بيروت ـ «القدس العربي»: فيلم “بركة العروس” للمخرج باسم بريش يقع في خانة الانتصار لقضايا النساء وعلاجها عبر الشاشة الذهبية. فازت بطلته كارول عبود بجائزة أفضل أداء تمثيلي، عن دور سلمى. انها المرأة التي لا تتكلّم. تعيش وحيدة وكأنها تتقصد النأي عن الآخرين، يلفّها الشرود، وكأن جسدها ينوء بحمل ثقيل، وعقلها يدور في دوّامة ذكريات مرّة. يخرج ماضيها الأليم من قمقمه بوصول ابنتها ثريا التي أدت دورها الممثلة أمية ملاعب، مُطلّقة وحامل. لا حوار بين الأم والإبنة، يجمعهما الألم، لم تتلامسا ولو بقبلة عابرة أو سلام. لقاء افتقد عاطفة تربط أماً وإبنة. تضامنهما الإيجابي برز عندما ساعدت الأم ابنتها، بتمسيد بطنها للتخلُّص من بقايا الجنين. لحظة مثّلت أثقال الحياة. فاض حنان الأم، فغفت تحت قدمي ابنتها على السرير.
“بركة العروس” أجواؤه حزينة، مقتصد في الحوار، بديله ظهر بقوة التمثيل. بين استقلال سلمى في قرية نائية، ووصول ثريا، اهتزت الجذور. وانصهرت آلام الأم والإبنة، فتشكلت “بركة العروس” وما تحمله من تقاليد وموروثات.
مع باسم بريش هذا الحوار حول باكورته الروائية:
■ كان قرارك مفاجئاً بعرض بركة العروس في مترو المدينة؟
■ أخترت عرض الفيلم مرّة كل شهر في مترو المدينة، كونه نزل في الصالات مع بدء العدوان على غزة. المفاجأة بالعروض في المترو أن الحضور يفوق صالات السينما، ولهذا أسأل إن كانت الصالات التجارية ما تزال المكان المناسب لاستقبال الأفلام المستقلّة؟ الحضور بشكل عام يفوق المئة شخص في كل عرض، وهذا ما يُعتبر رائعاً بالمقارنة مع جمهور صالات السينما.
■ وهل ما يزال يُعرض في المهرجانات؟
■ بعد سنتين ونصف من أول عرض للفيلم، تراجعت المشاركة في المهرجانات، لكنه حضر بعرض حميم في 14 الجاري في بيت لحم في مؤسسة “بيت العجب”.
■ لماذا “بركة العروس” في أولى تجاربك الروائية؟
■ إنها فترة زمنية محددة من حياتي ألحّت كي أستعيدها. ولدت في السبعينيات من القرن العشرين، والثمانينيات كانت مسرحاً لطفولتي، التي ترافقت مع الحرب الأهلية الأشرس. كان والدي يعمل في بيروت، ووالدتي معلمة في قرية شوفية. خزّنت ذاكرتي صورة مجتمع بكامله نساء، الرجال بعيدون يشاركون بالحرب، أو يعملون في بيروت، أو خارج لبنان. كنت رفيقاً لوالدتي في المدرسة، والصبحيات، وجلسات العصر وجميعها نساء. استمعت لأحاديثهن عن أزواجهن، وخياناتهن، وأبنائهنّ. “بركة العروس” تحية لنساء تلك المرحلة وخاصة والدتي. نساء أنشأنّ عائلاتهن في غياب الآباء، وليس بالضرورة أن تكون تلك التربية هي الأفضل، فخلالها كان الرجل البعيد عن وطنه بهدف العمل يزور عائلته بالمناسبات، يترك أثراً بطفل جديد، ويمضي.
■ ما الأثر المباشر لتلك المرحلة بك؟
■ رغبت بالعودة إلى تلك المرحلة الزمنية ومن خلال عائلة مفككة نسبياً، تفتقد وجود رجل. ابنة شكّلت عائقاً في حياة والدتها التي وضعتها وربتها مرغمة. كبرت الإبنة، وفات الزمن والدتها وفقدت قدرة بناء حياة جديدة. أردت بحث الأمومة المؤلهة في مجتمعنا، في حين أنها شكّلت عبئاً على تلك الأم. ينشد الرجال القصائد في المرأة الأم، والمرأة الطبيعة، والأم المعطاءة ووو، وهذا ما أجده عبئاً ثقيلاً نحمّله للمرأة الإنسانة. تقوم الأم بكافة المسؤوليات الملقاة على عاتقها عاطفياً وإنسانياً، وبالمحصّلة الإبن البار والناجح إبن أبيه، والعاق والدته موضع الشبهات، إنه الإجحاف بحد ذاته. رغبت بوضع النقاط على الحروف، عن مجتمع عائلاته مفككة، بسبب غياب الرجل.
■ تراجع حجم الحوار لصالح حركة الجسد والصمت لدى بطلتي الفيلم. أليس خياراً مرهقاً للممثلتين وللتصوير أيضاً؟
■ انطلقت من أصل السينما حيث لا حوارات، من شارلي شابلن إلى باستر كيتون، ومن المعاصرين أذكر إيليا سليمان . عندما ينأى المخرج بنفسه عن الحوار سيبحث عن سرد من نوع آخر، يركز على الصورة، والامكانات الكامنة فيها. في موقع التصوير ما من أمر عبثي، بل كل تفصيل مدروس. لجأت لكافة السبل لينطق الصمت بتعبير الوجه، بإنفعال ما، وعبر الديكور، وحركة الجسد. بطلتان تجسدان الفيلم، والبطل الثالث هو الطبيعة، والرابع هو البيت. ديكور المنزل، وأيقاع التانغو الذي يسير وفقه الفيلم، شكّل محاولة لترك المتلقي يستعيد شريطاً ما من مجريات حياته. يمكن للحوار المختصر أن يشكّل ارهاقاً ولذة في آن، فيما تنطق الأشياء في مكان آخر. ولمكان التصوير انعكاسه على العمل. “بركة العروس” صوّر في قرية درزية حيث الناس باطنيون، وتعبير الوجوه يختلط بين تقدير إن كان هذا الشخص أو ذاك خارجاً من عرس أو داخلا إلى بيت عزاء؟ بيئة لا تعبّر، وتالياً الحكي في “بركة العروس” ثرثرة، وخارجة من السياق.
■ لماذا اعتبرت الفيلم تحية للمرأة؟
■ تحية للمرأة التي تحاول أن تعمّر حياتها بوجود طفلة وبدون وجودها في الآن ذاته. فالأم التي أمضت ردحاً من السنوات مع طفلتها إلى أن كبرت، شكلت أمومتها عائقاً لها. وضعت طفلة من شخص لا تحبه. كبُرت الطفلة وراحت تُحاسب والدتها لأنها لم تعرّفها إلى سبب غياب والدها. لم يطرق الفيلم هذا الجانب، لكنه أظهر الخلاف العميق بين الأم والإبنة، وركز على نتائج وجودهما معاً في مكان واحد. تواصل الفيلم عبر الأمل، فالأم مدّت يد المساعدة لإبنتها. تجالست المرأتان واحتستا القهوة، وحينها تخلصت الأم من أمومتها، وأصبحتا كما الأختين، إنها المصالحة مع الواقع.
■ كيف لفيلم فيه أم وابنتها وثالثهما المعاناة المشتركة أن يُنجز بهذا الجفاف العاطفي؟
■ صحيح والسبب غير واضح. ولتعزيز نقطة اللقاء أو مشهد الذروة في الفيلم، فقد كان لأي لمسة عاطفية أن تضعف اللحظة الأهم في الفيلم على صعيد البناء الدرامي.
■ ما هو أصعب مشهد في الفيلم؟
■ المطلوب من الممثلتين كارول عبود وأمية ملاعب كان شبه مستحيل. شكلتا جسراً متيناً للفيلم، بدونهما كنت سأضيع. ومن المؤكد أن مشهد الإجهاض هو الأصعب، عاطفياً وتقنياً. رجل قام بمهمة التصوير مع فريق، ودخل إلى خصوصية المرأة. لذلك أجد أن المطلوب من البطلتين كان جبّاراً في استخراج المشاعر بكل قساوتها ومرارتها. جميع المشاهد كانت صعبة، وأذكر منها أيضاً مشهد بركة العروس، فقد تمّ التصوير شتاء، وأي منا كان عرضة لأن يجرفه النهر الذي كان يجري بقوة مخيفة.
■ ماذا تقول لمن وصف الفيلم بالبارد والمعتم؟
■ بالتأكيد الفيلم ليس بارداً، فهو يفيض بالمشاعر. قد يكون لون الغرفة الأزرق بارداً، أكيد عندما ذهب اللون من وجه الإبنة الحامل سنكون أمام برودة. لكن الحرارة تخرج من جسد الممثلتين، ومن تعبيرهن، وتمثيلهن، والعتمة اختيار سينمائي بحت. المنزل الذي شكّل أستوديو التصوير شبه مهجور. الصالون بات ممراً لا يزوره أحد. تتلاحق الأحداث بين مكان عمل البطلة وحيث تتناول طعامها، وفي غرفة النوم، ولهذا ندرك أن حياة كانت في المكان، وانتهت، أجواء بكليتها تحتاج إلى العتمة.
■ المُشاهد التقليدي يطلب كلاماً لمن صنع باسم بريش فيلمه شبه الصامت؟
■ للجميع. قصة الفيلم واضحة وصريحة، من يتابعه يدرك مقاصده. نحن حيال امرأة تعيش وحيدة، وترافق حبيبها في بعض النزهات، في منتصف الفيلم تفاجئها ابنتها بالعودة إليها لتخبرها أنها مطلقة وحامل. وتتم المصالحة بينهما بطريقة أو بأخرى. لو أطلت الحوار والتفسير لفقد الفيلم التشويق. سينما الثمانينات الأوروبية أو الأمريكية قليلة الحكي. ليس صحيحاً التعامل مع الجمهور وكأن وعيه منقوص، وإنه لا يفهم سوى بالكلام، وهذا ما أعتبره مخيفاً. لو أردت عرض الفيلم على نتفليكس لنفّذته بمزيد من الشرح، وبتقطيع سريع يشبه الحياة التي نعيشها. برأي هي ثقافة فارغة تشبه النظام الرأسمالي السريع الذي يعتمد التكثيف.
■ وماذا عن الجمهور عايز كدا؟
■ الجمهور بالانتظار يتلقى ما يُعطى له، يلازم منزله ويتحكم بشاشته الصغيرة وحيث ينجذب يركز نظره. إن كانت الأفلام السريعة مطلوبة فكثر يقومون بالمهمة من دون أن يحارجهم أحد.
■ أنت حيال فيلم مؤلف وليس فيلما تجاريا؟
■ طبعاً، وهو بطول ساعة و20 دقيقة، زمن مثالي.
■ ألم يراودك موضوع شبّاك التذاكر؟
■ ليس كثيراً. للمنتجة أن تتحدّث بهذا الأمر. المنتجة جنى وهبة كانت إلى جانبي، ولها أحلى تحية. اتفقنا بالعمل سوية بعد رفض العديد من المنتجين، فهم يعرفون أننا حيال فيلم غير جذّاب بما يكفي للمؤسسات الداعمة، فالمطلوب منا كمخرجين لبنانيين أن نحكي عن النفايات، والحرب، والذكريات وما نعيشه الآن، لكني لا أعمل وفق الطلب.
■ ماذا تقول لك الأفلام التي صنعتها المرأة عن المرأة؟
■ “بركة العروس” فيلم عن المرأة أنجزته بوعي تام بأني خارج الإطار، فالكاميرا كان لها على الدوام دور المراقب. لحظة الإجهاض اقتربت من البطلتين، كانت المسافة واضحة بيننا ولست أدعي بأني امرأة. فيلم عن المرأة من وجهة نظر رجل، من المؤكد أن إحساساً آخر سيظهر على الشاشة لو كان الفيلم لمخرجة، قد تكون المرأة أكثر قرباً، وأكثر حناناً، وأكثر رقة. أعترف بالاختلاف بين إحساس المرأة والرجل في السينما، وهذا يعود للتربية والثقافة التي تتلقاها المرأة والرجل.
■ قبل قراءة الجنيريك شعرت بغسّان سلهب في نصك. لماذا تعاونت معه؟
■ صحيح كتبت السيناريو بالتعاون مع غسان سلهب، درست السينما، وما تعلمته من غسان أكثر بكثير. كذلك تعلّمت الكثير من إيليا سليمان. غسان شريك النص. نحن حيال فيلم لا يقاربه كثيرون في بلدنا لكنه منتشر في أوروبا وغيرها. لبنان يشجع الفيلم التجاري، وتنأى الصالات عن فيلم المؤلف، ولا تسوق له.
■ حاز الفيلم على سبع جوائز فماذا قالت لك جائزة مهرجان القدس للسينما العربية؟
■ إنها الأغلى. علاقتني بفلسطين وطيدة منذ الطفولة، تشرّبتها من والدي. وفي هذا المهرجان نال بركة العروس جائزة أفضل فيلم روائي.