القاهرة ـ «القدس العربي»: في الحروب يسقط المنطق وتسقط القيم، وتبدو الطبيعة الإنسانية في أقسى صورها، يتمثّل الكثيرون ـ وهم ضحايا ــ صورة القاتل والمعتدي، ويقومون بدوره على مَن هم أقل قدرة ومكانة، أو على أقل تقدير يمارسون انتقامهم على كل مَن اختلف معهم أو عنهم. ولكن .. بعيداً عن ويلات الحروب ومآسيها، هناك حياة على الجانب الآخر يعيشها الناس. مأساة الاختلاف هذه هي فكرة الفيلم التشيكي «الطائر الملون» المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للأمريكي البولندي جيرزي كوزنيسكي (1933 ــ 1991) الذي كتبها عام 1965 ــ ترجمت الرواية إلى العربية في 2019 عام إنتاج الفيلم ــ وتبدو تفاصيل الرواية ومعها الفيلم بالاقتراب من عالم وحياة المؤلف نفسه، الذي خاض أهوال الحرب العالمية الثانية طفلاً، هذه الحرب التي ظلت آثارها تلازمه طيلة حياته مهما تحايل عليها، هذه الحياة التي انتهت بالانتحار.
الفيلم أداء بيتر كوتلار (الطفل جوسكا) أودو كير، ستيلان سكارسجارد، هيرفي كيتل، جوليان ساندرز، أليكسي كرافيتشينكو، وباري بيبر. سيناريو وإخراج فاكلاف مرهول.
يهودي موصوم
في العديد من التفاصيل لا يمكن فصل حكاية الفيلم عن حياة صاحب الرواية، فكوزنيسكي عاش وعانى ويلات الحرب العالمية الثانية، طفل يهودي بولندي، مُطارد دوماً خشية الوقوع في يد رجال النازي، مما اضطره إلى تغيير اسمه وديانته، وقد تم تعميده في قرية بعيدة من قرى بولندا حتى يستطيع أن يعيش. هذا التشوّه الذي لازم الرجل حتى انتحاره، صاغه في روايته «الطائر الملون» ناقلاً مشاهد مأسوية ومرعبة، لا يمكن أن تمر حتى بخيال طفل، هذا الذي تحوّل في النهاية إلى قاتل، وقد أصبح يعيش القتل ويتنفسه، القتل الذي أصبح فعلاً اعتيادياً دونما ذنب، بينما الذنب الوحيد الذي لم يرتكبه وسبب مأساته أنه فقط مختلف. فما كان منه إلا أن يرجو ويأمل هلاك الجميع.
فكرة الاختلاف هذه صاغها كوزنيسكي في رواية أخرى كتبها عام 1970 بعنوان «أن تكون هناك»
والتي تحولت بدورها إلى فيلم أمريكي شهير عام 1979 بالاسم نفسه، بطولة بيتر سيلرز، وإخراج هال أشبي. وما بين طفل يهودي ورجل لم يغادر منزل مخدوميه في ما يقارب النصف قرن ينسج كوزنيسكي عالمه بين المأساة والكوميديا السوداء.
المأساة الأخرى التي عاشها كوزنيسكي حتى بعدما احترف الكتابة، وتحولت بعض أعماله إلى أفلام سينمائية حققت النجاح، هي التشكيك في ما يكتبه، فكل من الروايتين السابقتين اتهم الرجل بسرقة أحداثهما من روايات محلية بولندية ليست على قدر كبير من الشهرة، أو من حكايات الفولكلور البولندي. ولكن، بعيداً عن فكرة السرقة ــ وهي وصمة أخرى قد تكون اختيارية هذه المرّة ــ فهناك حالة ذهنية واحدة وشخوص تتكرر بشكل أو بآخر، وكأنها لم تغادر مخيلة صاحبها.
فقط يلعبون
يتم سرد الفيلم من خلال طفل في السادسة من عمره، يفر من قريته التي احتلها الألمان، وتقوم أسرته بتهريبه إلى قرية بعيدة للاختباء. ويبدأ الفيلم بمشهد عنيف يمارسه أطفال صغار في مثل سنه، بأن فبينما يسير في الغابة يحمل سنجاباً صغيراً، يطارده بعض الأطفال، يضربونه في عنف وقسوة، ويضرمون النار في السنجاب، الذي يتفحم أمام عينيه، وسط ضحك الأطفال الهستيري. فهذا هو لعب الأطفال، وهذا هو العنف الذي ينتظر صاحب الحكاية. وإن كانت البداية سيئة، فالآتي أسوأ وأفظع بكثير.
