كان ـ «القدس العربي» : عند دخولنا لقاعة السينما لمشاهدة العرض الصحافي لفيلم «تيتان» للمخرجة الفرنسية الشابة جوليا دوكورنو، المنافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان في دورته الرابعة والسبعين، كنا نتوقع أن نشاهد الكثير من الدماء والعنف والتقزز، التي قد تدفع الكثيرين لمغادرة الفيلم، حيث تأتي دوكورنو مسبوقة بتذكرنا لفيلمها السابق «نيء» بما فيه من التلذذ بأكل لحوم البشر، الذي أدى إلى خروج الكثيرين أثناء العرض لعدم تحملهم مشاهده الصعبة.
لكن حتى ذلك النوع من التأهب النفسي، لم يكن ليجعلنا مستعدين لمشاهدة جديدها «تيتان» وهذا المزيج الغريب للغاية من العنف والتقزز والجموح الجنسي والضعف البشري والاحتياج الإنساني، وتلك الرغبة الملحة في أن نداوي الجراح النفسية لبطلته، رغم ما تسفكه من دماء. نجفل وربما نغمض أعيننا بضع ثوان لتجنب العنف والدماء المتفجرة على الشاشة، لكننا في الوقت ذاته لا نستطيع التوقف عن المشاهدة، ونتعاطف كل التعاطف مع بطلة الفيلم. ما يلح علينا طوال الفيلم، هو ذلك الشعور في الرغبة في مواساة بطلته، رغم أنها سفاحة وقاتلة. وفي الوقت ذاته نجدنا متورطين في الإعجاب بهذا الفيلم، الذي نرى فيه مشاهد لبطلته تمارس الحب مع سيارة بعد أن تفرغ من قتل عدة أشخاص. ولا يسعنا إلا القول إن دوكورنو، جاءت إلينا في «تيتان» بصنعة إخراجية متقنة للغاية، وبفيلم يفوق غرابة فيلمها الأول بمراحل كثيرة.

المخرجة جوليا دوكورنو تتوسط بطلي فيلم «تيتان»
يبدأ الفيلم وبطلته ألكسيا طفلة صغيرة، تجلس على المقعد الخلفي في سيارة أبيها، الذي يقود السيارة ويستمع إلى الموسيقى، دون أن يعيرها أي اهتمام، تحاول لفت انتباهه دون جدوى، لكنه يواصل العبوس وتجاهلها. تواصل الصغيرة محاولاتها في جذب انتباه والدها، فيثور غضبه ويحاول أن يوبخها، وينظر إلى الوراء لتعنيفها، ويفقد سيطرته على السيارة. ثم نرى ألكسيا في المشفى بعد أن تهشمت جمجمتها في الحادث، لتركيب شرائح تايتينيوم لترميم رأسها المهشم. ثم ينقلنا الفيلم إلى الحاضر، حيث أصبحت ألكسيا شابةوعارضة وراقصة، تمارس رقصات مثيرة بصحبة سيارة، ويلعب دورها أغاثا روسيل، في أداء مميز يجمع بين الصرامة والعنف البالغ، والضعف الشديد والرهافة النفسية، التي تبعث على التعاطف. ترقص ألكسيا بحسية كبيرة، لكنها رغم شعرها الطويل تبقي جانب رأسها حليقا لتظهر للجميع موضع شريحة التايتينيوم في جمجمتها، كما لو أنها قد تحولت بأكملها إلى هذا المعدن شديد الصلابة. هي امرأة سيرى من يحاول إيذاءها ذلك الجانب الصلب الحاد القاطع من شخصيتها.
ربما لا يجيب الفيلم على جميع تساؤلاتنا، ربما تبقى ألكسيا شخصية غامضة بالنسبة لنا، ويحيط بالكثير من نوازعها الصمت، لكن ربما هذا الغموض المحيط بألكسيا هو الذي يجذبنا إليها وهو الذي يجعلنا نخطو إلى عالمها بكل ما فيه من أسرار وجنون.
تمارس ألكسيا رقصتها المثيرة أمام السيارة، وتتأود وتتمايل، بينما يتجمع حولها جمهور من الرجال. وحين يتمادى أحدهم، فإن لألكسيا أسلوبها الخاص للتخلص منه، تخلص لا رجعة منه ولا عودة فيه. ألكسيا معدنها التايتينيوم، الذي يعطي الفيلم عنوانه، ولهذا يجذبها المعدن. وفي مشهد سيخلد في الذاكرة طويلا نجد ألكسيا في كامل نشوتها وشبقها تمارس الحب مع سيارة. لكن هذا الجموح الذي اتسعت له الأعين دهشة، وفغرنا بسببه الأفواه ليس كل ما في جعبة دوكورنو من مسببات الصدمة، حيث تبدأ ألكسيا ليلة جامحة من القتل وسفك الدماء، ورغم العنف البالغ، إلا أننا تفلت منا الضحكات أحيانا من فرط اندهاشنا وصدمتنا. لا تقتل ألكسيا كراهية، لكن يبدو لنا أن لديها نزعة لا يمكن السيطرة عليها، أو كبحها، ربما هي التعبير عن افتقار نفسي لحنان أبوين أهملاها طويلا، فتحولت إلى العنف، ربما خلل أصابها إثر تركيب شريحة التايتينيوم، وربما الأمر استمتاع بالعنف.
تبحث الشرطة عن مرتكب جرائم القتل تلك، وتقدم الشرطة رسما تخيليا للجاني بناء على وصف شهود، وتكاد الصورة تتطابق مع وجهها. وهنا تجد ألكسيا منقذها بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. في محطة قطار وفي شاشات التلفزيون تجد ألكسيا إعلانا عن طفل فُقد منذ عشرة أعوام يدعى أدريان، وتقدم الشرطة صورا لما قد يكون عليه الآن بعد عشرة أعوام. تقص ألكسيا شعرها، وفي مشهد بالغ العنف أجفلنا له، تتحول إلى صورة تكاد تطابق تخيل الشرطة للصبي الذي غاب منذ أعوام، والذي أصبح شابا. تتحول ألكسيا إلى إدريان، الذين يتوق والده، فانسان، القائد في قوات المطافئ (الممثل القدير فانسان لاندون) إلى لقائه. يبدو لنا أن فقد الابن كاد أن يُجهز نفسيا على الأب، رغم صرامته الخارجية. هو أب هش للغاية يحتاج أن يحنو على ابنه الذي يبحث عنه منذ أعوام، على النقيض التام من والدي ألكسيا.
وبينما تتحول ألكسيا بألم بالغ إلى أدريان، يتحول الإطفائي الصارم إلى أب حنون يتقبل ابنه، رغم صمته وجفافه العاطفي. لكن ألكسيا، التي تحولت إلى أدريان، تخفي سرا بداخلها، سرا تلف له جسدها باللفائف الضاغطة وتخفيه عن الأعين، سرا تحاول التخلص منه لكنه يبقى وينمو جنينا في داخلها.
تتعامل دكورنو مع كل التحولات والتناقضات بذكاء شديد وبانفتاح كبير، فأليكسا المرأة الصارمة، تختفي في داخلها رغبة كبيرة في الوصول إلى الحب وإلى من يحنو عليها. وأدريان، ذلك الشاب الذي تحولت إليه، يبحث أيضا عن حب الأب وعن العائلة التي تحتضنه وتتقبله. وألكسيا وأدريان يتعلمان بمرور الوقت حب هذا الجنين الذي ينمو في أحشاء ألكسيا والذي تخفيه عن الأعين. وهذا الأب المكلوم، فانسان، لديه من الحب والتقبل الكثير، فهو يحب أدريان ويعطيه الاهتمام الكامل عندما كان صبيا، رغم منظره المرهف الذي يشي بميول مثلية يلاحظها رجال الإطفاء، ويتقبل ألكسيا ويحبها عندما يكتشف أنها فتاة تخفي حملها. نشاهد في الفيلم مشهد ولادة لا ينسى، مشهد ألم وحنان وخلاص وحب أب ومحبة أم لطفلها الذي أنكرته وحاولت التخلص منه طويلا.
ربما لا يجيب الفيلم على جميع تساؤلاتنا، ربما تبقى ألكسيا شخصية غامضة بالنسبة لنا، ويحيط بالكثير من نوازعها الصمت، لكن ربما هذا الغموض المحيط بألكسيا هو الذي يجذبنا إليها وهو الذي يجعلنا نخطو إلى عالمها بكل ما فيه من أسرار وجنون. يقال إن العبقرية والجنون بينهما فاصل هش، وفي «تيتان» نرى فيضا من عبقرية دوكورنو وإبداعها كمخرجة وتحكمها الكبير في أدواتها، لكننا نرى أيضا الكثير من الجنون الذي ننتظر المزيد منه.