بيروت-“القدس العربي”: جديد المؤلف والكاتب فيكتور سحّاب في عالم الفن والغناء عنوانه “أضواء على السينما الغنائية العربية (1932-1960)” الصادر عن دار نلسن. كتاب تضمن بحثاً في تطور الأنواع والأشكال الغنائية، وأساليب التعبير والتصوير والتمثيل الموسيقي طوال تلك العقود. وتناول بالتفصيل فن المونولوج، المحاورة والأوبريت في السينما العربية.
يشكل هذا الكتاب تأريخاً لفن إزدهر في العالم العربي ومصر تحديداً لثلاثة عقود متتالية وينضم إلى مجموعة كتب سبقته في عالم الفن أنجزها سحّاب منها “السبعة الكبار” و”كوكب الشرق” و”محمد عبد الوهاب-موسيقار الأجيال” و”وديع الصافي” و”زكي ناصيف” وغيرها. كافة تلك المؤلفات في عالم الموسيقى والغناء تشكل مرجعاً لكل طالب معرفة في الغناء والموسيقى العربية.
مع فيكتور سحاب كان هذا الحوار عن جديده وقديمه:
*لنبدأ من تعريف للدكتور فيكتور سحاب؟
**هو السؤال الأصعب، فأحدنا لن يبخس ذاته، ولن يمدحها. ولدت في يافا من أب لبناني وأم فلسطينية. لا أناقش ولا أساوم في عاطفتي الفلسطينية. في المرحلة الثانوية كنت متفوقاً في الرياضيات والعلوم. عندما فشلت في دراسة الصناعة الثقيلة في ألمانيا سنة1965 لأسباب تتعلق بالتأشيرة بعد أن قطع عبد الناصر العلاقات مع المانيا بسبب إسرائيل، عدت إلى لبنان ودرست التاريخ في جامعة بيروت العربية، ومن ثم الماجستير والدكتوراه في الجامعة اللبنانية. بعد الماجستير فزت بجائزة فولبرايت الأمريكية للأبحاث، وسافرت إلى واشنطن كباحث زائر في جامعة جورج تاون. وهناك كتبت أطروحة الدكتوراه بإشراف الدكتور عرفان شهيد بعنوان “إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف”. ومضمونها عن مشروع العرف في تسيير التجارة الدولية عبر الجزيرة العربية، في خضم الصراع بين بيزنطيا والساسانيين. في بيروت تباحثت مع الدكتور رضوان السيد في الجامعة اللبنانية بأن يكون العنوان السابق الذكر لرسالة الماجستير، ففضله للدكتوراه لأنه موضوع واسع.
*وكيف وجدت عنوان الماجستير؟
** لأنني كنت قد بدأت كتابات موسيقية في الصحافة اللبنانية قررت التوسع فيها في رسالة الماجستير، فكان كتاب “السبعة الكبار”. وهي أول أطروحة في قسم التاريخ تبحث في الفنون. اهتمامي بالموسيقى يعود للعائلة الموصوفة “بالسّميعة المحترفين”. كان والدي من أوائل من اقتنوا الفونوغراف واسطوانات سيد درويش، وسلامة حجازي، وبدايات محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وليلى مراد وأسمهان وغيرهم. وجميعنا حفظ عن ظهر قلب “بيضا فون” لعبد الوهاب. وحده أخي سليم احترف الموسيقى بعد دراسة في معهد تشايكوفسكي في موسكو. تزامنت عودته من موسكو مع وفاة رياض السنباطي، فاتصلت بي جريدة “النهار” متمنية أن يكتب لهم سليم بالمناسبة. لم يرق لسليم طلب بالواسطة، فكتبت أنا. استحسن القراء كتابتي. لاحقاً كتبت في رحيل حليم الرومي، ومن ثم فايزة أحمد. وتحولت إلى كاتب في رحيل الموسيقيين والمغنيين. جذبتني الكتابة التي ترافقت مع حرصي على التراث العربي. ولأن تراثنا يضيع هباء كما التراب الدقيق، وجدت من واجبي الكتابة في هذا التراث. ولهذا توزعت كتبي الـ24 إلى نصفين دين وتاريخ، وموسيقى ومن بينها موسوعة أم كلثوم.
*ولماذا جديدك “أضواء على السينما الغنائية العربية من 1932-1960″؟
** قرأت كتاب جلال الشرقاوي عن السينما في مصر بين 1932-1960 ويضم جدولاً عن كامل الإنتاج في مصر. ولأني أميل للسينما الغنائية استخلصت من الجدول الأفلام التي ظننتها غنائية. تألف الجدول الذي أعددته من 420 فيلماً. ووجدت في عملي هذا جهداً قدر المستطاع للحفاظ على التراث. ذكرت في مقدمة الكتاب أن السينما الغنائية العربية تحتاج إلى موسوعة، أو حتى موسوعات تتناول أغنيات كل فيلم، وعلاقتها بقصة الفيلم. وكيفية التعبير بالقصة والغناء عن المشاعر التي تنتاب الممثلين خلال تمثيل هذه القصة السينمائية. وبما أني لا أستطيع أن أخرج موسوعة عن السينما الغنائية، ولا أملك أرشيفاً كاملاً ولا أستوديو ولا حتى موازنة، كان إلقاء أضواء على أهم محطات ارتأيتها في السينما الغنائية العربية.
*ما هي إذاً أهم تلك المحطات؟
** محطات تتألف منها فصول الكتاب. أهم ما في تلك السينما أنها ركزت ما بدأه المسرح الغنائي قبل بداية عصر السينما مع سيد درويش، وسلامة حجازي، وكامل الخلعي، وابراهيم فوزي وزكريا أحمد. بدأت السينما الغنائية سنة 1932. من خلال السينما والمسرح دخل الحوار الغنائي إلى الموسيقى العربية، ولم يكن أصلاً في الغناء. المسرح الغنائي بدأ في أواخر القرن التاسع عشر مع أحمد أبو خليل القباني.
*وكيف تدرجت فصول الكتاب؟
** المحاورة الغنائية التي بدأها محمد عبد الوهاب أتت أولاً، ولذلك نذكر تاريخ صدور كل أغنية. ففي فيلم “دموع الحب” جمعت محمد عبد الوهاب ونجاة علي محاورتين، كان ذلك سنة 1935. وفي سنة 1937 جمعت عبد الوهاب بليلى مراد في فيلم “يحيا الحب” محاورتين. المونولوج فصل من الكتاب، وهو بدأ سنة 1911 في المسرح العربي مع كامل الخلعي، ومع سيد درويش سنة 1917. كانت بدايات تجريبية ولم تتخذ أشكالها الواضحة كنوع غنائي. فعروض الأوبرا الإيطالية في مصر أيام الخديوي اسماعيل عرّفت الفنانين المصريين إلى فن “الآريا” الذي تحول في الغناء العربي إلى المونولوج. يأتي هذا النوع من الغناء في المسرح نتيجة حدث ما حيث يقف البطل مخاطباً نفسه ومتأملاً.
*ومن أدخل المونولوج إلى السينما العربية؟
**عبد الوهاب، وفي أول فيلم عربي غنائي “الوردة البيضاء” سنة 1933. وضمّ سبعة مونولوجات. سبق هذا الفيلم “أنشودة الفؤاد” الذي غنّت فيه نادرة وكان سنة 1932 ولم تكن الأغنيات سينمائية.
*وكيف تطورت الأغنية من خلال السينما؟
** بدخول أنواع غنائية لم تكن قبلها. كما سبق الذكر في الكتاب فصل عن المحاورة، الثاني عن المونولوج والثالث عن الأوبريت الغنائي. أوبريت قيس وليلى سنة 1939 كانت الأولى، وقد أدخلها عبد الوهاب إلى السينما في فيلم “يوم سعيد” وغناها مع أسمهان دون ظهورها في الفيلم. أنواع الغناء من محاورة وأوبريت دخلها بقوة التعبير الموسيقي عن المشاعر، والتمثيل بالموسيقى ولحن الأغنية، والفضل فيه لعبد الوهاب. أما التصوير في أغنية “سجى الليل” فيشعر المتلقي بالصحراء مئة في المئة. في الواقع هي أنماط بدأها سيد درويش، وهو ما توسعت فيه في كتابي “السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة”.
*وكيف تطور فن الأوبريت؟
** شهد الأوبريت إبداعاً مضافاً مع فريد الأطرش، وله تسعة منها في أفلامه، وهي تلت أوبريت “قيس وليلى” مع محمد عبد الوهاب. وفي فيلم “عنبر” كان لعبد الوهاب أوبريت فكاهية “اللي يقدر على قلبي” مع ليلى مراد. وكان لعبد العزيز محمود أربعة، ولمحمد فوزي ثلاث. الكل سار وفق نسق عبد الوهاب الذي صار وكأنه قائد المسيرة، والآخرون يتبعونه، وينسجون على منواله. ولهذا نقدر عبد الوهاب العظيم بين عظماء، كما أنه أعظم مغني. ففي الحضارات الموسيقية صعب جمع موهبة اللحن والغناء معاً كما حال عبد الوهاب.
*وما هو نصيب الحضور اللبناني في السينما الغنائية العربية؟
**لا شك في أنه مؤثر مع نور الهدى وصباح. لصباح 60 فيلماً غنائياً في مصر موجودة ضمن جدول الأفلام في الكتاب. وهي أكثر من ساهم في السينما الغنائية كفرد. وثانياً يأتي حضور ليلى مراد. ولنور الهدى 26 فيلماً. ولبنانياً كذلك كانت أفلام للور دكاش، ونجاح سلام، وسعاد محمد. إذاً الإسهام اللبناني كان مميزاً، وإن جُمع في إطار بلاد الشام فيكون حضور أسمهان وفريد الأطرش كبيراً جداً.
*لماذا تراجعت الأغنية في السينما العربية فيما بعد؟
** هي عودة لإبن خلدون وتراجع الحضارة العربية بشكل عام. هو هبوط الإنتاج الحضاري والإبداعي على كافة الصعد.
*وهل للأغنية دور في السينما العربية اليوم؟ وهل هو مطلوب؟
** في الأساس تراجع دور الإنتاج السينمائي جميعه. كان نجيب الريحاني يضحكنا في السينما وبعده جاء عادل امام، لكنه ليس بعبقرية السابق. وعندما جاء محمد هنيدي وجدنا الهبوط من الريحاني إلى من تلاه مريعاً. الهبوط في المستويات كافة بدءاً من السياسة وهلم جراً.
*نعرفك وهابي الهوى لكن من استوقفك في الأفلام الغنائية إلى جانب عبد الوهاب؟
** لم أقفل الباب على هواي الوهابي، فأطروحتي للماجستير هي “السبعة الكبار” اخترت السبعة ليس رفضاً للآخرين. أحب نور الهدى ومحمد فوزي. ولي كتاب عن صباح، وكذلك زكي ناصيف، وكتابي عن وديع الصافي 400 صفحة. عبد الوهاب كبير بين كبار، ولي حججي عن ريادته في السينما الغنائية، مع العلم أن سيد درويش سبقه في التعبير من خلال الموسيقى، لكنه بعكس عبد الوهاب لم يمس الأشكال الغنائية بعكس عبد الوهاب الذي طورها. سيد درويش واظب على الطقطوقة كما كانت في القرن الـ19. وكذلك حاله مع الدور والموشح على صعيد الشكل. كنت أحب هؤلاء الموسيقيين قبل استكشافي لهذه الحجج والبحث بها. وأكتشفت لاحقاً أنهم مسهمون في النهضة التي شهدناها. التاريخ يركض أحياناً، وأحياناً أخرى يركد وينام.