وتأكيداً على المعنى المقصود من عنوان الفيلم/الرواية، يأتي مشهد دال، حيث يقوم صيّاد طيور بتلوين ريش أحد الطيور، ثم يلحظ سرباً من الطيور ينتمي إلى فصيلته، فيُطلقه بعدها للحاق بالسرب الذي ما زال يحلق في السماء، ولكن الطيور اعتبرته غريباً عنها، بسبب لونه المختلف جرّاء صبغ ريشه، فتقوم بمهاجمته حتى يسقط صريعاً. هذا الاختلاف فقط هو الذي خط مصيره في النهاية. ليأخذ التساؤل شكلاً آخر .. هل هي الطبيعة وقوانينها؟ وإن كانت هذه قوانين الطيور والحيوانات، فماذا عن الإنسان، الذي من المفترض أنه أرقى المخلوقات ــ من وجهة نظر الإنسان بالطبع ــ ليسقط أهم ما يميزه .. العقل.
الجحيم
وتتوالى رحلات الجحيم التي يخوضها الطفل، فيتنقل من مكان لآخر، ظناً أنه قد لاذ ببعض من أمان، ولكنه انتقال من سيء إلى أسوأ. فالمرأة العجوز التي تقوم برعايته تموت فجأة، ويرتعب الطفل ويسقط من يده مصباح الكيروسين، فيشتعل البيت والمرأة بداخله، ليفر الطفل بعدها، دون أن يدري ماذا يفعل.
ثم يصل إلى قرية، يرى سكانها اختلاف لون الطفل عن لون بشرتهم، فيعتبرونه نذير شؤم على القرية وناسها. ولكن إحدى المشعوذات تستنقذه، لتستخدمه في أعمالها السحرية، ظناً منها أيضاً أنه نذير شؤم، ويمكن من خلال تنفيذ هذه الأعمال، وتدفن جسده بالكامل في الأرض، فقط رأسه تطالع السماء، بحجة تخليصه من الروح الشرير، حتى ينجح في الهرب منها ومن القرية في النهاية.
ومنها إلى عائلة طحان توفر له المأوى، إلا أن الرجل يشك في زوجته ومساعده، ليرى الطفل المزيد من مشاهد الرعب، حينما يستخرج الطحان عين العشيق ويُلقي بها للقطط، ليواصل الطفل رحلة الفرار مرّة أخرى.
حتى الالتجاء إلى الكنيسة لم يشفع له، خاصة وقد أرسله القس إلى أحد سكان القرية ليأويه، ولكن الرجل المواظب على حضور القدّاس، وصاحب السُمعة الطيبة بين الجميع، كان أكثر قسوة ودناءة، حتى أنه واظب على اغتصاب الطفل كواظبته على حضور قدّاسه.
رحمة الجيش الأحمر
رحلة الأهوال هذه لم تهدأ ولو قليلاً إلا بدخول الجيش الأحمر المكان، وقد انقلبت موازين الحرب لصالح الحلفاء، هنا يجد الطفل شيء من المعاملة الحسنة، من قبل بعض الضباط والمجندين، وقد ارتدى الزي العسكري للجيش الأحمر، وتعلم ولو قليلاً كيف يصوّب مسدسه، كما بدأ في تعلم القراءة. وعندما يغادر رجال الجيش المكان يترك له أحد الجنود مسدسه، فمن المؤكد أنه سيحتاج إليه في وقت ما.
ومن ملجأ في القرية يتعرّف عليه والده الذي أرسله إلى هذه الرحلة أملاً في النجاة من جنود هتلر، لكنه لم يدر ماذا حدث، والطفل لا يريد العودة، وإن عاد بعدها أكثر بؤساً ومعرفة بالحياة وطبيعة مخالقها، حتى ليبدو أمام أبيه أكثر ثقة وحكمة من هذا الأب التائه، الذي لا يجد ما يعتذر به سوى البكاء.
الحياة بالأسود والأبيض
جسّد مخرج الفيلم حالة الطفل وحكايته من خلال الأبيض والأسود، ومع كلمات الطفل القليلة جداً، جسّد طبيعة الحالة لتي تفوق الكلمات. من ناحية أخرى كان لهذين اللونين وتدرجاتهما التأثير القوي لهذه المعاناة التي امتدت على الشاشة قرابة الثلاث ساعات، هي مدّة عرض الفيلم .. رماديات، ضباب، دخان أخشاب وأجساد محترقة، دماء وأشلاء، وأعضاء تُنثر في لا مبالاة. تجسيد للطبيعة البشرية في أبشع وأقسى صورها، وبما في أصدق صورها، بعيداً عن التجميل الزائف والتحضر الموهوم، كما في عالم تملؤه الألوان.