لندن- “القدس العربي”:
قال مراسل الشؤون الدبلوماسية والأمن القومي في مجلة “فورين بوليسي” روبي غريمر، إن السد الإثيوبي العظيم (سد النهضة) تحول لنقطة توتر في أفريقيا، ولكنه نشر الفُرقة والارتباك داخل الحكومة الأمريكية، حيث عبر عدد من المسؤولين عن وقوف أمريكي في زاوية مصر ضد إثيوبيا.
فقد تحول السد العظيم إلى نقطة توتر جيوسياسية ساخنة بين مصر وإثيوبيا، حيث لمح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أن بلاده قد تلجأ إلى الحل العسكري لوقف المشروع.
عبّر عدد من المسؤولين عن وقوف أمريكي في زاوية مصر ضد إثيوبيا.
وفي مصر يخافون من تهديد السد لمصادرهم المائية التي تعتمد على النيل. إلا أن بعض المسؤولين الأمريكيين يتحدثون عن خلافات داخل الحكومة الأمريكية بشأن السد، وما يجب اتخاذه من مواقف وسياسات منذ طلب السيسي المساعدة من الرئيس ترامب في المفاوضات حول المشروع.
وساعدت المشاركة الأمريكية في أربع جولات من المفاوضات التي قادتها وزارة الخزانة منذ بداية العام إلى التقدم في المحادثات، لكنّ إثيوبيا رفضت التوقيع على الاتفاق النهائي.
واليوم هناك مخاوف من وضع ترامب إبهامه على الميزان وترجيحه لصالح مصر على حساب إثيوبيا، حتى مع ظهور ملامح جديدة على التقدم في المفاوضات.
وقال مسؤول أمريكي مطّلع على الموضوع: “وضعت إدارة ترامب في رأسها أنه يجب دعم الجانب المصري”. وأضاف: “لا أحد في البيت الأبيض ينظر من العدسة الأفريقية وأثرها على إثيوبيا التي تعتبر مهمة أيضا” و”هذا مثل من يطلق النار على قدميه” قال المسؤول.
وقال متحدث باسم وزارة الخزانة الأمريكية، إن الإدارة تعمل كمفاوض محايد “والهدف الرئيسي للحكومة الأمريكية ولا يزال هو مساعدة مصر وإثيوبيا والسودان في التوصل إلى اتفاق عادل بشأن عمليات ملء (السد) التي تستجيب لمصالح الدول الثلاث”.
وقالت حكومة إثيوبيا يوم الثلاثاء، إن الدول الثلاثة توصلت لتقدم “كبير” في حل الخلاف الذي رعاه الاتحاد الأفريقي واتفقت الدول على عقد مزيد من المحادثات حتى يتم التوصل لحل شامل لموضوعات المياه المتعلقة بالسد.
هناك مخاوف من وضع ترامب إبهامه على الميزان وترجيحه لصالح مصر على حساب إثيوبيا، حتى مع ظهور ملامح جديدة على التقدم في المفاوضات.
وأرسل الإعلان عن رسالة إيجابية للمسؤولين الأمريكيين والمراقبين الذين يخشون من استمرار إثيوبيا في ملء الخزان حول السد بدون اتفاق مع مصر، مما قد يقود التوتر الإقليمي إلى مواجهة عسكرية. وتحدثت المجلة إلى مسؤوليْن في الإدارة الأمريكية، وشككا في حديث المفاوضين أنهم وضعوا أرضية للحل النهائي.
وقال مسؤول: “ساعدت إدارة ترامب في مشاركتها بالمحادثات خلال الأشهر التسعة الماضية على إحراز تقدم أكثر مما تم تحقيقه خلال السنوات التسع الماضية” و”العمل المهم الذي قامت به إثيوبيا ومصر والسودان خلال الفترة الماضية يظهر أن هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق عادل ونزيه لو كرست نفسها له”.
وأعلنت الدول الثلاث فيما أسمته “تفاهما مشتركا كبيرا” واتفقت على مواصلة التفاوض حول القضايا الفنية المتعلقة بوتيرة ملء الخزان وتخفيف آثار الجفاف والمضي حتى توقيع اتفاق نهائي.
وقال مسؤولون إن إدارة ترامب يمكنها المضي وقطع المساعدات عن إثيوبيا إن لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي. وكان بناء سد على نهر النيل الأزرق حلم كل إثيوبي منذ أيام الإمبراطور هيلاسيلاسي في الستينات من القرن الماضي، لكن فكرة السد العظيم لم تبدأ إلا عام 2011.
