بات من «كلاسيكيات» إحياء ذكرى مجزرة مخيم تل الزعتر استعادة مقطع من مقابلة تلفزيونية مع الفنان زياد الرحباني يروي فيه تفاصيل اجتماعات قادة من حزب الكتائب المسيحي اللبناني (ميشال سماحة، كريم بقرادوني) مع قادة أمنيين وعسكريين سوريين بارزين (ناجي جميل، علي دوبا، علي المدني).
قال زياد إنهم كانوا يجتعمون في بيت العائلة (الرحبانية) في حي الرابية البيروتي، حيث للبيت شرفته على المخيم المشتعل آنذاك، وحيث كل الأحزاب، رغم اختلافاتها، كانوا يحاولون الهجوم على المخيم، والتنافس على من يضع عَلماً فيه: حزب الأحرار، المردة، قوى الأمن الداخلي، حراس الأرز، .. مع قيادة سورية في دير مطلّ على المخيم.
يروي زياد تلك الوقائع المؤلمة، في سياق جوابه عن سؤال من محاوره غسان بن جدو على قناة «الميادين»: «كيف ومتى قررت الانتقال إلى بيروت الغربية؟»، والمقصود كيف اختار زياد الانضمام إلى ما سُمّي حينذاك بـ «الحركة الوطنية اللبنانية»، وهو المسيحي، ابن بيروت الشرقية.
الرحباني يعتبر أن تلك الاجتماعات (التي بلغت ذروتها بالرقص على الطاولات في أثناء القتل الجاري في المخيم، على أنغام موسيقى شرقية مصرية)، وهو يؤكد أنها مسجلة لديه بالصوت، هي السبب الذي دفعه للانتقال إلى المحور الآخر في بيروت الغربية. لقد فكّر حينذاك بـعمل شيء أكثر مما يفعل «حزب الله»، على ما يقول مازحاً، بعمل من قبيل ما يفعله «الجيش الأحمر الياباني»: «لكنني لا أمتلك الوسائل (يبدو أنه فكّر بعمل انتحاري ضد المجتمعين)، فقررتُ الالتحاق بالحرب الأهلية اللبنانية»، يجيب زياد الرحباني.
يا لطيف كم ينطوي الفيديو الحواري على مفارقات وتفاصيل للتأمل:
ليس مفاجئاً في حكاية زياد معرفة ذلك التحالف الرهيب بين النظام السوري وقوى لبنانية مختلفة، فذلك بات من بديهيات تاريخ الحرب في لبنان، لكن من المؤلم حقاً ذلك التضامن ورغبة الانتصار على دم الفلسطيني، حصاره وتجويعه وقتله وصولاً إلى محو المخيم كلياً من الخريطة.
كذلك فإن الفيديو يكشف عن زياد الذي كنا نحبّ، إحساسه الرائع بالعدل، ما دفعه، وهو الموسيقيّ الملتصق بآلة البيانو لأربع عشرة ساعة في اليوم آنذاك، للانقلاب حتى على والده، الذي كان بين المجتمعين، أفلا يتأمل زياد إلى أي مصير انقلب أخيراً؟ هل يلاحظ، من «شرفته» في بيروت الغربية أي أعلام توزعها جماعته الجديدة، بشقّيها السوري واللبناني، هنا وهناك، أي رقص فوق الطاولات؟ هل لاحظ المخيمات الفلسطينية التي أبيدت وشرّد أهلها في أرجاء الأرض؟!
ثم هل نستغرب بعد حكاية زياد «نظرية» حازم صاغية بخصوص «تطويع مخيلة السوريين»؟ تلك التي تتحدث عن أسماء ورموز ثقافية وأغان استعملها النظام السوري في إكراه مخيلة السوريين، حتى لو أن ذلك كله جرى من دون علم السيدة فيروز!
السخرية من الضحايا
تحت عنوان «أميرلاي يلخص سوريا.. البعث والطوفان» تناول عمل وثائقي بثّته «الجزيرة» أخيراً ضمن برنامج «خارج النص» جزءاً من تجربة المخرج السينمائي السوري الراحل عمر أميرالاي في فيلمه «طوفان في بلاد البعث» (2003).
في هذا العمل، ومدّته لا تتجاوز الثلاثين دقيقة، يقدم أميرلاي اعتذاراً عن فيلمه الأول «عام 1970 كنت من مؤيدي تحديث بلدي سوريا بأي ثمن، ولو كان الثمن تكريس فيلمي الأول للإشادة بأحد منجزات «حزب البعث» الحاكم: بناء سدّ الفرات».
ويتابع المخرج الراحل (1944-2011): «اليوم ألوم نفسي على ما فعلت، فانهيار أحد السدود التي شيّدها «البعث» مؤخراً، وتشقق سدّين آخرين، أحدهما سدّ الفرات، واحتمال تعرّض باقي السدود للمصير ذاته حسب تقرير رسميّ، كل ذلك يجعلني أعود لتفقّد المكان الذي قادني إليه في يوم من الأيام حماسي الشاب».
إذاً فإن الرغبة في الاعتذار، بما يتضمنه ذلك من انقلاب في نظرة أميرالاي لنظام «البعث» الحاكم، هي ما أخذه لفيلمه الجديد بعد مضي أكثر من ثلاثين عاماً على فيلمه الأول الذي حمل عنوان «محاولة عن سدّ الفرات».
إنه اعتذار ينسجم مع نبل وجرأة أميرالاي، لكن ربما لو أتيح لعمر أن يعيش أكثر لقدّم نسخة اعتذارية جديدة عن فيلمه «طوفان في بلاد البعث»! إذ يصعب أن تشاهد شخصيات هذا الفيلم من دون أن تشفق عليها، حتى لو كانت جزءاً من أدوات النظام السوري، فلربما خدع فيلم «الطوفان» شخصياته، التي استخدمها على نحو لا يمكن أن ترضى به لو أن لديها وعي المشاهدة الكافي.
لا نتحدث هنا عن موافقات التصوير التي حصل عليها الفنان بالتحايل على النظام الرقابي الصارم في سوريا المحكومة بالرعب، فبديهي أن يخترع الناس طرقهم في مواجهة قوانين الرقابة والمنع، لكن إلى أي مدى يحق لمخرج أن يستخدم شخصياته، أن يجعلها تقوم بتمثيل أوضاع تسخر منهم، أو أن يصورهم بكاميرا تسخر منهم سلفاً بوضعيتها. انظروا كيف تقترب الكاميرا من وجوههم لتصورهم بشكل مشوّه.
نعم، إنه فيلم يفضح النظام الشمولي وأدواته وصوره، لكن لا بد من الاعتراف بأنه يسيء بالقدر نفسه إلى كرامة شخصياته، وهؤلاء، بالمناسبة، ليسوا سوى ضحايا النظام، لو انتظر أميرالاي شهراً واحداً (توفي قبل أسابيع قليلة من اندلاع التظاهرات في سوريا) لرأى سوريين كثراً يشبهون شخضيات الفيلم، يثورون على النظام، يعتقلون، ويقتلون على يديه.
إعلان يسيء إلى اللاجئين
ملصق إعلاني يدعو الناس، على طريقة «الغروبات» السياحية، إلى تجربة حياة اللجوء، يستخدم عبارات تقول: «هل تود تجربة حياة اللجوء؟»، «كن مع اللاجئين ومجموعة من الشباب العرب المؤثرين»، «رحلة إنسانية مع اللاجئين السوريين في تركيا»، ثم، ومن أجل مزيد من الجذب، يضع الملصق بعض أسماء وصور المشاركين مع تعريف عنهم، السورية نور حداد، مقدمة برامج محتوى ناقد وساخر. المغربية إحسان بن علوش، يوتيوبر. الفلسطينية آلاء حمدان، مخرجة وصانعة أفلام. عادل لامي، لاعب سابق في منتخب قطري. وفي آخر الملصق يشير الإعلان إلى السعر المشارك، التي يزعم أنها ستخصص لمساعدة اللاجئين.
في الواقع لا يمكن استيعاب أن كل ذلك هو مجرد خطأ في التصميم، إنه نابع من دون شك من استخفاف باللاجئين وعدم تقدير مأساتهم. لو أراد النظام، صانع مأساة اللاجئين، أن يسيء إليهم لما فعل أسوأ من هذا الإعلان.
غريب كيف تأتي الإساءات للاجئين من معارضين محسوبين عليهم في الأساس.
هذا ختام الحكاية السورية على ما يبدو، حيث ينقسم العالم الآن إلى اثنين: واحد يرمي البراميل المتفجرة فوق رؤوسهم، والآخر يمدّ لهم لسان السخرية عبر ملصق إعلانيّ!
كاتب فلسطيني
راشد عيسى