فيلم «حرب باردة» للبولندي بافل بافليكوفسكي: حالة باراجانوف وبدو الصحراء

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: أرمينيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي، الذي بانهياره بدأت تستعيد صورتها التي طالما أُجبرت على نسيانها، تاريخها وحضارتها. الفكرة تبدو كتغييب متعمد لذاكرة شعب عريق.

منذ عام 1920 وحتى 1991 كان السطو المُمَنهج على الذاكرة، وكانت هذه المساحة بناسها وتقاليدها مجرد كيان منقوص تابع لدولة كبرى، تفرض ما يجب اتباعه من تعليمات وفروض، وأي خارج عن هذه الطاعة، لا أمل له في النجاة. هنا يتسرب صوت هادئ، وفي الوقت نفسه صادم وقوي، فارق اللحظة التي تعيشها بلاده، واستعصم بتاريخها وحكاياتها الشعبية والأسطورية، مخرج سينمائي اسمه سيرجي باراجانوف (1924 ــ 1990)، نفى الاتحاد السوفييتي من مخيلته، وأشعلها فقط بذكريات وتاريخ يحرص الجميع على نسيانه، فلم ينسه الرفاق في موسكو، وناله منهم ما ناله من غضب آلهة الكرملين. رغم إنجازه أهم الأعمال في تاريخ السينما، من قبيل «سيات نوفا» و»ظلال الأجداد المنسيين»، حينها أدرك أهل أرمينيا أن لهم تاريخاً وحكايات ومخلوقات جديرة بالتأمل والتبجيل، بخلاف ما يسمعونه من حكايات واسماء ومناضلين لا ينتمون لهم، فقط أسماء نالت قداستها بالتواتر ككل مقدس مزيف. ولا أدعى من تذكّر حالة باراجانوف عند مشاهدة فيلم «حرب باردة» للبولندي بافل بافليكوفسكي، الذي يكاد يسرد الحكاية نفسها، ولو من وجهة نظر أخرى.

فيكتور وزولا

فيكتور مؤلف موسيقي وجامع للتراث الموسيقي البولندي ــ الشعبي ــ وزولا مطربة شابه تحاول أن تجد طريقها من خلال فرقة تعيد إنتاج أغنيات الناس. يقع فيكتور في حب زولا، تتصاعد نغمة هذا الحب، متآلفة مع نغمات منسية أبهرت الجميع، إلا أن الصخب والنجاح لا يمكن أن يقتصرا على عاشقين أو شعب معين. وما بين امرأة مستغَلّة وتراث غنائي تتم المتاجرة به وتشويهه لصالح رجال الكرملين، وعلى رأسهم ستالين، فلا أمل سوى الفرار من هذا الجحيم.

وإن كان الفيلم يستدعي وقت الحرب الباردة ليحكي حكايته، إلا أنه يصلح لسرد حكاية عن الهويات الضائعة، ولعبة الخسران المعهودة لكل صوت مختلف.

جحيم التكرار

على مدار عشرين عام تتواتر محاولات اللقاء بين الاثنين، قد تستمر فترة توحي باستقرار وهمي، وقد لا تبقى سوى لحظات مختلسة. ينجح فيكتور في الفرار إلى فرنسا، بينما ترتعب زولا من المخاطرة، وترتبط رسمياً بأحد رجال السلطة أو المتمسحين بها ــ نموذج موجود في كل النظم القمعية ــ حتى لو كان مديرا لفرقة استعراضية. وتستمر رحلات الفرار ثم العودة، والفشل في الخارج، والشعور بالتيه والفقد أكثر، فالأمر ما بين غياب وموت. حتى محاولة التواجد في باريس، أملاً في إيجاد بديل فني، فكان لابد من الكذب والادعاء، وأيضاً قضية استغلال امرأة حياته، هذه المرأة الآتية من أوروبا الشرقية إلى بلد الفن والحرية، لكن المجتمع الباريسي ليس مجتمع ملائكة، فهم أيضاً يبحثون عن خريطة جسد يسجلون عليه ملاحمهم. وهو تكرار آخر للنغمة نفسها والاستغلال نفسه لكل من المرأة وتاريخ بلدها. وبينما يعزف فيكتور في الحانات الباريسية، يوحى إليه بأن عُد، فيعود باحثاً عن وجوه يعرفها وموسيقى يتنفسها، وامرأة لا يجدها بعيداً عن تفاصيل شوارع وميادين يعرفها، إلا أن العقاب مرهون بوصمة الهرب، هنا تتشوه أصابعه، وكأن لحناً واحداً مأموراً بعزفه، هنا كان لابد ليده أن تنصت للأوامر وتنفذها، وإلا فلا موسيقى ولا حياة.

الأمل في الحياة الأخرى

ووسط هذه الانهيارات المتلاحــــقة، روحاً وجسداً، لا ســــبيل للعاشـــقين ســــوى اللجـــــوء إلى كنيسة منســـية شوهـــتها الحرب، وأمام مذبح منســـي بدوره يعلن كل منهما الزواج، ويُنهيا حياتهما على هذه الأرض، تاركين صخبها المُفتعل، وفقط لحظات أخيرة من الهدوء، وسماع أصواتهما المهموسة، أملاً في غناء متواصل لن يتوقف في عالم آخر مجهول.

الحرب الباردة

وإن كان الفيلم يستدعي وقت الحرب الباردة ليحكي حكايته، إلا أنه يصلح لسرد حكاية عن الهويات الضائعة، ولعبة الخسران المعهودة لكل صوت مختلف. فكرة الكيانات والدول التي ترتكن إلى حضارتها، وأن مسألة المحو تكمن في القضاء على هذه الحضارة، التي تبدو مظاهرها في الموسيقى، الملابس، أصناف الطعام وطريقة تناوله، وتأثير ذلك على علاقات الناس، بأن تنتهج نهج البلد الذي ينجح في احتلالك، لا يستدعي ذلك جيشاً أو فرقة عسكرية، فقط فرض نمط سلوكي، وأسلوب في الحياة يتم تصديره وكأنه الوحيد والأمثل، وإن لم تمتثل فاستعد للعواقب. بأن تكون بلدا زراعيا على سبيل المثال لك عاداتك وتقاليدك وتاريخك، وأن يصبح ويجب أن يكون مثلك الأعلى مجموعة من بدو الصحراء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية