“الغياب” هو أول فيلم وثائقي طويل للمخرجة التونسية فاطمة الرياحي، التي درست السينما والتقنيات التلفزيونية في جامعة منوبة، وتخرجت فيها عام 2008. ومنذ ذلك الوقت أخرجت فيلما روائيا قصيرا وعددا من الأفلام الوثائقية القصيرة والمتوسطة ولعل من أهم أعمالها: “تونس… وتستمر الثورة”. استغرق إنتاج فيلم “الغياب” خمس سنوات منها عامان ونصف العام للتصوير، وهو الأول الذي تنتجه “الجزيرة” الوثائقية عام 2018 حيث تم تصويره في مدينة سيدي بوزيد، تلك المدينة التي شهدت الشرارة الأولى للثورة التونسية باكورة ثورات الربيع العربي. رشح الفيلم لجائزة أفضل عمل أول في مهرجان “إدفا” العالمي ومهرجان “هوت دوك”.
يتناول الفيلم قصة شاب تونسي “توفيق” شارك في القتال في حرب البوسنة ضد القوات الصربية. لكنه يدخل السجن لمدة 6 سنوات بعد عودته إلى تونس، لترحل زوجته إلى البوسنة وتتركه مع بناته الثلاث، ليجد نفسه مسؤولا عنهن، وتتنازعه الرغبة بين رعايتهن وبين الانتقام من من دمر حياته ومن أجل ذلك يعاني صراعا يوميا.
يبتدئ الفيلم بأمنية طفلة في تحرير والدها من الاعتقال وينتهي بالنشيد الوطني الذي تنشده وهي شابة بحماس وألم وإحساس بأن هذا الوطن الذي نموت من أجله لا يمنحنا الحياة بل الموت بأشكال مختلفة.
هي ليست مجرد حكاية لا يتسع العمر لاستكمالها، ولا هي وجع خارج تحمل الاشتياق، بل حلم راود التونسي توفيق مشيعاُ بالأمل فذهب مقاتلاً مع الجيش البوسني لينتهي به المطاف متهماً بالإرهاب ومهجراً بشكل قسري من لوكسمبورغ وعائلته إلى تونس ليقبع في سجون زين العابدين بن علي ست سنوات. حصد الوهم وحيداً حيث هجرته زوجته البوسنية وبقي مع بناته الثلاث ينتظر زمناً مقعراً لتعويض خسائره مشبعاً بحلم بلا تفاصيل لحياة أخرى تردٌ له اعتبار الروح.
اقتنصت صانعة الفيلم فرصة ظرفية غير متوقعة عندما قامت عائلتها بتوفير ملاذ آمن لبوسنية مع بناتها الثلاث الهاربات، إثر اعتقال الوالد توفيق في لوكسمبورغ وترحيلهن جميعاً إلى تونس بسبب اتهامه بالمشاركة في القتال في حرب البوسنة ضد القوات الصربية.
في ذلك الوقت التقطت لهم صوراً وهي ما زالت طالبة في معهد السينما وكانت تلك الأفلام على شريط كاميرا “هاند كام” من هناك بدأت الحكاية، وحين اختفوا من حياة عائلة المخرجة ذهبت للبحث عنهم بعد سنوات طويلة لتكمل سيرتهم وهي في جعبتها بداية القصة لتشاركنا أسئلتها ونشاركها باستفهاماتنا واندهاشنا.
الشيطان يختبئ في التفاصيل
الفيلم مشحون بالتفاصيل، حيث الزمن يتمدد ويتكثف ليغدق علينا بصور تكشف المزيد من تعاريج الحكاية. تم الاشتغال على بعدين زمنيين يتمثل الأول بالزمن الماضي الذي عاشته الأسرة في البوسنة ولوكسمبورغ وظهر من خلال ألبومات الصور التي كانت تثير الأسى بين يدي توفيق الأب ويمينة البنت الكبرى، والتشبث بلحظة غير آتية لأنها من زمن مشكوك في مجيئه، والبعد الثاني هو الحاضر الذي كان يصرخ بقسوة في تعابير وجوه البنات والأب الكسير.
هنا اشتبكت الأزمان اشتباكا لافتاً خلال تسعين دقيقة بجرعات كبيرة من واقع يتصاعد درامياُ في تعميق مأساة تلك الأسرة من خلال عرض الأحداث التي عاشتها.
حفلَ الفيلم بتعبيرات تنضح بها وجوههم والإشارات الجسدية والحالة المزاجية حيث كانت البنت الكبرى يمينة التي تميز أداؤها وانفعالاتها تجسيداً لتلك الانطباعات التي قادتنا من دون عناء كبير إلى الانحياز إلى فكرة تبناها المتلقي منذ الوهلة الأولى بأن الأطفال ضحية الآباء وإن خياراتهم هي التي ترسم خريطة حياة أبنائهم من دون ان يكون لهم دور في صنع أقدارهم ونادراً ما يفلت هؤلاء الصغار من ذلك المصير المحتوم.
تحت هذا السقف الزمني تم الاشتغال بمعايير تسمى في صناعة الفيلم الوثائقي “التلقائية” والتي يصر صنٌاعها على العمل باسترخاء يشوبه الحذر وبأقل المعدات، على سبيل المثال تم توظيف الإضاءة الطبيعية حيث يحضر ضوء الشمس أكثر بريقاً من أي مصدر ضوء صناعي، أما الموسيقى فكانت هي الأخرى مستبعدة لأن هذا النوع من المدارس الوثائقية ترى أن الموسيقى يجب أن تكون أصواتاً حقيقية نابعة من المكان نفسه لأن أي تدخل يعتبر افساداً للواقعية، فكانت أصوات سكَان القرية وحيواناتها وصوت الطبيعة التي ابتكرت طنيناً على خريطة مسامعنا واخترقت أرواحنا بانسيابية. فجيعة لغياب مترع بالحضور لأبطال يستصرخون، قضاة عادلين لم يولدوا بعد.
مشاهد كثيرة أخذتنا معها لنتجول مع القرويين حيث جمال الطبيعة وقسوة العوز.
كانت هناك جرأة واضحة في اقتحام مناطق غير معلومة وصعبة في شخصية سي توفيق كما باللهجة التونسية. نجحت فاطمة الرياحي في مشهد غضب سي توفيق وهو يحاول الإمساك بنفسه ليبدو هادئاً طوال اثنتين وأربعين دقيقة ولكنها نجحت حين ألقت به في نهاية المطاف في منطقة حرجة دفعته للاعتراف بانه شخص عنيف ومستعد للضرب من أجل الدفاع عما ما يؤمن به وأسترسل بالكلام حين أخبرها بأنه كان مستعداً للضرب بعصا حديدية رجلاً كان ينظر لزوجته بعين عنصرية في لوكسمبورغ ذات يوم.
لقد انتظرنا طويلاً مشهداً مهماً مثل هذا وكانت المخرجة متأكدة من أنها ستظفر بمشهد مفصلي في القصة وفَر لنا إجابة على بعض الأسئلة، لأنه أعطى للشخصية بعدا نفسياً مركبا ًحين أفرطت بحشره في زاوية فحاول التلويح بقوته حين يتعدى أحدهم على أمنه الشخصي.
بصمة المتلقي
وبالرغم من أنه فيلمها الطويل الأول لكنه لم يحمل كبوات براءة العمل الأول بسبب الدعم الذي حظي به من قبل إدارة القناة وامكانياتها.
يؤمن الكثيرون من رواد هذه الصناعة بأن الفيلم الوثائقي “يشبه الكائن الحي” يولد كفكرة وينمو بين السطور ويتطور على يد مخرج ليحدد أسلوبه في العمل والإحساس بالمكان وثقافته الشخصية وولاءه لذلك المحيط وامكانياته بالبحث عن الحقيقة وإيمانه بقضية يتناول فيلمه معالجتها وتمتعه بدقة الملاحظة وبذلك تحول التوثيق على يد تلك الصانعة إلى شيء ينتمي إليها ويحمل كل ذاكرة وروح الموجودين في العمل ويصبح أخيراً هذا الكائن بين يدي المتلقي آخر قنوات العمل ليضع بصمته هو الآخر كما يشاء.
رأينا المخرجة في مشاهد عديدة تحاور أبطالها رغم ان ظهورا من هذا النوع يحمل مقتله معه، لكنها نجحت في التحكم بزمام الأمور حين طرحت أسئلة دارت في مخيلتنا ولم نجد لها جواباً. على سبيل المثال لماذا لم نر الأم البوسنية مرسيدا رغم أن شهادتها كانت ستثري مصداقية العمل؟
جاءنا الجواب بكل هدوء حين علمنا بأنها هربت من البلد بعد أن تعرضت لمضايقات الشرطة وإيذائها نفسياً لتعتكف في بلدها البوسنة وترفض أي حوار معها.
أشعرتنا المخرجة بالتوتر تارةً وبالتعاطف تارةً أخرى وأثارت فينا أسئلة لم يجب الفيلم عنها ليترك لنا حرية تصور الإجابات التي تناسبنا كمتلقين بعيدا عن الاملاءات التي اعتادت عليها الأفلام المؤدلجة.
يقول الناقد المصري سامي السلاموني “إن الأفلام العظيمة ليست هي ما تبهرك عندما تشاهدها لأول مرة وإنما هي التي تظل حية حتى لو شاهدتها ألف مرة. وهذا ما يحصل حين تكون متورطاً بشغف مشاهدة أفلام تتسم بالواقعية وتوصف بسينما الواقع”.
أصَر صنَاع فيلم “الغياب” على نقل الواقع كما هو من دون تدخل ليتسنى للمتلقي العادي أن يكون ناقداً وشاهداً ومشاركاً في صناعة الحدث.
إن ما تفعله الدكتاتوريات من تجهيل وتجريف للعقل وامتهان لكرامة الإنسان يحملها مسؤولية ما يفعله هؤلاء الناس مستقبلاً وحين يحملون سلاحهم في أماكن أخرى هو جزء من التنفيس عن همُ كبير يجثم على صدورهم ويؤدي بحياتهم إلى أخطاء جسيمة ولا تنتهي تلك المصيبة إذا ما كان في تلك الدوامة ضحايا في الطريق هم أطفال بلا مظلة أمان عائلي ونفسي.
وبقيت ثمة أسئلة تدور في المخيلة، هل سيفلت سي توفيق وبناته من جحيم ملاحقة الاتهامات بأن والدهم إرهابي؟ لا نعلم لأن القصة لم تنته بعد.
وهل كان يحق لشرطة لوكسمبورغ إبعاد الزوج وعائلته إلى تونس من دون إذن قضائي وحرص على ضمان سلامتهم؟ ولم تشفع الديمقراطية الأوروبيةً لتلك العائلة أن تحظى بمحاكمة عادلة، وليس سوى محاولات لمحامين وحقوقيين لرفع الدعوى، ولكن القضية التي يمر عليها أكثر من عشر سنوات تتلف أولياتها. فهل اتلفت الأوليات حقاً أم هو تملص من مسؤولية الترحيل القسري لعائلة؟
في خضم هذا الحزن الفائض عن الحاجة هل تعود عقارب الزمن إلى الوراء وتعيد الأسرة إلى حياتها الطبيعية؟