فيض الألوان وسحرها في رؤى التشكيلية بهيجة الحكيم

حجم الخط
0

لعل ما يثير الذائقة الفنية أثناء فحص لوحات التشكيلية الراحلة بهيجة الحكيم؛ هو الذاكرة ومنحى استعمالها في العمل الفني، فهي تمتلك خزيناً معرفياً تعمل على توظيفه في العمل الفني. بمعنى يكون هذا الكم من التجارب التي تضمها الذاكرة معيناً بسبب الضاغط المعرفي. فقد ظهرت واضحة طبيعة المعرفة المكتسبة من البيئات التي عاشت في أحضانها، حيث وظفتها باتجاه دلالات واسعة، ضمن حراك فني يُضفي حركة جدلية تحاور الواقع عبر هندسة فنية، هي بمثابة سردية بصرية.
والمحتوى هذا قد لا يتوفر للغير بخصائصه الذاتية، لكنه بطبيعة الحال يشكل جزءا من سمات الفنان، كما هم الرواد ومنهم/ جواد سليم في البغداديات، وشاكر حسن آل سعيد في العرفانية وموقع الحرف وبلاغته الكامنة في رشاقته وجماليتها. كذلك الدروبي في كشف سحر الطبيعة والأمكنة المعلنة والمرئي وأجود العزاوي في تكييف الحرف لرؤى فلسفية، بما يخلق معادلاً موضوعياً بين الفن والواقع.. فقبل كل هذا يمتلك الإنسان ذاكرة محتشدة بالمفردات، لكن الفنان يميل إلى الكيفية التي يتعامل من خلالها بتلك المفردات. ففحص أي لوحة لفنان، مهما كان انتماؤه الجيلي أو المنهجي، يخضع لمداولة الذاكرة. فمنذ عوالم منعم فرات وسواه من الفنانين الفطريين، تستوقفنا الذاكرة المرحلة عبر القرون والحقب.

ولا يُعفى أي عمل فني من تأثير هذا المؤثر، فقط الاختلاف في البنية المؤسسة وفق الرؤى الذاتية في النظر إلى الوجود وجدلية حراكه الموضوعي. من هنا يتوجب النظر إلى تشكيلات الفنانة الحكيم، كونها تحتفظ بمفردات أثّرت في وجودها الفني، كذلك التوقف على الكيفية التي تعمل بموجبها لتخريج وتوظيف مثل هذه المفردات، بما يؤهل العمل لأن يكون في مستوى الرؤى المضافة لعالم الفنانة دون غيرها. ولنا في هذا مقاربة من خلال نتاج الفنانة وداد الأُورفلي، التي تعمل في مستوى اشتغال الحكيم، لكن الفحص الدقيق لأعمال الأورفلي مقارنة بما قدمته بهيجة تكون محصلتنا؛ في كون منطلق الاثنتين واحد هو الذاكرة الحية والزاخرة بالمعاني والرموز. نستطيع أن ننعتها بالذاكرة المخصبة، لكن ما يشخص الفروق هو الكيفية التي تعملان خلالها في توظيف هذه المفردات.. نرى أن الحكيم تنطلق من التنوع في الرؤى والكيفية التي يتم فيها التوظيف لخلق لغة بصرية قادرة على توصيل معان متعددة.
إن اتصال ومناظرة الأشكال في اللوحة الواحدة، تؤسس للغات بصرية مختلفة، وبذلك تتحقق معان جديدة وزاخرة، بما يوازي تلك الرموز والعلامات ـ كما سنرى ـ حقيقة فعلها الفني والموضوعي، إنها علامات مستلة من الذاكرة الشعبية، حيث اكتسبت تأريخها ودلالاتها، لاسيّما كونها ترتبط بالمقدس أولاً، ومن ثم بالعرفانية الشعبية. وهذا أيضاً من الصعب الإمساك به فنياً، إذا ما توفر العقل الممتلك بنية جدلية قادرة على توظيف الأشياء والمرئيات وربطها بالمكونات العامة من الآصرة الاجتماعية، خاصة الشعبية منها. هنا لا بد من التأكيد على أن الكيفية التي عملت عليها الفنانة تنتمي فنياً وموضوعياً لعالمها التشكيلي، الذي يسعى كل فنان أصيل إلى نهجه وتأسيس مبناه وقوامه الملازم للتجربة الذاتية. بمعنى أسست نمطها الخاص وهويتها الفنية، المؤشرة لخصائص راسخة نحاول قراءتها بدقة.

تآلف الألوان

ليس من السهل خلق تآلف بين الألوان، دون أن تكون ثمة قدرة على وعي اللون أساساً، ودلالته من جهة. وإمكانية خلق وشائج دلالية بينها من جهة أُخرى، لأن الألوان ارتبطت بالمقدس منذ الأزل، وامتدت عبر الأزمنة، فرداء الإله الشاب (تموز/دموزي) كان أحمر، ورداء الإله (مردوخ) أيضاً. وهكذا ارتبط اللون الأحمر مثلاً بوجود الإله وقدسيته، وهو دال على الخصب والنماء.. لذا نجد في لوحات الفنانة ثمة طاقة لفهم اللون ومقاربته مع قرائنه، ليس من باب التزيين، بقدر ما تمليه على السطح مرونة التآلف لخلق الدلالة والتحاور. فاللون الواحد لا يكتفي بذاته، بل يحاور الآخر. من هنا نجد في اللوحات لغة صاعدة بمفرداتها الألوان التي تخلق علامات ذاهبة إلى المتن الأُسطوري.
إن الفنان في الحقب القديمة كان يهتم بطبيعة الرمز، كما أسفرت عنه مدونات اللقى الطينية، أي أن أساس التعبير عند الفنان تتم من خلال الاكتفاء بالحركة التي تقود لخلق الرموز، كما هي فعالية تقديم القرابين والتقدمات إلى الآلهة، أو مدونات ملحمة جلجامش، التي كشفت عن سرديات بعيدة المدى، أي أن تجسيد الحركة من خلّد المجسمات تلك، لأنها تنم عن أفعال تجري في حضرة الإله.

تكشف لوحات الفنانة عن توظيف للعلامات ذات الخاصية الشعبية، ومنها الكف وتوسط العين المحدقة بطاقة طاردة للحسد. وهي علامة يوظفها الإنسان كما هو معروف ومألوف، على عتبة أبواب البيوت، وفي السيارات والحوانيت.

والفنانة هنا تحاول خلق رموزها الخاصة وتخلق منها أبجدية مرئية تنتمي لهويتها الفنية في عكس الظواهر. فالكرنفال الذي تخلقه الألوان لم يكن ليضعنا ضمن دائرة الزخرفة، بل يفتح باب تأسيس نمط من العلامات التي تتآزر مع بعضها لخلق صوّر الظواهر الاجتماعية والكونية. فاللون مفردة ذات طاقة فلسفية جمالية، قادرة على إنماء صوّر تتقارب مع بعضها لخلق معاني يُشارك في تفسيرها وعكسها المتلقي البصري، والذي يقود إلى استنتاج كهذا؛ أنها تُفعل الألوان الباردة أو المحايدة، والابتعاد عن الألوان الحاّرة التي قد تُسفر عن دموية المشهد. وإن وردت فإنها تنظم وفق دلالة الخصب.

علامات دالة

تكشف لوحات الفنانة عن توظيف للعلامات ذات الخاصية الشعبية، ومنها الكف وتوسط العين المحدقة بطاقة طاردة للحسد. وهي علامة يوظفها الإنسان كما هو معروف ومألوف، على عتبة أبواب البيوت، وفي السيارات والحوانيت. وهي العلامة الأكثر تأثيراً في المجتمع. والفن من يقتنص مثل هذه الرموز لكشف نوع العلاقات من جهة، وإشباع المعتقد الفردي والجمعي من جهة أُخرى. ومثلها الأهلة وشكل الأقمار وارتباطها بالسماء، وقوة تأثيرها نفسياً على من يعتقد بعمقها الميثيولوجي. وهي رموز شاعت في المشهد القديم، واعتبرت جزءاً من التشكيلة الدينية، كذلك باعتبارها ممثل للآلهة، كالإله (سين) إله القمر و(شمش) إله الشمس. لقد ارتبطت هذه الرموز بالوقائع اليومية، واتصلت أساساً بوظائف الآلهة. وتكرارها في الواقع يُعد جزءاً من رموز الاعتقاد، وفق مفهوم الرمز كاتقاء للشر المحدق والعبرة من اتقاء الغامض، فهي تعويذة شعبية ترتبط مباشرة بالعلامات القديمة. كما أنها تُسفر عن التركيبة النفسية للإنسان، ومستوى قلقه، خاصة في الأزمنة الاستثنائية. لذا فالفنانة تأخذ هذا بنظر الاعتبار الفني لتضعه كأسلوب تعبير يتآزر مع العلامات الأُخرى. نستطيع أن نضع سمة لتصورات الفنان، كونها تتحلى بذهن شعبي خالص، يدرك أدق أحاسيس العقل الشعبي واستعمالاته اليومية.

المقدس والثراء الروحي

الفنانة ترعرعت في مدينة مقدسة، لها أعرافها وطقوسها على مرّ الأيام من السنة، وبذلك توفرت لها مادة محتشدة بالعلامات كالقباب والمنائر. فقد غلب على هيئاتها الجانب الروحي الذي عكس الذات الميثيولوجية، فوضع هذه الرموز في مواقع مؤثرة في اللوحة، ذهب بها إلى العطاء الروحي الذي يخلق السكينة. ومثل هذا التأثير ممتد في الزمان بَعُدَ أو اقترب، فهو جزء من الوجدان الروحي للإنسان. والفنانة في وضعه كرمز، إنما تحاكي عبره تأثيرات الطقوس التي كانت تُقام في المعابد، ثم في شوارع مدينتها المقدسة، امتداداً وتخللاً للأزمنة، واستقرارها كطقوس واجبة لها تأثيرها في الوجود الإنساني. كما أن وجودها المتحرك والمتحول، دال على سرديات هذه الرموز وموقعها عبر الأزمنة. فحمولات ذاكرة الفنانة، إنما أدركت الأكثر تركيزاً وتأثيراً في البنية النفسية للإنسان.
ومن ثراء هذه الرموز وجود الطير كدال على الانطلاق والحرية واختيار الفضاء بانفتاحه، والاقتراب من الرموز الروحية والعليات. تضع الذات في المستقر الأمين. فالطير رمز مرت به الأزمنة قديمها وحديثها واتخذته دالة لمعان كثيرة، حتى استقر كدالة على وجود الأُلفة بين الطير والمقدس. فالطير يمتلك فيضاً روحانياً واسعاً. ففي اللوحة نجد هذا الرمز يتحرك بحرية داخل فضاء مفتوح، ويحوم بين الرموز الأُخرى وحصراً بين القباب والمنائر، ويتخذ له مكاناً آمناً بينها. إن الرموز في لوحات الفنانة قادرة على خلق علاقات جامعة تُحيل إلى سردية بصرية كسرديات كتاب الليالي، المؤطرة بالسحر والدهشة. إذ نرى أن أحلام الذات المتمثلة في الذاكرة لا تبتعد عن ليالي (شهرزاد) التي تكيف محتواها بغلبة السحرية السردية، ودهشة الأحداث التي أثنت عزيمة (شهريار)الذكورية. إن المتعلقات المعرفية صيغت بريشة الفنانة إلى حكايات أُخرى مناسبة لما يرويه الزمن الحالي، فاختيار هذه الحلة اللونية وكثافة الرموز، أحال عالم اللوحة إلى متن حكائي متعدد المعاني.

فالشجرة هنا جامعة لرموز اللوحة، ومستنطقة لسانها في تعبير فيه دهشة متبلورة من تشكيلات الجميع الذاتية. فالخصائص الذاتية في هذا الحال تجتمع في تبئير واحد، هو كلية اللوحة وبلاغتها في التعبير.

الشجرة ودلالتها

الشجرة منذ القِدَم، متمثلة بشجرة الجنة (شجرة حواء) وما أحال إليه الرمز من تناول التفاحة، بعدها جرى السياق الذي حملته الأُسطورة الأولى في الخلق. أما شجرة الفنانة المتكررة، فتنطوي على سعادة تجتمع لخلقها كل مكونات لوحة الحكيم، فهي سعادة الرموز والأشكال في كل دلالاتها بما تمتلك من حرية الانسياب في الفيض السماوي المقدس. فالشجرة هنا جامعة لرموز اللوحة، ومستنطقة لسانها في تعبير فيه دهشة متبلورة من تشكيلات الجميع الذاتية. فالخصائص الذاتية في هذا الحال تجتمع في تبئير واحد، هو كلية اللوحة وبلاغتها في التعبير. إن جُهد الحكيم منصّب في فعالية اشتغال المخيال الفني وتوسيع دائرته الدلالية، عبر ـ كما ذكرنا ـ كل المكونات الفنية كالرموز والشواهد. كما أنها تضع الأسود وفق وظيفة تأطير الأشكال بما يتيح مجال تجسيدها الواضع، فهي بمثابة جدار اللوحة القادر على لَمّ أجزاء اللوحة المالكة لخصائصها والمحاورة لأقرانها. وهذا يوصلنا إلى سمة التحاور الدائم بين المكونات. فقد اجتمعت فيها عناصر كثيرة لتجسيد صورة الواقع وفعالياتها الظاهرة والمضمرة، مع اهتمامها بالجدار خاصة جدران البيت، الدالة على تحلي الفنانة بنسق جمالي شديد التركيز. إن التركيز على أهمية الأشكال الدالة على الموروث، سمة واضحة في اللوحات، خاصة توظيف القوس المشتق من القباب والذي شكل سمة جمالية تميز العمارة الإسلامية. فالقوس له قدسيته ومكانته الميثولوجية، لذا فمعظم الفنانين وظفوه للتعبير عن بنى فكرية وجمالية، كما هو امتداد الحرف في اللوحة. ولعل جواد سليم وظفه في خلق نماذجه الشعبية وعمارة لوحته ذات السمات البغدادية. فلوحة الفنانة وكما هو واضح في تشكلها من طبقات متجاورة ومتحاورة، تمتلك خصائصها الذاتية وتعمل على محاورة الأشكال، خاصة في عمارة المساجد والأضرحة المقدسة. فالبنية الزخرفية الطاغية على سطوح اللوحات، هي لغة صائنة تعبّر بمكوناتها عن ظواهر اجتماعية، وطقوس حفظتها الذاكرة الفنية.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية