يلحّ على قارئ رواية الكاتبة سلوى بكر «فيلة سوداء بأحذية بيضاء» أسئلة عديدة ترتبط بمداراتها الفكرية وحدودها المعرفية، وانفتاح هذه الحدود وتداخلها، وأهم هذه المدارات يتمثل في أثر السياق على الفرد، ومدى قدرته على المقاومة في ظل وجود سياقات خارجية ضاغطة، خاصة إذا كان كيانا يُمارس عليه نوع من القمع المؤسس تاريخيا، في محاولته لصنع وعي خاص قائم على الحرية والتفرد، وعلى تحديد طريق أو اتجاه للحركة دون وصاية أو استلاب من أحد.
هناك في ظل هذا الصراع تداخل بين حكاية الذات الأنثوية وحكاية الوطن، في فقدان الجزئيات واكتسابها، وكأن هناك وحدة تجمعهما، فليس هناك وجود فردي منعزل أو منفصل عن السياق العام، فكلاهما مشدود للآخر ومتأثر به، وإن كان مشهد النهاية يجعل ارتباط الرواية بالذاتي وبقسيمها الذي تنتمي إليه، ويجعل المدار النسوي أكثر حضورا، فالرواية في بنيتها بعيدا عن التأويل وثيقة الصلة بوعي أنثى في اكتسابها للمعارف ووعيها بذاتها، وتشظيها وتغييب صوتها في أحيان كثيرة، لتصل في النهاية إلى تكوين هوية قائمة على التحرر في الحركة والتوجه.
هذا التداخل بين الفردي النسوي والإطار العام للوطن يؤدي إلى تغريبة للبحث عن الإيقاع ومحاولة استعادته، ذلك الإيقاع الذي تحوّل إلى نشاز بالتعدد والتدابر والتباين على المستويين، فهناك إيقاعات متداخلة تشكل التباسا، وتشكل غيابا للطريق، بل تفتح طرقا متعارضة. الرواية تشكل سباحة ضد تيار جارف، يحتمي بالديني والسلطوي، فكأنها تعري نصاعته، وتشير إليه ضاغطة لتقيس حجم الاختلاف، وحجم الفقد، وحجم الابتعاد عن إيقاعاتنا القديمة، إيقاع البساطة والكفاح، والمتع الهانئة التي تشكل نهاية للسعي، ولو بشكل مؤقت. وتأتي اللقطة الأولى لتشكل مدخلا مهما لتلقي العمل، فتجلي العذراء ليس إكمالا لحكاية الفتاة، وإنما هي جزء أساسي من عطاء الرواية المعرفي، فالرواية بحث عن إيقاع ضاع داخل إيقاعات ملتبسة، فتجلي العذراء، وانتباه الجميع إليه (مسيحيين ومسلمين)، وإيمانهم بقدرتها إشارة لمكوّن أساسي داخل المصريين على امتداد العصور والأزمنة، يتمثل في قيمة المقدس، وقدرة هذا المقدس.
الثنائيات الضدية
في رواية سلوى بكر هناك اشتغال على الثنائيات المتضادة، سواء من خلال سيمياء الفقد أو التحول لدى بعض الشخصيات الأساسية في الرواية، أو من خلال المقارنات البسيطة التي تقاربها الرواية في بحثها عن إيقاعها القديم أو نفورها من الآني، حيث تتم معاينة جزئيات التحول الكاشفة، ولا يكفّ النص الروائي من الإلماح إليها. فالثنائيات الضدية لها دور في قياس مساحة الابتعاد عن الإيقاع الخاص بالمصريين، فكل حركة أو توجه من هذه التوجهات له أثره في زحزحة المصريين عن إيقاعهم الممتد من الأزمنة القديمة.
لقد جعل ذلك الرواية مشدودة للسياسي والاجتماعي، وأحال الأبطال والشخصيات إلى مجرد أدوات لقياس درجة الاقتراب أو الابتعاد من إيقاع الانسجام، وجعل الشخصية الرئيسة (عفت) – نظرا لوظيفتها المراقبة والمؤطرة لوجهة النظر دون وجود وجهة نظر أخرى مباينة – أداة من أدوات المعاينة لمراقبة العالم داخل الحكاية بأفراده، والإشارة إلى تحولاته التي لا ترحم. وبقاء هذه الشخصية المراقبة متصدرة سلطة السرد من خلال المراقبة، يعطيها نوعا من الوجود الفائض غير المادي، فتتحوّل مشيرة إلى الجزء الصلب من تكوين المصريين الذي قد يختفي متواريا لأسباب عديدة، ولكنه يلحّ واضحا في اللحظات المفصلية، محافظا على خصوصيته من أية شوائب قد تعلق به، ارتباطا بتوجه خاص لفترة زمنية.
ووجود هذه الشوائب لا يعني استمرارها جزءا من مكونها الصلب، لأنها تراقب نفسها باستمرار، وتشير إلى غرابة هذا المكوّن، حتى لو امتدّ وجوده أو طالت هيمنته. فشخصية عفت هنا تمثل الوعي بالذات وحركة التاريخ، وأثرها في زلزلة الثبات، ووجود نوع من الابتعاد عن المكوّن الصلب للهوية. يتجلى ذلك واضحا حين نتوقف في إطار الثنائيات الضدية ومدارات التحول، في نقل الرواية لحديث البطل (حسام) – في ظل استحضاره خطابه الأول – عن الانحلال الأخلاقي الذي يجب أن يقابله ارتباط خاص بالدين تحت تأثير ارتباطه بشيخ من شيوخ النفط بوصف ذلك الارتباط عنوانا كاشفا عن المرحلة في جزئيات لافتة، من خلال تسويغ نقل العالم الغريب إلى السياق والبيئة المصرية، مثل إشارته ان تكون مادة الدين مادة رسوب ونجاح في كل مراحل التعليم، وإغلاق المحلات إجباريا وقت الصلاة.
الرواية باعتمادها على التواريخ المؤثرة تمثل محاولة جادة لمعاينة مساحات التبدل التي أصابت المجتمع نتيجة للسياسات المنحازة، ودخول نمط البداوة الصحراوي فاعلا، وما يتجاوب معهما من آثار سلبية في الابتعاد عن الوجه الحقيقي. وتقوم الشخصية الأساسية بعملية المعاينة والمقاربة وهي داخل النسق، موزّعة إلى إطار قديم مشدودة إليه، ومتأملة لنسق تمارس وجودها داخله شدا وجذبا، وتفرق منه حنينا للسابق. فالرواية ليست معنية بإسدال الثنائيات الضدية بوصفها واقعا فعليا راصدا لمساحات التغيير والتبدل، ولكنها- فوق ذلك- تمارس نوعا من تفكيك هذا الخطاب من خلال تيار الوعي المرتبط بهواجس الذات واكتشافها الواعي لحدة المفارقة، فحين تبدّل قاموس حسام في رده على التليفون من (ألو) إلى (السلام عليكم) تقدم الرواية من خلال تيار الوعي رؤية تفكيكية لذلك الخطاب من خلال قولها (ولكن حضرته يستخدم عشرات الكلمات الأجنبية كل يوم، ويقول بانيو وأسانسير وتلفزيون).
والمتأمل للثنائيات المتضادة في هذه الرواية على اكتنازها وبساطتها البنائية يدرك أنها أخذت شكلا يمس كل تصاريف الحياة، بدأت من المأكل والملبس، ومرورا بالمتغيرات الخاصة بالقيم والأخلاق، وانتهاء بالنموذج الكاشف بوصفه شخصية حاضرة. فالرواية تلحّ على مجموعة من الأشياء التي يمكن أن تكون دالة على المقارنة بين الإيقاع وفقدان ذلك الإيقاع، والإيمان بالقيمة والجمال في مقابل الاستهلاك والقبح، لتشكل لنا مقابلة واضحة عن التباين الواضح بين نسقين وعصرين.
وإذا كانت الثنائيات المتضادة في الرواية شكلت سمة أساسية تمتد إلى عمق التكوين في مجمل البنيات المشكلة للمجتمع وطبقاته، وبالتوجه السياسي وانحيازاته، ولكن يمكن للمتلقي أن يعاين ذلك التقاطب الثنائي بشكل أكثر ثراء من خلال تأمل شخصية حسام، بوصفه نموذجا له هالة لدى الشخصية الأساسية في الرواية. ففي صوته أو صورته الأولى هناك اهتمام بالثورة ونماذجها الفكرية، وهناك تأسيس إطار معرفي خاص، يتجلى من خلال البعد عن النمط الديني المشبع بخرافات، فهو يخاطب عفت قبل أن تصبح زوجته: (عقبال ما تقودي مظاهرة… وتفردي صدرك للدنيا في أمور حقيقية.. يعني مسائل أكبر من العذراء والموالد).
استعادة الوعي
تبدو العناوين الكاشفة عن أحداث سياسية منطلقا مهما لمقاربة الرواية، ولمقاربة بناء الوعي الخاص بالبطلة التي تغادر حدودها المادية لتلتحم بنسق أكبر. فوضع 1968 في بداية الرواية يشير إلى دلالات فارقة ترتبط بالأفق السياسي المرتبط بالنكسة، بوصفها حدثا أفقد البشر اليقين، وثوابتهم وإيقاعهم، ليس على المستوى السياسي فقط، ولكن على المستوى الاجتماعي، خاصة في إجراءاتهم الدفاعية التي يتوسّل بها البشر للاستقواء على واقعهم. فحادثة تجلي العذراء- بوصفها الحدث الأساسي الذي تولدت من خلاله معظم الحكايا الجزئية الممتدة التي أصبحت عمودا أساسيا للرواية- تمثل آلية دفاعية للخروج من نفق الهزيمة، ومن الأسئلة التي تلح على الدوام للتبرير والتفسير.
فتعلق المصريين بالظهور والتجلي مسلمين ومسيحيين لا يحمل إلا بحثا عن يقين لا يتسرب إليه شك، حيث يحلّ بديلا عن اليقين المهتز المرتبط ببطولة كشفت عن عوارها الهزيمة، تقول الرواية (في الأعماق ولدى الجميع ظل الخلاص قرين المعجزة… كان ثمة آلاف من الناس وقتها يرغبون بحدوث خلاص ما). فمشهد التجلي في بداية الرواية ووضعه تحت عنوان زمني 1968 يبدو ذا دلالة مهمة خاصة إذا تمت مقارنته بمشهد الحلم الذي رأته الشخصية الرئيسة عفت في فصل بعنوان 1973، وفيه تقول الساردة: (إذ رأيت نفسي مع طنط لويزة في مولد العذراء، بينما حسام يقف بعيدا، ويلوح بالسوط الذي كان يحمله الهجانة وهو راكب على حصان يوم المظاهرات).
الرواية من خلال عنايتها بالتاريخ وبالحكاية الفردية تؤسس انفتاحا وتداخلا بين العام والخاص، فهي – أي التواريخ المثبتة- مؤطر للحركة الفردية، ومؤثر في تشكيل التوجهات سلبا أو إيجابا في سلوك البشر، وفي وجود نزوعات التحوّل والثبات. فقد صار حسام – بوصفه علامة على التبدل والتحول – ومن يشابهونه من المهندسين ومقاولي البناء سادة المرحلة وملوكها. وفي ظل هذا الوجود الثنائي الكاشف عن التباين بين الثبات والحركة يمكن قراءة مشهدين وردا في نص الرواية -نظرا لجدل العام والخاص- قراءة مغايرة تبتعد عن تجلي الحدث إلى آفاق أكثر رحابة، خاصة في ظل وجود مشابهة بين عفت وما تحيل إليه من معان تقربها من الارتباط بهالة من الرموز مشدودة إلى الروح المتأصلة التي تزيل ما علق بها من ظواهر ليست حقيقة.
وحين نعاين فكرة عدم الإنجاب تتأكد لنا التأويلات المفترضة أو المقترحة في كون الشخصية الرئيسة (عفت) لا تمثل وجودها المادي، بل تأخذ مدى يبدأ في النمو، ترتبط بالأثر الأساسي الممتد حيث يمكن أن تغيب بعض توجهاته تحت انحيازات مؤقتة لفترة من الفترات، تقمع فيها الروح، وينحسر الإيقاع، ولكنها تبقى منزوية لا تنتهي، لتطل في اللحظات المفصلية بحثا عن تجليها القديم، وبعيدا عن سجن الأيديولوجيات المتباينة من لحظة إلى أخرى.
فعدم الإنجاب يشير إلى جزئية الخروج، وهشاشة تأثيره الذي لا يطمس مشروعية التكوين المتنامي والمؤسس تاريخيا وحضاريا، ولكنه يؤكده على نحو خاص، فنحن لا نشعر بالإيقاع وهيمنته إلا من خلال هذا الخروج الجزئي الناتئ، لتتأسس العودة إليه مرة أخرى. يكشف عن ذلك مشهد النهاية الخاص بحتمية الانفصال، وحتمية ضرورة إزالة هذه التكوينات الهشّة التي تعكّر صفو الروح الدائمة في بساطتها، وفي بحثها الدائم عن إيقاعها في تمدده التاريخي، فلا هوية حقيقية إلا بالتصالح مع ذلك التاريخ، ومع روحه التي تظلّ هائمة متحدة مع الشخصية الرئيسة، ومنبهة إلى كل لحظة من لحظات الالتباس، تفقد فيها الروح انسجامها.
سلوى بكر: «فيلة سوداء بأحذية بيضاء»
دار دون، القاهرة 2022
127 صفحة.