حادث مأساوي في حي من أحياء ضواحي باريس، يسمى آتينا (اسم عاصمة البلد نفسه الذي ينحدر منه المخرج رومان غافراس، ابن المخرج كوستا غافراس) حيث قتل الطفل إيدر اخ كل من عبديل وكريم ومختار. من طرف مجهول ظهر في فيديو منتشر في مواقع التواصل الاجتماعي يرتدي لباس الشرطة الفرنسية.
ردة الفعل تجاه الحدث، يقسمها مخرج الفيلم إلى قسمين ممثلين في أخوي الضحية. عبديل الذي كان حضاريا ومنضبطا، حيث طلب من الناس الغاضبين من الحدث المأساوي، أن ينتظروا نتائج تحقيق الشرطة في الجريمة. وأن يشاركوا في مسيرة سلمية. وشخصية كريم المشحون بالغضب عن آخره، بحيث لا يفكر في الانتقام من الشرطة فقط، بل في تحقيق الانتصار عليها. ويجهر بذلك! ويتهم أخاه عبديل بالوقوف في صف الشرطة الفرنسية. كما يتهمه بالانتماء لمجموعة «الحركة» المؤيدة للاستعمار الفرنسي للجزائر. واسم عبديل يبدو غريبا لأنه تقزيم للأسماء العربية التي تبدأ بعبد.. إلى جانبهما هناك الأخ الثالث مختار، الذي لا يهتم بالحدث رغم مأساويته. وينغمس في الانحرافات وتجارة المخدرات.
فعندما سمع كريم موقف أخيه عبديل المنضبط للدولة الفرنسية وشرطتها، أشعل النار في قنينة زجاجية حارقة ورماها على مقر الشرطة، فاشتعلت النار. وباشتعالها اندلعت أعمال العنف مباشرة وبقوة شديدة. وقام سكان الحي بتدمير ممتلكات الشرطة وسرقتها، بما فيها سيارات الشرطة وأسلحة الرصاص المطاطي. وازدادت أعمال العنف تأججا وتضخما، إلى درجة أن المشاهد سيعتقد أنها حرب أهلية، يستعرض فيها سكان الحي من المغاربيين وعددهم كبير جدا، خاصة الجزائريين منهم، «غرورهم الطفولي» كما يقول أحدهم: لقد «أصبحنا جيشا!» بل يستعرضون احتفالهم بأعمال النهب والتخريب. ويظهر الفيلم ردة فعل رجال الشرطة لينة إلى درجة تدعو للاستغراب، وهكذا يضعنا الفيلم أمام رجال شرطة متحضرين، مقابل «وحوش مفترسة من العرب». ورغم أعدادهم الغفيرة، ولفرط اندفاعهم الغبي، لم يخطر ببال أي أحد منهم، احتمال أن يكونوا قد خدعوا في الفيديو، بحيث يمكن أن يكون قاتل الطفل شخصا آخر يرتدي لباس الشرطة الفرنسية لتمويه مشاهد الفيديو، وإلصاق التهمة بالشرطة. وعدم عرض الفيديو، يتماشى مع الطرح التمويهي الدعائي للمخرج.

ينتهي الفيلم بالتدخل الحاسم للشرطة، وإيقاف الجزائريين والعرب (عند حدهم). ويعد هذا بمثابة ـ ليس فقط – إشفاء غليل المشاهد مما تابعه طيلة مدة الفيلم، التي تصل الى 100 دقيقة. من أعمال النهب والشغب والتخريب، بل يعد أيضا بمثابة إذلالهم واحتقارهم بصريا عندما امتثلوا في النهاية إلى أوامر الشرطة وخرجوا من مساكنهم أذلاء بعد أن خلعوا كل ملابسهم.
بغض النظر عن موقف الفيلم تجاه الجزائريين والعرب، فإنه عميق وجيد الصنع. لكنه فيلم مليء بالصخب والعنف والصراخ والعصبية، وكل التصرفات اللا إنسانية واللا حضارية. والانغماس في التعبير عن هذه الاشياء القبيحة والمذمومة، أفقد الفيلم وبدرجة كبيرة قيمته الجمالية. والإخفاق الجمالي السينمائي في الفيلم، لم يكن إلا بسبب اندفاع المخرج لإلصاق كل هذه الصفات القبيحة بالجزائريين والعرب، وهم الشخصيات الرئيسية، فهم إما منحرفون أو عصبيون أو عنيفون مخربون أو بدائيون أو أغبياء.
ينتهي الفيلم دون أن تشعر بالتعاطف مع أي أحد منهم، وحتى عبديل الذي تعاطفنا معه طيلة الفيلم. ينقلب 180 درجة، ويتحول إلى «وحش» عندما غلبت العصبية الجنونية لأخيه كريم. الذي عجز – لفرط تلك العصبية – أن يقنعه. فيحرق كريم نفسه أمامه. ليشعره بأنه أكثر منه وفاء لروح أخيه القتيل. يحاول إنقاذه بإطفاء النار. لكنه لا يفلح. وفي اللحظة التي كان يبكي فقدانه. يأتي أخوه مختار ويحدثه بهدوء كأن شيئا لم يقع. يقوم بلكمه على الوجه بجنون هستيري دون أن يظهر على الشاشة. لكن لا يمكن للمشاهد أن يعتقد أن ذلك القدر من اللكمات سيبقيه حيا.
يذهب المخرج بعيدا في موقفه السلبي من الجزائريين والعرب، ويدخل في حسابات تعبيرية بصرية دقيقة وصغيرة، عندما يدخل مثلا عبديل منزل العائلة وتلبسه أمه الفوقية البيضاء، يكون التصوير بلقطة الترافلينغ (متابعة الشخص الماشي بالكاميرا) مقربة ومن الخلف، بحيث لا تظهر من الفوقية البيضاء إلا الكتفين والعنق، لأنه يتجنب إظهار الفوقية البيضاء تملأ الشاشة. والمعروف أن الأبيض لون السلام، وهو اللون الذي يفضله المسلمون في الصلاة. يدخل عبديل البيت حيث يوجد المعزون. ويصورون فقط بلقطة مقربة تشعرنا بضيق المكان/ضيق المكانة. ولا أحد من المعزين يرتدي اللباس الأبيض. نسمع صوتا (يبدو أنه الإمام) يقول لهم: أنا أدعو، وأنتم قولوا آمين. وهذا سلوك ليس فقط بطريرياركيا، بل سلوك يحول فيه الإسلام الناس إلى مجرد قطيع من الغنم يقودها الإمام.
الحسابات السياسية والعقائدية الضيقة للمخرج رومان غافراس تجاه الجزائريين والعرب، هي التي دفعته إلى التركيز على البعد التعبيري على حساب البعد الجمالي. فلا ترى في الفيلم أشياء جميلة بقدر ما ترى صور القبح التي ألصق بها شخصياته العربية. ولا ترى أي شخصية يمكن أن تتعاطف معها، سوى الشرطي الفرنسي الذي كاد إن يقتل على يد عبديل. فبدل أن نشاهد فيلما جميلا عن القبح الإنساني، شاهدنا فيلما غير جميل، حتى لا نقول قبيحا.
ناقد سينمائي من المغرب