ديمي مور في مشهد من الفيلم
كان ـ «القدس العربي»: على مرّ الأعوام فاجأنا مهرجان كان بأفلام صادمة، شهدت إغماءات، وخروج الحضور من القاعة ذعرا أو خوفا أو صدمة. ولا يمكننا أن ننسى صدمة الجمهور والخروج الجماعي للكثيرين عند عرض فيلم «المنزل الذي بناه جاك» للارس فون ترير عام 2018، أو ذعر الجمهور والإغماءات التي تعرض لها بعض الحضور عند عرض فيلم «نيئ» لجوليا دوكورنو عام 2016. ولا يمكننا أيضا أن ننسى صدمة الجمهور عند عرض فيلم «تيتان» لجوليا دوكورنو أيضا، الذي فاز بالسعفة الذهبية للمهرجان عام 2021.
وفي دورته الحالية، الدورة 77 (من 14 إلى 25 مايو/أيار) شهد المهرجان فيلم «المادة» للمخرجة الفرنسية كورالي فارغا، وهو فيلم صادم مجنون مخيف دام مضحك أحيانا، أشاح فيه الكثير بأبصارهم عن الشاشة ذعرا وتقززا، لكن بقدر ما سببه الفيلم من صدمة، بقدر ما شهد احتفاء من النقاد والحضور.
«المادة» فيلم يوجه نقدا لاذعا لصناعة جراحات التجميل وللصورة النمطية الطاغية لما يجب أن يكون عليه جسد المرأة وقوامها، تلك الصورة النمطية التي تعتبر أنوثة المرأة منتهية فور ظهور التجاعيد في بشرتها، كما لو كان التقدم في العمر أمرا ليس بالطبيعي، أو من المحظورات والممنوعات. كما يوجه الفيلم أيضا نقدا لاذعا لعالم الترفيه والسينما والتلفزيون، الذي لا تعنيه موهبة الممثلة أو تاريخها الفني، بقدر ما يعنيه أن تكون ذات جسد فتي شاب مغوٍ. يدفعنا الفيلم إلى منطقة مظلمة من تأثير الصورة النمطية التي يروج لها الإعلام لجمال المرأة، وهي تلك المنطقة التي تكره فيه المرأة صورتها، حتى إنها تشرع في قتل نفسها أو تدمير نفسها ذاتيا. الشخصية المحورية في الفيلم هي إليزابيث سباركل (ديمي مور في واحد من أفضل أدوارها) وهي نجمة من أبرز نجمات هوليوود وحائزة جائزة أوسكار. كان هذا عندما كانت في ريعان شبابها، لكنها الآن في الخمسينيات من العمر، وتقدم منذ سنوات برنامجا للياقة البدنية والتمرينات الرياضية في التلفزيون. لكن الآن بدأت الأضواء تنحسر عنها، وبدأت أرقام المشاهدة في الانخفاض، ويعلمها منتج البرنامج عن رغبته في إنهاء تعاقده معها، والتعاقد مع وجه جديد شاب. ترفض إليزابيث قرار تخلي البرنامج التلفزيوني عنها وانحسار الشهرة والأضواء، في مشاهد تذكرنا أحيانا بفيلم «صانسيت بوليفارد» لبيلي وايلدر. وفي محاولة يائسة تتصل بشركة غامضة تدعى «ذا سابستانس» أو «المادة» وهي شركة تعد مستخدميها بالشباب الدائم، عن طريق استنساخ نسخة جديدة منهم لا تطابق صورتهم الحالية، بل الصورة المثالية الفتية الشابة منهم. تبقي الصورة على النسختين الحالية، والشابة ذات القوام المشدود والوجه الخالي من التجاعيد. تتغذى النسخة الشابة على مواد حيوية من جسد الجسد الأصلي، وشرط نجاح عملية الاستنساخ هو أن تبقى النسخة الشابة مستيقظة تمارس الحياة لمدة أسبوع، بينما يبقى الجسد الأصلي في حالة تشبه السبات الشتوي أو الغيبوبة لمدة أسبوع، ثم تتبدل الأدوار، ويجب عدم الإخلال بهذا الترتيب حتى لا تفسد العملية.

النسخة الشابة من إليزابيث هي سو (مارغريت كوالي) وهي ذات جسد ممشوق وعضلات مشدودة ووجه مغو في براءة. تجري تجربة أداء في برنامج إليزابيث، وتحصل على التعاقد المرجو كما كان متوقعا. لكن العلاقة بين النسختين، وهما في الأساس لفرد واحد، سريعا ما تصبح علاقة سو وإليزابيث علاقة سامة، تسودها الكراهية و الغيرة والأنانية. علاقة ترغب فيها النسخة الشابة من القضاء على النسخة الأكبر سنا، بل تتقزز منها وتخفيها عن الأعين في غرفة مغلقة لا منفذ لها، لتصبح النسخة الأكبر عمرا مجرد مصدر للطاقة والمواد الحيوية للنسخة الشابة. إنها علاقة مريضة بالذات، وعلاقة مريضة بالجسد، ورغبة في البقاء بصورة شابة، حتى لو كان ذلك يعني الفناء سريعا. تصور فارغا في الفيلم الفزع الذي تشعر به المرأة إزاء تحولات الجسد مع تقدم العمر، خاصة مع ثقافة تكاد أن تلغي وجود المرأة مع تقدم العمر.
«المادة» فيلم لا هوادة فيه، فهو يصل بما يعرف باسم «رعب الجسد» إلى ما يتعدى فيلم «الذبابة» لديفيد كروننبرغ. في فيلم «نيئ» لجوليا دكورنو، كانت البطلة تقتات على لحم البشر كوسيلة للاغتراف من الحياة، أما في «المادة» فكانت سو تقتات على ذاتها الأكبر سنا بهدف الاحتفاظ بالشباب، ولكراهيتها لجسدها المتقدم، في العمر. ما نراه على الشاشة هو خليط من الدم والأحشاء، والقيء الأشلاء المتناثرة، وقد يتسبب ذلك في خروج الكثيرين من القاعة، لكن الذين يبقون، فسيجدون فيلما ممتعا جريئا وأصيلا في طرحه.
وما كان للفيلم أن يكون بهذه القوة والتأثير إلا بالقوة التي تؤدي بها ديمي مور دور إليزابيث. تنغمس مور في الدور كليةً، لتجسد لنا التأثير الفادح الموجع المدمر للصورة النمطية لجمال المرأة على حياة إليزابيث وعلاقتها بجسدها وعلاقتها بنسختها الشابة. بينما كانت تعليمات عملية الاستنساخ واضحة وجلية، أن الجسدين الشاب والجسد الأصلي الأكبر عمرا هما شخصية واحدة ووعي واحد في جسدين يعتمد بقاءهما على الالتزام التام بالتعليمات، إلا أن نقمة إليزابيث على نسختها الشابة تتزايد كل يوم، وتشعر بأن هذه المرأة الشابة تستحوذ على مجدها وماضيها، وهي في الوقت ذاته تبغض جسدها الأصلي.
«المادة» فيلم يعتمد على التفاصيل لإحداث تأثير كبير في نفسية المشاهد ووعيه. إليزابيث لا ترتدي طوال الفيلم سوى معطف واحد أصفر اللون، ويبدو لنا كما لو أن لونه وأناقته يخفتان مع كل مرة نرى إليزابيث ترتديه، ما يجعلنا ندرك أن هذا هو شعور إليزابيث إزاء جسدها وجلدها، فهي تشعر بأن جسدها يهترئ يوما بعد يوم. نرى مدير القناة التلفزيونية يلتهم القرديس التهاما ويلوكه في تلذذ مخلفا فقط الرأس والقشور، وهو ما يفعله مع إليزابيث، فهو يمتص نجاحها وشهرتها تماما ثم يلفظها في نهاية المطاف. تخلق فارغا أجواء من التقزز تتزايد وتتسارع في جنون، حتى نصل إلى المشاهد الختامية الدامية من الفيلم، التي يصل فيها رعب الجسد إلى ذروته. تذكرنا بعض المشاهد الدامية للفيلم بفيلم «كاري» لبرايان دي بالما.
«المادة» فيلم طويل نسبيا مقارنة بالعديد من أفلام رعب الجسد، لكن فارغا تمسك جيدا بناصية الأمور، وتطيل الفيلم بالقدر المطلوب لإحداث التأثير الذي تسعى إلى تحقيقه. على مدى ما يقارب الساعتين ونصف الساعة تبني فارغا رؤيتها وتسارع من إيقاع الفيلم ومن شدة تقزز المشاهد مما يراه. تخلق فارغا لدينا هذا التقزز الشديد إزاء السعي المحموم للاحتفاظ بالشباب وللخروج من جلدنا لنحصل على جلد بلا تجاعيد.