فيلم الجوكر: شرعنة الفعل غير الأخلاقي بين الفن والواقع

أحمد صلال
حجم الخط
0

باريس – «القدس العربي»: «هل أنا فقط المجنون، أم العالم هو الأكثر جنوناً»، يسأل البطل آرثر فليك، طبيبته النفسية، خلال أحداث فيلم الجوكر، هل آرثر هو المجنون، لأنه لا يستطيع السيطرة على عقله، أم العالم الذي يغوص في الفوضى واللا مساواة والحروب والفقر واليأس الشامل؟ كيف يمكن للعالم الفاسد أن يحول أبناءه إلى النسخة الأسوأ من أنفسهم؟
هذه هي الحكاية القاتمة التي يرويها لنا ببراعة وإتقان تود فليبس، مخرج فيلم الجوكر، الفيلم الذي دخل مسابقة فينسيا الدولية للسينما، في مدينة البندقية الإيطالية وأنتزع جائزة الأسد الذهبية، في النسخة 76 من المهرجان، حيث حظي بتصفيق متواصل لمدة ثماني دقائق، واجتاز الإعلان النهائي للفيلم حاجز 21 مشاهدة على «يوتيوب»، بعد مرور ثلاثة أيام فقط.

هدوء وانفجار!

حين عرض فيلم «فارس الظلام» خلال عام 2008، حيث تمثل شخصية باتمان الخير، ويجسد الجوكر الشر، الذي حرص على أن كل الناس يملكون نزعة للشر، ودأب على نشر الفوضى العارمة لإزعاج النظام الحاكم، حينها لم يكن أحد يعرف الأسباب الكامنة وراء هذا الشر، حتى جاء فيلم «الجوكر.»
تدور أحداث الفيلم عام1981 في مدينة غوثام الخيالية التي ترزح تحت إنتشار الفوضى العارمة والإنحلال وتجارة المخدرات، وإضراب عمال النظافة عن العمل، مما جعل كل مشاهد الفيلم مليئة بالقمامة المنتشرة في كل مكان.
يحكي الفيلم عن شخصية آرثر فليك، وهو رجل بسيط ونحيل للغاية، يحاول أن يعتني بأمه المريضة ويصنع مستقبلاً له في الوقت نفسه، كان آرثر يعمل مهرجان حاملاً اللافتات التجارية لافتاً المارة للعروض التي تقدمها تلك المحلات، ولكن حلم آرثر كان مختلفاً وبعيداً كل البعد عن عمله، إذ كان يحلم أن يعمل كـ»ستاند آب» كوميدي، يكتب النكات ويصنع البهجة ويرسم البسمة على وجوه كل المشاهدين.في هذا العالم البائس والكئيب كان يعاني آرثر كل يوم، ليس فقط من الفساد والانحلال، ولكن من سوء المعاملة، إذ كان يتعرض يومياً للعنف والضرب من المارة، وكان الجميع يسخر من هيأته وبنيته النحيلة وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه، بالإضافة لكل ذلك كان يعاني آرثر من مر القلق، وهو اضطراب عصبي نادر، يسبب حالات من البكاء اللا إرادي، أو نوبات من الضحك الهستيري، مما يسبب له السخرية من الآخرين أو الضرب المبرح.

تدرج الشخصية!

وبسبب نبذ المجتمع له وشعوره الدائم بالفشل يتحول آرثر من الهدوء إلى الجنون، ورغم أن قصة الفيلم ليست جديدة، ويعلم المشاهد أن البطل سيتحول في النهاية إلى شرير، إلا أن السرد كان بارعاً واحترافيا.
وكما هو معروف أن الحبكة مبنية لخدمة قضية أو مغامرة – كما هو الحال في أمير الظلام – ولكن في فيلم «الجوكر» لم يكن المؤلف معنياً بالخير أو الشر والحرب الطاحنة بينهما، بمقدار ما كانت الحبكة تعنى بآرثر، لذلك يستعرض مشاهد لباتمان وأخرى للجوكر.
في هذا الفيلم نشاهد فقط تحول لشخصية آرثر، فالحياة كلها تتمحور حوله، والحقيقة أن بناء الشخصية كان عظيماً ومتدرجاً وبطيئاً ويمر بمنعطفات مهمة وخطيرة تجعل آرثر يتغير من الداخل دون أن يشعر، فهناك تدرج متقن للغاية تجعل تصرفات الجوكر مشرعنة ومقبولة من المشاهد.
استخدم فيلم «الجوكر» الألوان ببراعة، فالمكياج والرسومات تجسد جانباً مهماً من شخصية آرثر النفسية الذي كان يعمل مهرجا، إذ يختبئ المهرج وراء هذه الألوان من عيون المجتمع، الذي كان ينبذه، وعلى الجانب الآخر حينما لا يضع آرثر المكياج يبدو أكثر شحوباً ويظهر شعوره باليأس والفشل الذي يطارده، وبين التحول من شخصية آرثر المهرج إلى شخصية الجوكر المجنون رأينا بشكل مكثف ومقرب كوادر التصوير المقربة من آرثر ورأينا ملامح وجهه وهو يمر بمراحل مختلفة من العناء إلى الفوضى ثم إلى العنف.وفي السياق نفسه فقد انسحب الممثل الأمريكي خواكين فينيكس، الذي جسد شخصية آرثر من مقابلة صحافية لجريدة «تلغراف»، بعد أن طُرح عليه سؤال يتعلق بفيلم الجوكر، وعما إذا كان يشجع على العنف والقتال في العالم الحقيقي ليعود بعد غيابه لمدة ساعة من أجل استكمال المقابلة، ويقول إنه شعر بالذعر ولم يفكر أبدًا في هذا السؤال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية