«الأموات لا يموتون» لجيم جارموش يفتتح مهرجان كان في دورته الـ72

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

كان: افتتح مهرجان كان في دورته الثانية والسبعين (14 إلى 25 مايو/أيار) بفيلم «الموتى لا يموتون» للأمريكي جيم جارموش في أحدث عودة له للمهرجان العريق بعد فيلمه «باترسون» عام 2016.

بعد فيلمه «لا يبقى إلا الأحباء على قيد الحياة» (2013)، الذي دار في عالم الفامبايرز ومصاصي الدماء، تدور أحداث «الموتى لا يموتون» في عالم يغزوه على حين غرة الزومبيز، أو الأموات الذين يعودون إلى الحياة. فما الذي يقدمه جاروموش إلى هذا الجانر، أو النوع، من الأفلام: أفلام الزومبي؟ على الرغم من تقديم التحية في فيلمه لجورج روميرو، المخرج الذي يتبادر اسمه إلى الأذهان على الفور، عند ذكر أفلام الزومبي، يقدم جارموش فيلما «جارموشيا» إلى حد كبير، إن صح لنا وصف أفلامه باسمه، فهو يقدم عالما مميزا للغاية هو عالمه الخاص، رغم أنه قرر أن يصوغ هذا العالم في جانر أفلام «الزومبي».
يضفي جارموش الكثير من السخرية على عالم الزومبيز، فأمواته الأحياء لا يثيرون الرعب والفزع، بقدر ما يثيرون السخرية من عالمنا، عالم الأحياء المتكالبين على كل ما هو مادي استهلاكي. ويقدم جارموش عالمه الخاص جدا المسكون بشخصيات قد لا نجد مصطلحا يصفها أفضل من كلمة «كول» باللغة الإنكليزية، تلك الشخصيات التي تقود السيارات الصغيرة الحمراء التي تدار بالكهرباء، التي تعلق مفاتيح هذه السيارة في سلسال يشير إلى فيلم «حرب النجوم». شخصيات جارموش تقرأ «موبي ديك» لملفيل، وتتعبد في معبد بوذي وتجيد استخدام سيوف الساموراي، بينما تزين جثث الموتى بمساحيق تجميل ذات ألوان براقة.


يبدأ الفيلم بلقطة للمقابر في تحية لفيلم «ليلة الموتى الأحياء» لروميرو. أشياء غريبة تحدث على حين غرة في بلدة «سينترفيل» الأمريكية، التي تدور فيها أحداث الفيلم، التي كما يشير اسمها، تمثل كل ما تمثله بلدات وسط الولايات المتحدة. فجأة يلاحظ سكان سنترفيل أن ساعات النهار امتدت، رغم أن الساعة تخطت وقت الغروب. تبدأ الحيوانات الأليفة في التوحش والاختفاء، وتنقطع اتصالات الهاتف والبث التلفزيوني.. ثم تبدأ الجثث في الخروج من القبور، لتسير كمن مسهم السحر صوب ما كان شغلهم الشاغل إبان الحياة. يبحثون عن كل ما هو مادي استهلاكي وينادون وهم يهيمون على وجوههم بما يستحوذ عليهم كليةً: الخمر الرخيص، الأزياء وعالم صيحاتها، الإنترنت والواي فاي. ربما يود الفيلم أن يلفت انتباهنا إلى أننا، نحن الذين ما زلنا على قيد الحياة، نعيش كالأموات الأحياء، لأننا نتكالب على كل ما هو مادي واستهلاكي. ربما ينتقد الفيلم نزعتنا للجنوح إلى كل ما يتخم الأجساد والأرواح، من المأكل والمشرب، فالشخص الوحيد الذي ينجو من فتك الأموات الأحياء به، هو «هيرميت بوب» (توم ويتس) ناسك البلدة، ذلك الشخص، الذي ينظر إليه سكان سنترفيل على أنه غريب الأطوار، لأنه ينبذ ما هو استهلاكي، ويهيم على وجهه في البرية ويعتاش على السناجب والهوام. الأحياء إذن أموات قبل أن يواريهم القبر، والحي الوحيد هو الناسك الهائم الذى ينأى بنفسه عن قيم الأحياء.

كنا نأمل أن نرى ذلك الأسلوب «الكول» المميز لجيم جارموش مصحوبا بفيلم له الكثير من الجوهر والمغزى، ولكن ينتهي بنا الحال بأفكار متناثرة صيغت على عجل.

كليف (بيل موراي) وروني (آدام درايفر) وميندي (كلويه سفايني) هم قوة مخفر الشرطة في البلدة الصغيرة، حتى يومهم الغريب هذا الذي امتدت ساعات نهاره وحدث فيه من الغرائب الكثير، لم يكن يشغلهم إلا المشاكسات المعتادة من المزارع ميلير (ستيف بوشيمي)، الذي يعتمر قبعة مؤيدة لدونالد ترامب، والذي على عصبيته وتعصبه، يبدو ودودا صوب الرجل الأسود (داني غلوفر) الذي يجالسه للشراب في الحانة الصغيرة في البلدة. إنها بلدة تعيش في هدوئها الاستهلاكي الحميم، وربما لا تكترث بأي شيء يحدث في العالم، فرغم الحديث المتواصل في نشرات الأخبار عن خروج الأرض عن محورها بسبب التنقيب عن النفط في القطب الشمالي، لا يبدو أن أحدا يكترث سوى حفنة من المراهقين يعيشون في نزل للأيتام. «بعد انتهاء الحياة، يستمر ما بعد الحياة» هكذا تترد كلمات الأغنية المميزة للفيلم، وهكذا يعود الأموات للحياة ليواصلوا ما كانوا يفعلونه وهم أحياء. تتعالى ضحكاتنا أحيانا أثناء الفيلم، ربما هي ضحكات منا على ما نقوم به أثناء حياتنا اليومية، بدون أن نشعر بمدى غرابته، فهاتان الجثتان اللتان تعودان إلى الحياة، تنهضان وهما تبحثان بحثا مستميتا عن القهوة، التي يناديان اسمها بتلذذ ونهم. يتردد نداءهما فيضحكنا، ولكننا في الواقع نضحك من استحواذ هذا الشراب على عقولنا. وتتعالى ضحكاتنا أيضا عندما يتكرر التفسير ذاته على لسان الكثيرين لسلسلة من حوادث القتل في البلدة.
ولكن بعض المشاهد الحوارية، التي يفترض أنها وضعت لإضفاء مسحة كوميدية على بعض الأحداث، تخرجنا من سياق الأحداث، وربما تعيدنا إلى أرض الواقع وتخرجنا من عالم الفيلم. فهناك هذه المزحة بين بيل موراي وآدام درايفر، اللذين عملا مع جارموش في عدد من الأفلام، عن نهاية الفيلم، التي يعرفها أحدهما بينما لا يعرفها الآخر، لأن جارموش سمح له بقراءة السيناريو كاملا. ربما كان الهدف من هذا الحوار الجانبي هو إضفاء مسحة من الأجواء «الكول»، ولكنها تنتهي بنا ونحن قد تشتتنا وخرجنا من أجواء عالم الزومبي. يمكننا اختزال حبكة الفيلم وأحداثه، بدون إخلال كبير، في عودة الموتى للحياة ومحاولة الأحياء القضاء على الموتى الأحياء قبل الفتك بهم. يتناول الفيلم أنصاف أفكار صيغت على عجل، من بينها وجود كائنات فضائية، وإفساد الإنسان للأرض، والحياة والموت، ولكن جارموش يلوكها سريعا بدون أن يقدم منها ما يشبع.
يبدو لنا الفيلم مجتزءا أو مفتقرا إلى ما يجمع أوصاله وأفكاره المتناثرة هنا وهناك. كنا نأمل أن نرى ذلك الأسلوب «الكول» المميز لجيم جارموش مصحوبا بفيلم له الكثير من الجوهر والمغزى، ولكن ينتهي بنا الحال بأفكار متناثرة صيغت على عجل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية