“فيفا لالجيري”: إذا الشعب يوما أراد الحياة

الجزائر اليوم عروس في حلة بيضاء تختال ضاحكة، فهي بهجة الشباب والصبايا والأباء والأمهات، فهل هناك ما يُسعد أكثر من الفرح والعرس على الطريقة الجزائرية. تحقق الحلم ومعه الرؤيا، وأثبتت إرادة الحياة أنها أيقونة لا تموت أبدا.
ليت جارنا التونسي الراحل المُقيم أبو القاسم الشابي حاضرا ليشهد بنفسه تجسيد رائعته:
إذا الشّعبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ/ فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي/  وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر
وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ/  تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر
فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ/ مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر
وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ/ لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر
إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ/ فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَرْ
انتصر الشعب الجزائري في أول معاركه وأكبرها، لأنه الطرف الوحيد، الذي لا يمكن مساومته، فهو لم يثر من أجل منصب ولا كرسي، بل من أجل حريته وكرامته. فتحية له ولصباحاته ومساءاته ولعرسه الكبير.

نشيد يختصر طموح شعب

تتناقل وسائل الإعلام ووسائط التواصل حول العالم الآن أنشودة الجزائريين «وان تو ثري فيفا لالجير»، التي لطالما ترافقت مع تظاهراتهم، وحراكهم السلمي، والتي غدت نشيدا قوميا، ونغمة عالمية يتردد صداها عبر الأثير في العواصم لتعبر عن وحدة هذه البلاد والاعجاب بها.
وحينما كانت الجزائر تخوض حرب التحرير ضدّ المحتل الفرنسي، في سنوات الخمسينيات، كان الثائرون يرددون هذه الأنشودة، خالية من الأرقام كشعار سياسي «الجزائريون يريدون أن يكونوا أحرارا».
وكان هذا أبرز شعار يرفعه المواطنون في تظاهراتهم ونداءاتهم للمجتمع الدولي.
وبعد الاستقلال نقل الجمهور الجزائري هذا الشعار الى ملاعب كرة القدم لتشجيع فريقهم الوطني ضد خصومه، وقد أفلحوا كثيرا في نيل الكثير من البطولات الكروية الإقليمية والدولية.
وبناء على هذه الصورة الجميلة، التي تُطبع الآن في المخيال العالمي حول الجزائر وشعبها، قد يكون حريا بنا البناء عليها في مستقبل جديد يعكس ما حققنا حتى الآن، ويعتبر نقلة كبيرة تردم سنين من التبلد والخمول العام، ليس في مفاصل الدولة، فحسب بل أيضا على المستوى الشعبي.
في هذه الأثناء، وقد صحى الشباب الجزائري من غفوته الاجبارية والطوعية، فعلى المثقفين والإعلاميين – وما أكثرهم في الداخل والخارج – أن يرفدوا هذه الظاهرة المباركة لتغيير الوجه العام للبلاد باعتبارها ثورة في الميادين كافة، لطالما حلمنا بها، فلنجعلها شاملة لا تتوقف عند الإصلاح السياسي فحسب، لتتعداه الى الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي وغيرها من مناحي الحياة، التي باتت بحاجة ماسة للتغيير.
وهي فرصة كذلك لتحقيق ما عجزت عنه الحكومات الجزائرية المتعاقبة تاريخيا واخفاقها في إشهاره البلاد عالميا، كما تفعل كل الدول، التي تعنى بشكل استثنائي بالسياحة والتعريف بما تملكه هذه البلاد من تنوع ثقافي وجغرافي، ومكاني لجذب السياحة كدخل يعزز خزينة الدولة ويحيي الطبقة الوسطى، عماد التطور، وينعش البنية التحتية للبلاد، ويستقطب لها الاستثمار، الى جانب التبادل الثقافي والفني ومسايرة النهوض، الذي تشهدها العديد من الدول المشابهة للجزائر. فالطموح كبير بحجم البلاد.

النجاح يحتاج نفسا طويلا

حتى يصل التغيير الى طريقه المنشود، لا بد من خريطة طريق يصنعها المفكرون والوطنيون من الأطياف كافة ويعززها الإعلاميون، فنجاح التغيير في الجزائر سيبنى عليه في الكثير من الأمصار، وحتى لا تركبه قوى خارجية، كما حصل في معظم الثورات العربية، فان التجربة التونسية مثال يحتذى، مع الاحتفاظ بالخصوصية الجزائرية، فبناء الدولة المدنية الحديثة مرهون بوجوده للشعب وأن من حقه أن يغيرها، ويبدل أشكالها أو يعدل فيها. والحتمية التاريخية واستنباطات الديالتيك والصراع الطبقي، وسيادة العالم يحكمها المنطق الحركي.
وإذا كانت التجربة التونسية ساهمت في اسقاط الديكتاتور ووضع صناع السياسة والأحزاب أمام هذا الواقع الجديد، فان ممثلي الشعب (العامة) مطالبون بمتابعة التغيير عن كثب واطلاق الصحافة الحرة بعد ذلك وليس قبله والجمعيات الثقافية والسياسية والأندية المختلفة، التي ستكون مجتمعا مدنيا رديفا للتغيير.
وباعتبار أن البلاد تشكل جوارا جغرافيا مصيريا لأوروبا، فمن الذكاء استغلال هذا الجوار لمصلحتنا، فالأوروبيون لا يريدون فوضى في البلاد وبالتالي موجة من المهاجرين اليهم قد تطيح بحكوماتهم، ولهذا سيكونون منفتحين تماما على التعاون مع الجزائر ومساعدتها وتعزيز التبادل معها، وهذه نقطة في غاية الأهمية على المنظرين الاستفادة منها الى أقصى درجة، ونحن نملك كل شيء ولسنا بحاجة إلا للتعاون مع هذه الدول لا التبعية لها وسنحقق ثورتنا الشاملة، كما فعلت الثورات في معظم الدول وكانت سلما للصعود والنهوض.

وسائط التواصل

خلق الحراك الجزائري منذ اللحظة الأولى وسائط تواصله وإعلامه الشعبي، الذي لا تحده إدارة ولا تقصفه سلطة، رغم قلة الصحف في البلاد وغياب أي فضائية خاصة تتعاطى مع ما يحدث من منظور غير حكومي.
واهتدى الجزائريون الى وسائط التواصل، التي خلقت إعلاما مجانيا مبتكرا وخلاقا يوصل الرسائل ويحافظ على زخم الحراك وسلميته، وينقل صورا معبرة جدا عن تلاحم الناس مع شرطتهم ومحافظتهم على مؤسساتهم ومرافقهم ومنشآتهم.
ويمكن البناء على ذلك في الانتقال الى الإعلام الشعبي الخاص، الذي يدعم الانفتاح على الداخل والخارج، ويرفد النهوض بسلطة جديدة، قد تقود الى فضائيات خاصة متخصصة ومنوعة، كما هو الحال في الجارة تونس مثلا.
والغاية في المحصلة يولد الناس أحرارا ومتساوين في الحقوق وهدف كل نهوض هو المحافظة على حقوق الإنسان وهي حق الحرية والملكية والأمن ومقاومة الظلم، والوطن هو دائما مصدر التنمية الكاملة ولا يجوز لأي جماعة أو فرد ممارسة السلطة ما لم تكن مستمدة منه، والحرية تتمثل في السماح للفرد بأن يفعل ما لا يضر الآخرين. ولا يعيي الجزائريين اكمال طريقهم وقد وجدوه.

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية