بعد غياب طويل أطلّت فيروز على جمهور المستمعين بأغنية جديدة بعنوان «لمين»، كإعلان لألبوم جديد بعنوان «ببالي».
كأيّ أغنية فيزوزية جديدة، أثارت «لمين» جدلاً واسعاً بين من شعروا بالخيبة بعد طول انتظار، وبين من رأى فيها فرصة للانقضاض على فيروز والرحابنة من ورائها، لأسباب فنية أو سياسية، أو متهجمين على ريما الرحباني، ابنة فيروز، بسبب احتكارها و«فلترتها» لكل ظهور لفيروز في السنوات الأخيرة، وبين منادين بحب فيروز أياً كانت الأغنية.
الهجوم الأبرز جاء من صحيفة ممانعة، استهجنت أن تكون الأغنية بلا معنى، هي التي تقول «لمين الأرض بتدور/ إلك أو إلي/ أو مش لشي/ مش لشي/ ولا أي شي». كلمات تدفع ناقد الأغنية إلى الاستنتاج أن المغنية اللبنانية تريد أن تقول «لستُ في حاجة إلى حبيب ولا إلى الجار إياه، ولا إلى الأهل، ولا الله ولا الوطن ولا العائلة، ولا لأي شي».
الأخطر أن التأويل يضع الكلمات الفيروزية بجوار نص إلحاديّ قديم، قبل أن يختم بكلام متوقع بخصوص الحرية والمقاومة.
يريد بعض نقاد فيروز إذاً وضع قواعد وشروط لأغنيتها، لا تكتفي «دولة حزب الله» بالإمساك بملف الرقابة في «بلد الحريات»، بل لا بد لكل منجز إبداعي أن يلتزم بثوابت محددة مسبقاً على طريقة قواعد «الواقعية الاشتراكية».
«العبث»، أو «اللا معقول» ممنوع في هذه البلاد، مع أن الأعمال الأدبية والفنية التي أنتجت في إطار «العبث»، الذي جاء إثر الحرب العالمية الثانية ورداً عليها، لا ترمي بالضرورة إلى الدعوة إلى العبث وإنتاج اللا معنى، إنها شكل آخر من القول ليس إلا، شكل آخر من المعنى.
لولا الخجل من أنه نمي عن فيروز سابقاً حبها لحسن نصرالله، كما جاء على لسان نجلها زياد الرحباني، أحد أبرز أنصار المقاومة، ولولا هذا الأخير، لربما جاء النقد الممانع على نحو أوضح، ولربما قيل صراحة إن الأغنية تدعو إلى الإلحاد، وترفض الحرية والمقاومة، وما إلى هنالك، وتالياً لا بدّ من المقصلة!
فيروز الأسطورة
على هامش الجدل المشتعل حول أغنية فيروز الأخيرة جرى بثّ فيديوهات للمغنية هنا وهناك، من بينها فيديو لها في الاستديو أثناء أداء الأغنية، إلى فيديوهات قديمة مختلفة. تلفت تلك الصور إلى رغبة بتقديس المغنية.
من يشرف على التقاط الصور، أو السماح ببثّ القليل منها، يبدو أنه يتقصّد هذا الأمر.
هناك غموض يحيط بالصورة التي لا يظهر منها سوى نصف الوجه، نصف الجسد، الشعر المخبأ تحت منديل، إضفاء الحركة البطيئة على الفيديو إذا كانت المغنية تمشي في شارع مدينة ما، كل ذلك، بالإضافة إلى شحّ المقابلات المتلفزة، وكذلك غياب الكليب المصور لأغنياتها، يشي برغبة في تحويل المغنية إلى أسطورة. فهل هذا الغموض كفيل بذلك؟ لماذا ترى مغنين في الغرب، وهم في مكانة رفيعة، بل هم أساطير في عالم الغناء والموسيقى، مثل إديت بياف، أو جاك بريل، لا يؤثر على مكانتهم حضور كثيف في كل مكان، بين الجمهور، في الحفلات والساحات والشوارع.
أما كان أجدى تقديم أغنية «أسطورية» بدلاً من هذه التي انتظرها الجمهور طويلاً، ثم لاحظوا (وقد أشار صنّاع الأغنية إلى الأصل) أنها تعود إلى لحن وكلمات للمغني الفرنسي جيلبير بيكو وردت في ألبوم نشر العام 1975، هل هذا ما ينتظره الناس من أسطورتهم، أغنية منسوخة لحناً وكلمات!
لن تخسر الفيروزة إن ذهبت أكثر إلى الناس، جسداً وأغنية وصورة، ذلك وحده ما يمكن أن يجعل منها أسطورة بحق.
الحريري في مشهد رومانسي
يصعب أن يعثر المرء على مشهد رومانسي أسوأ من ذاك الذي صمّمه رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري حين لعب دور «الخطّابة» بين عاشقين.
حدث ذلك أثناء حفل إفطار رمضاني مصوّر، فبعد أن فرغ الحريري من إلقاء كلمة عن دور «تيار المستقبل» وأحواله، طلب من «آنسة» الصعود إلى المنصة، ثم طلب من أحد أعضاء تيار المستقبل الأمر نفسه، ليلقي الأخير قصيدة تتغزل بالـ« آنسة»، معرجاً بقليل من المديح لسعد الحريري، ثم ليطلب في الخاتمة يد البنت، توافق هذه بدورها، فيجثو الشاب أمامها مقدماً خاتماً وباقة ورد.
يكفي أن القصيدة بائسة إلى هذا الحدّ ليفقد المشهد الكثير من رومانسيته، يضاف إليها القراءة الرديئة للعاشق، وفوق كل شيء تدخّلُ «الزعيم» في أمر من الواضح أنه محسوم من قبل بين العاشقين، فلا مفاجأة، ولا دهشة، لا مصاعب، ولا خوف.
حلاوة مشاهد العشاق تكمن في عفويتها، إذا كانت محضّرة إلى هذا الحدّ غالباً ما «تشيط»، فما بالك مع دخول زعيم «تيار المستقبل»! إذا دخل الزعماء مشهداً رومانسياً أفسدوه.
من كاراكاس مع أطيب التمنيات
فيديو من فنزويلا عنوانه «شرطي يقتل متظاهراً من مسافة قريبة، في الصورة متظاهرون يرمون رجال ما يسمى بالحرس الوطني المدججين بالسلاح من وراء سياج، يتقدم شرطي مسلح ليطلق النار من بعد خطوات، المتظاهرون يحملون اثنين من رفاقهم، ومن ثم الإعلان عن أن فالنييلا توفي في المشفى إثر الإصابة.
فالنييلا هو الضحية الخامس والسبعين في الاضطرابات التي شهدتها كاراكاس وعموم فنزويلا.
وعناصر الفيديو هي نفسها تقريباً التي شهدناها في كل مكان في سوريا.
التوحش، وإصرار الناس على مواجهة الموت بالصدور، تاريخ التظاهرة في زاوية الفيديو يتحدى كذب وإنكار النظام،.. إنه الإجرام نفسه وقد تلقى الدرس في غرف المخابرات ذاتها.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
فيروز في دائرة الاتهام بالعبث والإلحاد… وسعد الحريري في دور خطّابة: مشهد غير رومانسي
راشد عيسى