القاهرة ـ «القدس العربي»: أغلب الأفلام الأمريكية تحمل الصبغة الهوليوودية، إلا في ما ندر من الأفلام التي حاولت الانفلات من هذه التركيبة المعهودة، والتي تحمل أفكاراً بعيدة عما هو شائع، وبالتالي تنتهج نهجاً انتقادياً للمجتمع الأمريكي، أو ثيمة إنسانية لا ترتبط بمكان حكاية الفيلم. الفيلم الأمريكي دوماً ما يحمل سمات تميز طبيعة هذا البلد، بداية من رحلة نضال البطل، وإيمانه المطلق بالذات، وتخطي العقبات مهما كانت، حتى يتحقق حلمه، وفي الأخير لابد أن يتم ذلك من خلال تمجيد الذات الأمريكية، التي لا تستكين ولا تهدأ، حتى تجد لها مكاناً على الأرض. فهو البطل الذي ينقذ أسرته وبلاده، بل والعالم بداية من غضب الطبيعة، وحتى هجوم الكائنات الفضائية.
والحلم الأمريكي هذا ـ أياً كان ـ لا يأبه بمدى أخلاقية ومشروعية الطريق الذي سلكه هذا البطل أو ذاك، وإن تعرّض فإنه إما يعمل على تبريرها وتزييفها، أو يتجاهلها تماماً، ويمجد فقط لحظة الانتصار المعهودة في النهاية.. النهاية الهوليوودية.
من هذه الأفلام فيلم «الاستعراضي العظيم» The Greatest Showman، الذي استعرض حياة أشهر منظم عروض أمريكي (فينياس تايلور بارنوم 5 يوليو/تموز 1810 ــ 7 إبريل/نيسان 1891). الفيلم أداء.. هيو جاكمان، ميشيل ويليامز، زاك إيفرون، ريبيكا فيرجسون، زندايا، وكايلا سيتل. سيناريو بيل كوندون وجيني بيكس، إخراج مايكل جرايسي، وإنتاج عام 2017.
بارنوم الفيلم
شاب من أسرة فقيرة، لم يكن يمتلك إلا حلماً بالشهرة والثراء، خاصة أنه يعيش قصة حب منذ طفولته مع فتاة من أسرة ثرية. تتزوجه الفتاة ولا تعبأ بمعارضة أسرتها، يحاول بارنوم العمل موظفاً، ولكن يتم تسريحه مع العديد من الموظفين، فكان لابد من المخاطرة، فيجمع مدخراته القليلة ويفتح متحفاً يطلق عليه (متحف بارنوم الأمريكي٫ لعرض مجسّمات شمعية غريبة، كالوحوش والمخلوقات المشوّهة، وحينما لم يعد جاذباً بدأ البحث عن شخصيات حيّة تحمل سمات الغرابة، كامرأة لديها شارب، وأضخم رجل في نيويورك، والتوأم الملتصق، والرجل القصير صاحب الزي العسكري. هذه الشخصيات التي كان يخافها ويرتعب منها الجميع.. كالأقزام والمشوهين، وأصحاب العيوب الخلقية، جعلهم بارنوم يعرفون كيف يعيشون ويواجهون الناس، بل ينالون الاستحسان والتصفيق من الجميع، فهم عائلة كبيرة سعيدة الآن، بعدما نبذهم المجتمع مراراً.
يكتف بارنوم بما حققه، ولكنه اتجه للسياسة، ورشح نفسه للكونغرس عام 1866، لكنه خسر الانتخابات، وقام بتأليف عدة كتب، منها.. «خِدع العالم» و»كفاحات وانتصارات» إضافة إلى مذكراته الشخصية، محاولاً تبرير أفعاله وتحسين صورته، بأنها كانت أخطاء صبيانية.
ويستمر حلم بارنوم، بألا يقتصر عمله على هؤلاء، بل قام بتنظيم عروض لمغنية الأوبرا الشهيرة وقتها في أوروبا جيني ليند، لتقدم عروضها في نيويورك، ليستمع المجتمع الأمريكي إلى هذا الشكل الراقي من الغناء. وتقع ليند في حب بارنوم، الذي فضّل زوجته وأطفاله على هذا الحب. من ناحية أخرى نجد بعض السكان المحيطين بمسرح بارنوم، الذين كانوا يخافون من شخصيات عروضه، ويريدونهم خارج المدينة، فقاموا بإحراق المسرح، فلا يمكن أن يعيش هؤلاء بينهم. إلا أن هؤلاء هم الذين ساعدوا بارنوم في محنته، وقاموا بمواصلة بناء المسرح والتدريب، وتقديم العروض مجدداً. كيف لا وهو الذي منحهم العالم الذي يعيشونه، والثقة بالنفس في مواجهة الآخرين، كيف لا وهذا المكان أصبح مصدراً للسعادة، واحتفالاً كبيراً بالإنسانية. هذه الكرنفالية أكدها الشكل الاستعراضي، الذي تم من خلاله سرد الفيلم.. الغناء والرقصات والإبهار، حتى ينشغل المُشاهد بطريقة التسويق، بغض النظر عن كُنه السلعة نفسها.
بارنوم الحقيقي
وتأتي القصة الحقيقية لحياة بارنوم لتنتفي هذه الصورة المثالية تماماً. فحياة الرجل لم تكن سوى حياة مقامر ومراهن سيئ السمعة، حيث قامت شهرته وثروته على الغش والادعاء واستغلال الآخرين. نشأ بارنوم في أسرة فقيرة، تنقل بين أعمال عدة، وكان مهووساً بأوراق اليانصيب، حتى أنشأ جريدة أسبوعية، كانت تقوم بنشر الشائعات، بهدف جذب القرّاء، وبالتالي زيادة التوزيع، إلا أنه سُجن بعد أن تمت محاكمته بعدة قضايا بسبب التشهير. بعدها بدأ تنظيم العروض في نيويورك، حيث كانت البداية باستئجاره عجوزاً سوداء، اسمها جويس هيث، ادعى أنها تجاوزت الـ150 عاما، وأنها إحدى مُربيات الرئيس جورج واشنطن. وبعد موتها تبيّن أنها لم تتجاوز الـ 70 من عمرها. واستمر بارنوم في عروضه باحثاً عن كل ما هو غريب ومشوّه من البشر، بل شراء هؤلاء من بلاد أخرى، كالمستعمرات والدول الافريقية، حتى يضمن لعروضه النجاح (راجع الوثائقي.. حدائق الحيوانات البشرية، إنتاج 2020٫ ومن هؤلاء القزم الشهير تشارلز ستراتون، والمعروف باسم «جنرال توم ثامب» إضافة إلى المرأة صاحبة الشارب، وويليام جونسون أو «الرجل القرد» وهو رجل تم الإتيان به من افريقيا، كان يضعه بارنوم في قفص بين القرود، وألبسه بعض الفِراء، وجعله يصرخ ويقوم بحركات عصبية دائمة، كما تفعل القرود. كذلك توأم ملتصق، وآخر عملاق. بخلاف الذين فرّوا أو حاولوا الفرار من سجن بارنوم ـ الإنساني ـ فكان السجن أو الموت مصيرهم. وبمناسبة الموت.. لم يتورع بارنوم من إقامة عرض حي لتشريح جثة امرأة بعد موتها، نظير تذكرة مرتفعة الثمن لحضور ذلك العرض الجلل. ويُلاحظ أن الأسماء التي كان يطلقها بارنوم على شخوصه، لم تكن اسماؤهم الحقيقية، بل كأنهم حيوانات أليفة يطلق عليها مالكها الأسماء.
أما مغنية الأوبرا جيني ليند فلم تكن مغرمة بالبطل الأمريكي خفيف الظل المغامر، كما ذكر الفيلم، بل إن الرجل قام باستغلال نجاحها الأوروبي، أولاً لتحقيق المزيد من الثروة والشهرة، ولاكتساب مكانة في المجتمع الراقي، وهي عقدة منذ طفولته، حاول تخطيها بكل الطرق، وثانياً لتحسين صورته وسُمعته، وقد اشتهر بأنه رجل مُخادع ومشبوه، يستغل البشر في عروضه.
لم يكتف بارنوم بما حققه، ولكنه اتجه للسياسة، ورشح نفسه للكونغرس عام 1866، لكنه خسر الانتخابات، وقام بتأليف عدة كتب، منها.. «خِدع العالم» و»كفاحات وانتصارات» إضافة إلى مذكراته الشخصية، محاولاً تبرير أفعاله وتحسين صورته، بأنها كانت أخطاء صبيانية. لكن سيرك بارنوم استمر حتى بعد وفاته عام 1891، إلى أن تم إغلاقه نهائياً عام 2017، وهو عام إنتاج الفيلم. ربما تخليداً لذكرى رجل أمريكي شهير، بغض النظر عن أسباب وطرق شهرته، وهو ما أكده الفيلم، وقدمه في صورة رجل يُعاني طيلة حياته لتحقيق ذاته، وحتى إن ارتكب بعض الأخطاء البسيطة، فهو لا يعترف بالفشل مهما حدث، مُجسداً النموذج الأمريكي الذي تصر هوليوود دائماً على تصديره إلى المُشاهد أينما كان.