وبالنسبة للمواطنين الإثيوبيين الذين مولوا بناء السد (4 مليارات دولار) فالسد لا يهدف لتوفير الطاقة الكهربائية للقارة الأفريقية بل هو شعار عن العزة القومية وصورة عن طموحات بلادهم بالتسيّد.
ومع أن وزارة الخارجية هي المخولة تقليديا بمتابعة القضايا الدبلوماسية، إلا أن ترامب قرر التدخل ومنح وزارة الخزانة مسؤولية الإشراف على المفاوضات بقيادة وزير الخزانة ستيفن منوشين، وذلك بعد مكالمة هاتفية مع الرئيس السيسي.
وقال مسؤولون إن القرار أدى إلى تشوش وانقسام بين وزارة الخارجية والخزانة، وإرباك للسفارات الأمريكية في أفريقيا حول كيفية إدارة واشنطن للمفاوضات.
ورفض آخرون هذا الكلام، مؤكدين أن الوزارتين تعملان معا. وقال المتحدث باسم الخزانة: “يعمل الوزير منوشين والوزير بومبيو بتنسيق جيد خلال العملية وكذا فريقا الخارجية والخزانة”.
وقال المسؤولون إن وزارة الخارجية كانت حاضرة في كل اجتماع منذ بداية المشاركة الأمريكية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 وحتى شباط/ فبراير من العام الحالي.
وأكدت إثيوبيا أنها ستواصل المشروع، وبدأت بملء الخزان حول السد مستفيدة من موسم الأمطار. ويخشى المصريون أن تؤدي عملية ملء الخزان التي تحتاج لسنوات إلى حرمانهم من المصادر المائية. وأكدت إثيوبيا أن عمليات ملء الخزان لن تؤثر على حصة مصر، وأنها حصلت على أكبر منها على مدى العقود الماضية.
وطلبت وزارة الخزانة الأمريكية هذا الشهر تقديم قائمة بكل المساعدات الأمريكية إلى إثيوبيا، وهو تحرك قالت الدول الثلاث إنه يهدف لوقف الدعم غير الإنساني كورقة ضغط إا توقفت المفاوضات.
لكنّ أي قرار لتغيير أو وقف المساعدات سيكون بيد الكونغرس. ولا يعرف أي دعم سيتم تعليقه لو قررت الإدارة قطع المساعدات حسبما قال عدد من المسؤولين.
وإحدى النقاط التي تتم مناقشتها، هي مشاريع من التعاون الأمريكي الدولي المالي والإنمائي الذي قد يوقف 5 مليارات دولارات في مجال الاستثمارات. ففي السنة المالية لعام 2019، وفّرت الولايات المتحدة 824 مليون دولار كمساعدات إلى إثيوبيا، كان منها 497.3 مليون دولار على شكل مساعدات إنسانية.
وأكد المسؤولون أنه لن يتم حظر أي دعم مخصص للشؤون الإنسانية. وقال مسؤولون في وزارة الخارجية ووكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية، إنهم يعارضون وقف أي مساعدات لإثيوبيا خشية أن يضر القرار بالعلاقات المترنحة حاليا مع إثيوبيا التي تعيش فترة انتقالية قلقة.
وأدى مقتل مغنٍ مشهور الشهر الماضي إلى انتشار العنف في معظم البلاد. وقال مسؤول إن وزارة الخارجية “تتباطأ” في الرد على طلب وزارة الخزانة.
وقدم مسؤولون أمريكيون تقارير متضاربة حول قطع وزارة الخزانة، وزارةَ الخارجية عن المفاوضات، وكذا لا يشارك الدبلوماسيين الكبار الذين يعملون في السودان ومصر وإثيوبيا في المفاوضات.
لكنّ مسؤولا قال إن هذا الكلام غير صحيح، وأكد على وجود تنسيق بين فرق التفاوض والسفارات الأمريكية.
وحاولت مصر في الأشهر الأخيرة ممارسة الضغط على إثيوبيا لوقف عمليات ملء الخزان، سواء عبر إدارة ترامب أو مجلس الأمن الدولي. وظلت الخلافات المصرية- الإثيوبية تدور حول سرعة ملء السد، فمصر تريد ملأه على مدى سنوات طويلة، لكن إثيوبيا تريده إكمال المهمة في ثلاثة أعوام حتى تتمكن من توليد الطاقة الكهربائية.
ويختلف البلدان حول ما يمكن أن تقوم به إثيوبيا لوقف خطط ملء الخزان في مواسم شح الأمطار.