«أليس» تتذكر لبنان بأجمل مما كان والحنين يكبلها
بيروت ـ «القدس العربي»: «تحت سماء أليس» فيلم للمخرجة الفرنسية-اللبنانية كلوي مازلو يطل على الحالة اللبنانية الفريدة من خلال عائلة يغمرها الحب والإلفة لكن الحرب تداهمها فتتغير الأحوال. تقدّم المخرجة الفرنسية الشابة لبنان من خلال جدتها السويسرية التي عاشت فيه من الخمسينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي، وإختبرت مراحل مهمة من الحرب الأهلية. تزوجت الممرضة السويسرية بأستاذ فيزياء يحلم بإطلاق أول صاروخ لبناني إلى الفضاء. إنها «أليس» التي فتنها وطن زوجها، وتآلفت كلياً مع مقتضيات الحرب الأهلية عندما اندلعت فجأة في نيسان/ابريل 1975 وكان صعباً أن تعود إلى وطنها سويسرا من جديد.
«تحت سماء أليس» فيلم يمتد لساعة ونصف مزجت خلاله كلوي مازلو بين الصورة السينمائية الكلاسيكية، والرسوم المتحركة. حكمت الفكاهة اللطيفة الروح السينمائية للفيلم، حتى أنها ألبست عناصر الميليشيات شكلاً كاريكاتوريا، قنّعت وجوههم بشكل ساخر، وجعلتهم متقاربين يتبادلون الأدوار من دون إطلاق نار من مسافة صفر.
إلى جانب الممثلة ألبا روهرواشر التي أدت دور «أليس» بعفوية مطلقة، تميز الممثل وجدي معوض بدور «جوزف قمر» فكان الحبيب والأب والباحث الطموح، والجار الودود. خياران ناجحان لشخصيتي الفيلم الأساسيتين، إليهما أضيفت خيارات الممثلين الآخرين مما جعل الفيلم بروح لبنانية صافية. وفي هذا الفيلم تبقى «أليس» ذات النشأة السويسرية بمنأى عن الإنقسامات الداخلية اللبنانية. وفي مشهد كوميدي مرير نراها ترجو الله وبحُرقة أن يُلهم كافة الطوائف المتقاتلة كي تكفّ عن الحرب، وعندما تبدأ بتعدادها تضيف إليها الهندوس وآخرين.
بقصد أو بدون قصد فإن التجسيد الكاريكاتيري لأرزة لبنان من قبل المخرجة كلوي مازلو له وقعه في مرحلتنا الحاضرة كلبنانيين. كذلك دخل سيناريو الفيلم في التفاصيل التي شهدتها الحرب، منها الشائعات التي كانت تلعب دورها في تجييش النفوس، لكنّ «أليس» حافظت على مسافة منها ولم ترعبها أو تأخذ بها. وبخلاف مشهد اقتحام منزل آل قمر سنة 1976 من قبل من أسماهم الفيلم الجيش السوري وتفتيشه والعبث به، لم نكن أمام أي مشهد سياسي. مع العلم أن الجيوش التي دخلت لبنان حينها كانت تُعرف بـ«قوّات الردع العربية».
«تحت سماء أليس» يعرض للحرب الأهلية من خلال عين محايدة وعاشقة لسيدة سويسرية رأت لبنان جميلاً وتتمنى الاستمرار بقناعتها هذه والصورة الجميلة التي في خيالها. فيلم نراه الآن ونحن في إنحدار غير مسبوق، نشعر بأنه ومن خلال لطف المعالجة وطيب المعشر الذي يخيم على ناسه، أنه لا يشبهنا. لكنه مبهج بألوانه جميعها. وبديكوراته وأزيائه، وله مهمة تذكير من يتذكّر بالماضي الجميل. وربما يشكّل هذا الفيلم حاجة للمتلقي بمغادرة واقعه ولو لزمن محدود، عبر الوقوف على ما كان.
كلوي مازلو مخرجة تعيش في فرنسا، أختيرت أفلامها القصيرة للمشاركة في العديد من المهرجانات الفرنسية والدولية، وعُرضت على شاشات تلفزيون «فرانس 2، وكانال+» ونالت العديد من الجوائز. في العام 2015 فاز فيلمها Les Petits Cailloux بجائزة سيزار كأفضل فيلم رسوم متحركة قصير. Sous Le Ciel D’Alice مع الممثلين ألبا روهرواشر ووجدي معوض هو فيلمها الطويل الأول، وقد عُرض في أسبوع النقاد في مهرجان كان للعام 2020. انطلق في الصالات اللبنانية في الأول من هذا الشهر الجاري.
مع كلوي مازلو هذا الحوار:
○ يفيض فيلم «تحت سماء أليس» حباً للبنان. اللبنانيون يهاجرون بالمئات في مرحلتنا الحاضرة فكيف تفسرين سباحتك عكس الأمواج؟
•عندما بدأت كتابة السيناريو سنة 2015 كان الوضع في لبنان مختلفاً. كان ممكناً حينها أن نتحلّى بالإيجابية وأن نتوقع حالا أفضل في لبنان وفي زمن قد لا يكون بعيداً.
○ وهل أنت حزينة لأن الرغبات الإيجابية لم تتحقق بل ما حصل عكسها تماماً؟
•نعم. وليس في المتناول رؤية حل في المنظور القريب لهذا الواقع المعقد. وفي نفس الوقت لم أكن فقط أهدف للتركيز على النوستالجيا في الفيلم.
○ ومع ذلك كان الحنين ظاهراً وبقوة؟
•والسبب أني كبرت مع هذا الحنين.
○ غلبت مشاعر الحنين على مجمل المشاهد التي ظهرت فيها «أليس». هل أرضاك هذا المسار وأنت المتأثرة بحكايات جدتك؟
•إنه نوع من مزيج. نشأت مع والديَ اللذين غادرا لبنان وهما في مطلع الشباب وهذا الحنين كان يلفهما على الدوام. هو الحنين لوطنهما، ولمرحلة كبيرة من حياتهما عاشاها فيه. حضر الـ«فلاش باكس» للإشارة إلى مشاعر «أليس» وبأن الحنين يلفّها. وجهة النظر التي أردت التركيز عليها أننا حيال ذكريات «أليس» ورؤيتها غير الواقعية. فهي لا تتذكر الأمور كما كانت عليها، بل أجمل. إذاً هي ذكريات «أليس» الملونة وغير الواقعية. الحكايات والأخبار التي سمعتها من جدتي ومن والديَ كانت على الدوام تضحكنا جميعاً وتسّرنا. جميعهم رغبوا بأن تبقى صورة لبنان كما يعرفونها دون أي تشويه يلحق بها. لم يرغبوا بصورة قاسية، بل إنحازوا لصورة تؤدي بمن يراها لأن يُغرم بلبنان.
○ وهل وقعت أنت بهذا الغرام؟
•جدتي ووالديّ أرادوا لبنان وطناً فيه سحر بنظر أبنائهم. طفولة والدنيا مختلفة جداً عن طفولتنا. لقد تركونا أنا وإخوتي نحلم كثيراً بلبنان.
○ وماذا عن جدتك الآن؟
•إنها بعمر الـ92 سنة. وعندما شاهدت الفيلم كانت ردة فعلها الأولى «قصير جداً». رغم أنها مقلّة في التعبير لكنها أضافت بأنها لأول مرة ترى فيلماً يعبّر عن ما عاشته. وعندما أخبرتها بأنه مستوحى من حياتها أجابت بنعم فقط. فأنا أعرف أنها لم تكن ترغب أن تكون حياتها في الفيلم واضحة كثيراً.
○ متى غادرت أليس لبنان؟ هل كما ورد في الفيلم سنة 1976؟
•في الحقيقة غادرت جدتي لبنان سنة 1986 والسبب تدهور كبير بسعر الليرة اللبنانية وخلوها مع جدي من أي مال. كان جدي قد تقاعد ولم يعد لديهما المال الكافي لدفع إيجار المنزل. لهذا كان الإستقرار في سويسرا حيث عائلة جدتي هو الحل الأمثل لحياتهما.
○ وهل كانت حكايا الجدة كافية لكتابة السيناريو أم كانت لك أبحاثك الخاصة؟
•شكلت العائلة من جدتي ووالدي نقطة الإنطلاق، كما ساعدتني في وضع هيكلية للسيناريو من شأنها أن تصيب المشاعر. عندما كنت بصدد البحث وقراءة حدث ما كنت أسأل نفسي كيف لإنسان أن يَشعُر حياله؟ ومباشرة كنت أقصد عائلتي للوقوف على مشاعرها. إذاً مساعدة عائلتي كانت مهمة لجهة المشاعر الحقيقية التي عايشوها خلال الحرب. كتبت السيناريو بمشاركة ياسين بداي، بحثنا في التفاصيل للحصول على صورة كاملة، ولكي تكون الأحداث متواصلة.
○ وصلتنا من خلال الفيلم صورة سينمائية جميلة وبليغة التعبير. ما هي العناصر التي أردت إبرازها؟
•رغبت بأن يشعر المشاهد أنه يتابع صور ألبوم عائلي، وأن تكون الصورة غنية بالحميمية والدفء، ولهذا لم نعتمد تصوير الديجيتال. واهتمت مسؤولة الملابس بالتفاصيل الخاصة بكل شخصية وبحثت عن المناسب لها. ولهذا كانت ملابس جوزف وأليس ناعمة وهادئة، وتميزت ملابس الآخرين بقوة ظاهرة وفق حركتهم وطبيعتهم.
○ ألوان ملابس الشخصيات التي اجتمعت في منزل آل قمر كانت نقيضاً للحرب التي كانت تدور في الخارج؟
•يشاهد الفرنسيون الحرب في لبنان من الخارج، لكنهم مطلقاً لم يشاهدوا الحياة داخل المنازل. صورة بيروت بشوارعها المحطمة معروفة من الجميع. لقد شاهدنا الحرب كفاية، ومن جهتي رغبت بالولوج إلى هذه العائلة لاكتشاف هذا المحيط الدافئ والذي يفيض حباً، وهو عندما سينكسر سيشعر به المشاهد بدون شك. وتالياً الصراع بين البقاء والرحيل والإنحياز للبقاء من وجهة نظري، في أحد أسبابه الرغبة في مواصلة العيش داخل تلك المنازل التي تفيض حباً ودفئاً.
○ أشعر وكأنك قدمت هذا الفيلم لإرضاء رغبة دفينة داخلك وليس فقط لكونك صانعة أفلام تبحثين عن عنوان؟
•هذا صحيح وعلى أكثر من مستوى. قبل الكتابة جالست جدتي كثيراً وطرحت عليها مئات الأسئلة وهذا ما ساعدني في فهم دينامية العائلة. ومن ثمّ بت أكثر تفهماً لوالديَ، وأكثر إدراكاً كم كان صعباً عليهما شقّ حياتهما في فرنسا، في حين أن كافة عائلتيهما في لبنان. أبحاثي قبل كتابة الفيلم ساعدتني كي أعي مشاعر أبي وأمي بشكل أكبر، وساعدني شخصياً على تحقيق مزيد من السلام الداخلي الذي كنت أحتاجه. فما أعرفه أن أمي وأبي لم يتمتعا كفاية في حياتها، كانا يكتفيان بأسبوع راحة واحد في العام، بعد عمل يمتد لستة أيام في الأسبوع. وهكذا لم يكن هناك مكان للرفاهية والحب والحنان. أظنهما عاشا عقدة ذنب لأنهما إبتعدا عن وطنهما وعاشا بسلام فيما لبنان غارق في الحرب. خاصة وأن المرحلة كانت خالية من التواصل سوى القليل من الإتصالات الهاتفية. لهذا كانا على الدوام في حالة تخيل لما قد يحصل لمن يعرفوهما، وللأماكن التي كبرا فيها.
○ وهل تبدل شيء في مسار حياة والديك حين تحدثت معهما بهذا الوضوح؟
•يعيش كل من أبي وأمي عقدة ذنب أنهما أنجبا أربعة أبناء بعيداً عن جذورهما. أردت القول لهما من خلال الفيلم أننا اكتسبنا منهما الخيال اللبناني الرحب الذي كان يسيطر على حكاياتهما. وأن هذا الخيال رافقنا طوال فترات لعبنا ولهونا معاً، عندما كانا يغيبان في العمل.
○ كيف ولماذا ألبست عناصر الميليشيات هذا الشكل التنكري؟ هل يأتي ضمن السياق الكوميدي فقط؟
•لأني هكذا تخيلت الحرب في صغري ولم أرغب بأن يكون لهؤلاء وجوه، وكي لا يقال أن الحرب هي بسبب نوع محدد من الأشخاص. عندما بدأ «الكاستينغ» كنت أسمع من يعلّق على بعض المشاركين «هذا شكله ميليشياوي». برأيي كل إنسان يمكنه أن يكون ميليشيا، لهذا لم أرغب بوجه لهؤلاء. في الحقيقة الممثلون في الفيلم هم من قاموا بأدوار الميليشيا.
○ هل كان صعباً «الكاستينغ» في لبنان؟
•بل جرى في فرنسا واستغرق وقتاً طويلاً. كنا حيال عائلة ويفترض وجود تشابه بين أفرادها. كان سهلاً لأن الإختيارات كانت كثيرة.
○ ولماذا اخترت بشّار مار خليفة لكتابة الموسيقى التصويرية؟
•لأني شاهدت إحدى حفلاته وعشقت موسيقاه وعندما بدأت الكتابة تواصلت معه للعمل سوياً. وهو حقيقة قدّم عملاّ جميلاً جداً وبشهادة كثيرين. في السائد أن ابراهيم معلوف هو من يكتب الموسيقى التصويرية لكل فيلم يتحدث عن العالم العربي. لكني رغبت بالتغيير.
○ هل حقق الفيلم نتائج جيدة لدى عرضه في صالات فرنسا وأوروبا؟
•نعم. قدمت الفيلم في فرنسا في شهر حزيران/يونيو. ومن ثمّ سافرت لتقديمه في المغرب وبعدها تركيا. في كل مكان كانت ردة الفعل مختلفة. ففي فرنسا يعني لبنان الحرب. وفي المغرب يرون اللبنانيين محبين للحياة، وهم يحترمون حضورهم على مستوى الفنون كافة. إذاً كان من الطبيعي لديهم تقديم فيلم فيه رقص ورسم تشكيلي. أحب الفرنسيون خاتمة الفيلم، فيما لم يوافق عليها المشاهدون في تركيا.