاهرة 2025
167 صفحة.

«فوات الأوان» مجموعة الشاعر المصري محمد أبو زيد:
ماهية الشعر والشاعر ومغايرة الكتابة
عادل ضرغام

في ديوان «فوات الأوان» للشاعر المصري محمد أبو زيد يجد القارئ نَفَسا شعريا جديدا، يجيد إخفاء صنعته، والتخلص من ديونه للسابقين من خلال مناورات الشكل، واللهاث وراء ماهية أو معنى لا نهائي لا يتحقق للشعر. ففي هذا الديوان يشكل سؤال الماهية الخاص بالشعر حضورا واضحا، ينفتح في الإجابات المحتملة على غياب، لأن الشعر في منطق نصوص الديوان طائر يجيد الحركة، ويجيد التشكّل أو إعادة التشكل، ويجيد التخفي، ويغيّر جلده وهيئته من فترة إلى فترة، ومن عصر إلى عصر، يؤيد ذلك الإحالات الممتدة في النصوص إلى تجليات سابقة في دواوين سبقت هذا الديوان، للكشف عن المتغير في مساحات الرؤية.
الديوان يقدم نصوصا شعرية لا تكفّ عن الإشارة إلى التغيّر والتبدل عما سبق، فكأننا أمام شعرية تتطور بالتراكم والاختلاف التدريجي، نتيجة لتأمل السابق لبناء نقلة تحمل وعيا مغايرا، ويتحقق هذا الأمر في نصوص هذا الديوان على مستوى البنيات الأسلوبية ووالتراكيب النصية بين جزئيتي (بعد) و(قبل)، وكأن هناك حالين شعريتيين، يفصل بينهما بون بعيد في التوجّه والإيمان بالقدرة على الفعل، للوصول في النهاية إلى حركة تشبه القصور الذاتي غير القادر على التأثير والفعل. فالعواء الذي يبدأ به الجزء الأول من الديوان يكشف عن مساحة الفعل الساكنة، ليتحول الشعر – معادل الفعل والقدرة على التأثير في شكله المثالي – إلى عواء ذاتي ساكن يطارد أشباحه المتخيلة.
تكشف نصوص الديوان عن تساؤل آخر، يتولّد من فكرة المغايرة وارتباطها بسياقات حضارية، يتمثل في جدوى ومشروعية فن الشعر في اللحظة الآنية، وحتمية البحث عن شكل وآليات فنية تتعاظم على الظرف التاريخي الذي يمرّ به هذا الفن. فنصوص الديوان في مجملها تمثل اشتغالا لخلق أبنية شعرية متساوقة مع اللحظة، لا تحلم بتغيير العالم، أو الإيمان بالشكل المباشر القديم لرسالة الشعر، هي فقط تكتفي بالوجود بشكل خافت، لأن هناك متغيرات دائمة تلحق بالسياق أو السياقات، وتترك بالضرورة أثرها على الشعرية المنجزة. ويمكن للقارئ أن يقارن بين طبيعة أبطال النصوص وسارديها في الجزئين (بعد) و(قبل) وكلاهما يكمل عنوان الديوان «فوات الأوان»، وكأن هناك حدثا عظيم التأثير أوجد هذه المغايرة أو الفكرة التي تظلل شعر الشاعر على امتداد دواوينه السابقة، لكنها هنا تترك أثرها في جزئيات عديدة، منها ماهية الشعر المتعددة التي لا تكف عن الحركة والفعل من جزئية إلى أخرى.
ثمة ملاحظة في عناوين قصائد الديوان، تتمثل في طولها من جانب، ومن جانب آخر تشكل – إلى حد ما – مساحة من الانفصال من خلال احتشادها وانبنائها وتجذّرها في سياق قد لا يكون قريبا للوهلة الأولى بينها وبين المتن، خاصة في القصائد المشدودة للحاكم – يتشكل غالبا في صورة إله – والسيدة الأولى في مقابل المحكومين، أو فصائل النمل المتراصة المشغولة بالحياة، ومخزونها من السكر. وكأن هذه العناوين التي تبالغ في الطول والاحتشاد والمرتبطة دلاليا بأمور فلسفية مثل المادية والجدلية، تحاول زعزعة يقين التأويل، وهذا يجعلنا نشير- مع شيء من عدم الاطمئنان – إلى أن جزئي الديوان (بعد) و(قبل) يتعلقان بالثورة، بوصفها الحدث المحوري الأكثر حضور، بالرغم من محاولات تغييبه بوسائل عديدة، مثل الإيهام بعناوين بعيدة الغور والدلالة.
ماهية الشعر والشاعر والكتابة
في نصوص كثيرة من نصوص الديوان ثمة اشتغال على الشعر وماهيته، وتطوره الزمني، ذلك التطور الذي يعاني من سلطة السابقين التي أخذت شكلا أقرب إلى الصواب الدائم، ما يفرض نوعا من الثبات حول هذا المنجز القديم، وكأنه الشكل الأخير والوحيد لفن الشعر. وقيمة نصوص هذا الديوان أنها تبني أسانيدها، وأسانيد مشروعية اختلافها عن النمط الثابت المستقر برهافة بالغة تتسرّب تدريجيا لتؤكد حتمية وجودها. في نصّ (جد عجوز فاض به الكيل لا يحتمل) يمثل الجد معادلا للسلطة الفنية ولمنطق الحياة وسطوتها في الاحتفاء بالمستقر في مقابل حركة وإضافة الحفيدين (الولد والفتاة) اللذين يأتيان بوصفهما معادلا للمغايرة والاختلاف ارتباطا بمنطق الزمن واختلافه بينهما وبين الجد.
وإذا كانت الأشكال الشعرية الجديدة في النص السابق تتجلى في نسق الصراع، بالإضافة إلى حسّ السخرية الموجود في معظم النصوص، فإن مفهوم الشعر الجديد، وبشكل محدد قصيدة النثر، ينتصر لتعدد الأشكال، وغياب التأطير والثبات، بل ويجعل من هاتين السمتين مساحة للتفرد والإيجابية. فقصيدة النثر في منطق النصوص ولادة جديدة مع كل نص، وهذا يبعدها عن التقعيد والشكل الثابت. ففي نصّ (بيضة الديك كنظرية تأسيسية: نقد العقل المحض) يدرك القارئ من العنوان – بعد إزالة مساحات التغريب والتغييب بين العنوان ومتن النص – أن هناك وعيا من البداية بهذه السمة أو الخاصية الفريدة، فقصيدة النثر- نظرا لفرادتها وغياب التقعيد وتكرار القالب – تشبه بيضة الديك.
لا تنفصل ماهية الشعر عن ماهية الشاعر، ومحاولة تحديده أو تأطيره، وإن كانت كل المحاولات لا تفلح في الإمساك بكائن غير فيزيائي، يتشكل على نحو مغاير في كل لحظة أو فترة زمنية، ويلتحم في كل تشكلاته بمنطلقات الإبداع لدى الشاعر. ففي النصوص قناعة بأن ما يتخيله الإنسان يمكن حدوثه، ويمكن أن يكون جزءا من الواقع الملموس إن أمكن تحديد شيء ما يعبر عن الواقع. صورة الشاعر في النصوص – وإن لم يتم التوجه إليها بشكل مباشر- تتحدد في مساحة الريب بين الحدوث وعدم التحقق منطقيا.
والقصيدة ـ أيضا – في نصوص الديوان لم تعد مرتبطة بالتجليات السابقة في الارتباط بظروف وسياقات محددة، قد تكون مشغولة برسالة سامية للشعر، وإنما أصبحت مشدودة للإنسان، ولحاجاته البسيطة والصغيرة، لأن الشعر لم يعد متعاليا مفارِقا، فمكانه يتغير من فترة لفترة، وصورة الشاعر ومكانه يتغيران. فلم يعد الشاعر- على حدّ تعبير النص الشعري الذي جاء بعنوان (محضر اجتماع الجمعية العمومية العادية لسنة 2023) – ساكنا للمجرّات أو السماء، بل أصبح مثل الناس واحدا عاديا، يحتاج ما يحتاجون إليه.
أما الظاهرة الأهم في تجليات هذه الشعرية، فتتمثل في الاستناد إلى عناوين لافتة، فيها الكثير من الاحتشاد، لإسدال نوع من التغييب لإخفاء العلاقة المباشرة بين العنوان والمتن، وكأنه يفتح مجالات بعيدة للتأويل، بعيدا عن ارتباط النص بشكل مباشر بموضوع محدد، له حضور لافت لا يخلو من وضوح في سياقاتنا السياسية، فهناك الكثير من الاحتشاد في صناعة العناوين النصية، وكأنها بهذا الاحتشاد تمارس نوعا من التشتيت الذهني، لفكّ الارتباط المباشر. في نصين متتاليين (إعادة كتابة التاريخ1) و(إعادة كتابة التاريخ 2) يشدّنا العنوانان إلى اصطلاحات ما بعد الحداثة، وارتباطها بطبقة أو طبقات من كتابة التاريخ، وإعادة كتابته بشكل مختلف في نسخ عديدة بعيدا عن النسخة المتفق حولها.
لكن هذه المحاولة لإسدال نوع من التغريب في النص الأول تأخذ بعدا أكثر رحابة، حين يوحّد النص – في ظلّ إعادة الكتابة – بين السقّاء ونرسيس صاحب الأسطورة الذي يذوب ويجف لتعاليه على النساء، ولكن تأمل النص مرة أخرى ربما يكشف عن عقد تواز آخر بين السقّاء ونرسيس ونهر النيل الذي يتيه به المصريون، ويشير النص ـ في ظل متغيرات آنية- إلى إمكانية جفافه وذوبانه، فكأننا أمام طبقات ثلاث.
المراجعة والالتحام بالعجائبي
إن منطلق المراجعة لرصد المغايرة حاضر بقوة في نصوص الديوان، يتجلى ذلك في سمات كثيرة تتضافر فيما بينها لتأسيس ذلك التوجه في الكتابة الشعرية، بداية من عناوين بعض القصائد التي تتعرض للشطب والمحو، ولكن أثرها يظل باقيا، يمكن قراءته بسهولة، وكأن الكتابة الشعرية حالة مستمرة من حالات الاشتغال على نصوص سابقة، ويبقى أثرها واضحا. مثل عنوان قصيدة (قصيدة تصلح لهذا العالم)، حيث يُمارس ضده الشطب والمحو، مع وجود تساؤل في السطر الثاني من العنوان (ما هذا العنوان؟)، أو في نص آخر بعنوان (قارئ يعتقد أنه جناح فراشة)، ثم يُمارس الأسلوب ذاته في الشطب في إضافته في ذات العنوان (أو قصيدة تعتقد أنها ظل رجل يختبئ في الحائط).
في نصه الأول (تروتسكية ستالينية خضراء) نجد الإيمان بهذه الرسالة واضحا، من خلال التكرار الدوري لجمل تحمل الشعور بالمسؤولية عن البشر والعالم، مثل (ولد يحمل بلدا على كتفه)، و(فتى يحمل بلدا). وفي مقابل الثورة الدائمة التي يمثلها تروتسكي، يأتي ستالين – قاتله أثناء هروبه بالمكسيك – بوصفه إشارة للحاكم الذي لم يتحمل الثورة والمطالبة بالتغيير، لتحوّله إلى إله. يقول النص في نهايته: (الإله يترك البلد جوار ماسح الأحذية، ويغادر المقهى، غير مهتم بالكتاكيت التي تعبر الشارع). والصورة السابقة لا تنفصل عن نص (على مذبح الأيديولوجية – المجلد الثاني)، لأن صورة الحاكم تتوحد بصورة معكوسة بسليمان النبي، وبحكايته مع النمل، لتشير إلى حاكم خاص محدود المعرفة.
أما النص الثالث الذي جاء بعنوان (يقول لينين: أفضل وسيلة لتدمير النظام هي إفساد رأس المال – المجلد الثالث) فتجعلنا نعيد النظر في النصين السابقين، وتأمل ملامح الثورة ومآلاتها البعيدة والقريبة، فمساحة الانتصار المخفية في حديث ماركس، يقابلها وعي إنجلز بسيادة وعودة النسق القديم واستمراره. ففي لحظة الثورة التي تولّد مساواة وقتية بين الحاكم والمحكوم، هناك وعي فائض بسلطة النسق وعودته في شكل مغاير، يقول النص: (ضحك ماركس في قبره، شدّ إنجلز من لحيته- استيقظ يا خمّ النوم.. ألم أقل لك؟! ـ آه يا ماركس المسكين، أنت لا تفهم شيئا، انتظر أسبوعا واحدا فقط.. وسأروي لك بقية المأساة).
هناك نوع من المغايرة أو المراجعة يتمثل في تأسيس منطلقات شعرية مغايرة للمنطلقات القديمة، وإن كانت تتماس معها في إطارها العام، لكنها تمعن في إحداث نوع من الفرادة عن الشعرية المنجزة سابقا، حتى في صناعة اليومي الخاص بها، فلم يعد اليومي- في نصوصه- واقفا عند حدود رصد الآخر أو جزئيات الكون التي تحتوينا، في إطار يحفظ لكل قسيم وجوده المنفصل، فالراصد والمرصود هنا متداخلان، وفي انفتاح دائم، فكل قسيم يأخذ من الآخر ويعطيه في الآن ذاته، ولم يعد الأمر رصدا للآخر أو للكون المحيط، وإنما أصبح الأمر مشدودا للذات محل الاهتمام بشكل مباشر، وأصبح الآخر وأصبحت الجزئيات المحيطة علامة فارقة ومؤثرة في تجلّي الشعرية وصناعة الذات، وتشكيل حركتها، ومتابعة أشكال تشظيها وتساميها.
وفي صناعته للنماذج البشرية التي نلمح ارتباطا بينها وبين نماذج مؤسسة في شعريات سابقة، مثل شعر عبد الصبور وحجازي، يسدل عليها نوعا من المغايرة والاختلاف، تبدأ من العنوان، وتمتد لتشمل إضافات جديدة للكون الشعري، تتماس مع اللحظة الحضارية المغايرة. فمن يقرأ نصّه (بناية21، الدور الرابع، شقة 406) يشعر أنه- بالرغم من محاولات تفكيك عُرى التناسل والارتباط – مشدود لنصين سابقين، هما (غرفة المرأة الوحيدة) لحجازي، و(المرأة الشمس) لعبد الصبور. لكن النص هنا يسدل بعض السمات التي تؤسس نوعا من الخصوصية المغايرة، تجعله مشدودا إلى لحظة حضارية، ووعي مغاير، وزمن مختلف لكل نموذج من النماذج الثلاثة، مثل وجود كتالوغات آيكيا، وصور إنستغرام، ومسلسلات نتفليكس. والمتأمل يدرك بالرغم من اختلاف الإطارات المشكلة لهذه المرأة الموجودة في كل زمان، أن النهاية واحدة في النصوص الثلاثة، وهي تتمثل في الموت وحيدة، يقول النص: (ظلت وحيدة/ تتنصّت على غرابيين يتبادلان البصاق في شرفتها/ وعلى الأقنعة الأفريقية التي تحدّق/ في جثتها الملقاة بلا اكتراث).

محمد أبو زيد: «فوات الأوان»
ديوان للنشر، القاهرة 2025
167 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية