«حبل غسيل» عنوان واحد لفيلمين روائيين قصيرين، الأول هو الفيلم الأردني للمخرج الشاب عمر خريسات، الذي تكلف إنتاجه 50 دولارا أمريكيا فقط، وصار واحداً من الأفلام العالمية التي حصدت العديد من الجوائز وشاركت في أكثر من مهرجانان دولي، وتدور أحداثه حول معاناة شاب مع زوجة أبيه. أما الثاني فهو الفيلم المصري المحلي لكاتبه ومخرجه أسامة عيسى، ورغم التشابه في العنوانين، إلا أن التجربتين مختلفتان تماماً، وبالقطع ليست هناك ثمة شبهة في الاقتباس، سواء من الفيلم المصري، أو الأردني، لكن الصدفة فقط هي التي وحدت العنوان في الفيلمين، فحبل الغسيل المصري يطرح قضية محلية بامتياز تدور أحداثها في إحدى قرى الصعيد، وتمس بالتحديد مسألة ختان الإناث، والجدل الدائر حولها بين طرفين اجتماعيين ينتميان لثقافتين متضادتين، علماً بأن المحيط الاجتماعي واحد والمنبع الثقافي واحد أيضاً.
ولعل هذا التضاد هو ما جعل للتجربة السينمائية البدائية أهمية، رغم بساطتها الشديدة على مستوى الحبكة الدرامية والتناول واجتهادات الممثلين المبتدئين في تجسيد أدوارهم، ومحاولتي الكتابة والإخراج لأسامة عيسى، بالإضافة إلى سعي جوزيف فوزي لكتابة سيناريو وحوار متميزين، لكن واقع التجربة المتواضعة فرض نفسه، فلم تزد عن كونها حالة تجريبية لمجموعة شباب يهوون السينما، ويبحثون لأنفسهم عن موضع قدم فوق مسطحها الواسع، وهو حق مكفول لهم بكل تأكيد، لكن الحق مشروط دائماً بالموهبة والرغبة وحدها لا تكفي لنيل الحقوق وتحقيق الأماني.
الفيلم تعكس فكرته احتجاجاً واضحاً من جانب صُناعة على عادة ختان الإناث المتوارثة في الريف المصري، والمُتسببة في كثير من الأحيان في جرائم قتل لفتيات صغيرات في عمر الزهور، وحسب الاعتقاد الشعبي السائد يُمثل الختان بالنسبة للأنثى عفة وطهارة، ويجعلها بمنأى عن أي خطر إذا ما بلغت سن الزواج، وصارت مطمعاً، حيث يُهدئ الختان من شعورها برغبتها في فترات النضوج والفوران، إلى أن تتزوج وتصير في عصمة رجل يحتويها ويحميها. لذا تُفضل الأمهات المُنتميات للثقافة البيئية والشعبية نفسها، تحصين بناتهن بالختان بطريقة جراحية بدائية تُجريها عادة واحدة من نساء القرية الخبيرات في هذا الشأن يُطلق عليها اسم الداية، وهذه الدايه لا تتمتع بالحد الأدنى من التعليم أو الثقافة، غير أنها تمارس المهنة بالوراثة وهو جُل الخطورة في عملية القتل البطيء أو السريع للفتيات القرويات الصغيرات، ولا يخضع عمل الداية أو الختان ذاته لأي رقابة، وليس له أي مرجعية طبية في قرى الصعيد سوى الخبرات المنقولة من جيل إلى جيل، وحين ما تحدث الكارثة وتموت واحدة من الفتيات يكون مرد ذلك للقضاء والقدر ولا مسؤولية على أحد!
يقدم فيلم «حبل غسيل» جانباً من هذه المأساة المتكررة فمن لم تمت بالختان تعيش بقية حياتها في غُبن وضجر، لأن ما جنته الأمهات يظل باقياً في ذاكرة الفتاة مهما تقدم بها العمر، حتى بعد أن تصير زوجة وأما لا تنسى حادثة ختانها بقسوتها وتداعياتها النفسية والعصبية، وانتقاص الشعور الطبيعي لديها بالمُتعة الحسية التي فُطرت عليها.
يشير الفيلم بلغة التلميح تارة والتصريح تارة أخرى إلى القهر الذي تواجهه المرأة، جراء هذه العملية القسرية في فترات طويلة من حياتها الزوجية، فالزوج الذي يطلب الطاعة والرضا، لا يرحم ضعفها ولا يرى في ما فقدته هي بشكل شخصي غضاضة، بل إنه يكرر الجريمة ذاتها مع بناته، فيُلقي بهن بين أيدي الداية، مُستسلماً لجهالة المجتمع ووصايا النساء العجائز من أهل القرية، التي دأب أهلها على قمع البنات من سن البلوغ إلى سن اليأس بدعوى الحفاظ عليهن من المخبوء، الذي يجلب الفضيحة والعار إذا ما وقع المحظور ففقدن أعز ما يملكن.
الصور الكلية للموضوع واضحة بشكل يُغني عن أي تدقيق في مغزى الحوار، أو الوصول إلى المعنى المراد استهدافه بالاستنتاج، وربما مثلت هذه المُباشرة ضعفاً شديداً في السيناريو والحوار، لاسيما أن المخرج لم يستطع مداواة هذا العيب أو تخفيفه، فصارت الحكاية من بدايتها تُنبئ بالتفاصيل، كأن ما كُتب من صور درامية تم تدشينه لصناعة فيلم توعوي إرشادي لخدمة المواطنين، في برامج وزارة الصحة المصرية، فضلاً عن أن الكثير من الجُمل الحوارية اتسمت بالسطحية والفجاجة، ناهيك من الأداء التمثيلي المُبالغ فيه والقريب من الكوميديا في معظمه باستثناء الاجتهاد الشخصي للبطلين الرئيسيين، أسامة رؤوف وسماح زكريا اللذين حاولا قدر استطاعتهما معايشة أدوارهما ليبتعدا عن الأداء الفكاهي المُضحك.
التجربة في سياقها البسيط تُعد مقبولة إذا ما تم تقييمها بوصفها بداية لكل العاملين فيها، بمن في ذلك الفنيون والتقنيون فليس مطلوباً من هواة مبتدئين أن يكون أداؤهم احترافياً.. يكفيهم فقط الاجتهاد.
كاتب مصري