القاهرة – «القدس العربي»: سيدة مصرية ميسورة الحال، ترتدي الحجاب، وثوبا للسهرة، وتحدث شابة في غضب بانكليزية ممتازة قائلة «don’t you tanty me»، أو ما يمكن ترجمته إلى العامية المصرية «ما تقوليليش يا تانت»، وهو ما يمكن ترجمته بدوره بالفصحى إلى «لا تناديني بيا عمتي». مشهد قصير للغاية وبسيط للغاية ومصري للغاية، نعرف من خلاله على الفور الطبقة الاجتماعية للحضور في المشهد، يمكننا أن نتخيل على الفور المنطقة السكنية في القاهرة، التي ولدوا فيها، والتي يعيشون فيها حاليا، والمدرسة التي ارتادوها في صباهم، والنادي الاجتماعي الذي يرتادونه. هي طبقة تتحدث الإنكليزية بطلاقة، بل تتشاجر بها، ولكنها أيضا ترتدي الحجاب وتحافظ على العديد من القيم التقليدية، ولكنها أيضا تحب إبراز مكانتها الاجتماعية.
هكذا في ثوانٍ معدودات، في مشهد كُتب بذكاء شديد، تمكنت المخرجة المصرية نهى عادل، مخرجة فيلم «دخل الربيع يضحك»، وهي كاتبة سيناريو الفيلم أيضا، من رسم نساء شريحة كاملة من المجتمع المصري. ويمكننا القول، إن الفيلم بأكمله يتسم بهذا الذكاء، وهذا النقد اللاذع الكاشف للمجتمع المصري، وهو فيلم يعرف حقا كيف يجعلنا نضحك بذكاء.
عُرض الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الخامسة والأربعين، وحصد العديد من جوائزه، ولاقى تفاعلا جماهيريا كبيرا، حيث ضجت القاعة بالضحك خلال الفيلم، والتصفيق عقبه. يتكون الفيلم من أربع قصص منفصلة، ولكنها متصلة في إطار درامي نُسج بوعي كبير، ويدور في عوالم يمكن وصفها بالنسائية. يقدم الفيلم لوحات رُسمت بصدق وعناية عن التجمعات المختلفة للنساء، وعن عالمهن الخاص، الذي يكشف الكثير عن المجتمع المصري بأسره.
تدور أحداث الفيلم في أربعة فصول يدور كل منها في شهر، ويجمع بينها جميعا فصل الربيع، ربما لأن فصل الربيع هو الأكثر تقلبا في الأجواء في مصر، حيث تهب فيه رياح الخماسين المحملة بالغبار والأتربة، ويبدأ بجو معتدل، وينتهي بقيظ يشبه قيظ الصيف الحار. هذه التقلبات في أنواء الربيع تنعكس على بنية الفيلم، حيث تبدأ كل قصة هادئة لا تنذر برياح، أو بقيظ، ثم تتصاعد لنرى الوجه الآخر من الربيع، الذي تهب فيه الرياح المحملة بالغبار الخانق والتي تنذر بقيظ الصيف. تدور أحداث كل قصة من قصص الفيلم في مشهد واحد ممتد، يتطور المشهد ويتصاعد وتعلو نبرته الصوتية عن طريق الحوار، ويصبح التصعيد والانفلات من الهدوء وصولا إلى الصراخ والتشابك بالأيدي والبكاء الهيستيري هو التطور الحادث الذي يبني له الحوار في كل قصة من قصص الفيلم. تلعب أدوار الشخصيات الرئيسية في الفيلم مجموعة من الممثلين غير المحترفين، ويضفي عدم معرفتنا لهذه الوجوه على الشاشة من قبل مصداقية أكبر للفيلم، فهم لا يعتمدون على نجومية أو على معرفة المشاهد لهم، بل على صدقهم في الأداء.
تبدأ القصة الأولى في الفيلم في شرفة منزل أسرة ميسورة الحال في منطقة المعادي. اليوم ربيعي مشمس وشجرة البونسيانا التي تظلل المبنى في كامل ألقها وازهارها. يتضح أن المنزل لأم أنيقة تقيم معها ابنتها المنفصلة عن زوجها، وقد جاء لزيارتهما جيرانهما في المبنى، وهما الأب الذي يقارب عمره عمر الأم، والابن الذي يقارب عمره عمر الابنة. تبدأ الجلسة ودية لطيفة، ولكن سرعان ما نعلم السبب الحقيقي للزيارة، وتتكشف الأسرار المخبأة تحت السطح الهادئ المبتسم. وسرعان ما تتحول الجلسة الربيعية الهادئة إلى تراشق بالكلمات اللاذعة والاتهامات المتبادلة. ومن خلال هذه المشهد العائلي الصغير في شرفة منزل بيت ميسور، يتكشف الكثير من الأسرار عن هاتين الأسرتين. تلك الأسرار بدورها تكشف الكثير عن دواخل الطبقة المتوسطة في المجتمع المصري.
يمكن القول إن قصص الفيلم الأربع تعتمد الإيقاع نفسه، الذي يبدأ هادئا مبتسما لا ينذر بشيء، وسرعان ما يشتد الإيقاع ويحتد، وفي ثورته السريعة نعرف الكثير عن المجتمع المصري، وأسراره، وتحيزاته، وطبقاته، خاصة نساءه.
تتشابك شخصيات الفيلم في قصصه المختلفة باللسان والأيدي أحيانا، لكن الفيلم ذاته يبقى بعيدا عن هذا الاشتباك، فلا ينحاز لرؤية عن أخرى، ولا لطبقة عن أخرى، ولا لنمط من النساء عن آخر. يبدو الفيلم توثيقيا في نظرته للأمور، يوثق شريحة من نساء المجتمع المصري وحياتهن وأنشطتهن وما يغضبهن وما يحزنهن ويصور تحاملاتهن وتحزباتهن، ولكن من دون تمجيد أو إدانة. يمكننا فهم من أين ينطلق سلوك كل منهن ودوافعهن، مع سرد محكم لا يسهب في القول، ولكن كل التفاتة وحركة أو حتى دخان سيجارة يقول الكثير.
يرسم الفيلم بدقة ومصداقية كبيرة مجتمع النساء في مصر، خاصة نساء الطبقة المتوسطة. نفهم هواجسهن، وخوفهن من انصراف اهتمام الأزواج وانشغالهن بنساء أقل عمرا، أو محاولة بعضهن التشبث بالشباب عن طريق عمليات التجميل والحقن والبوتوكس. نشهد غيرتهن من بعضهن أحيانا. نرى محاولات إحداهن لإثبات انضمامها لطبقة النساء بنات الأسر العريقة بامتلاك خاتم ألماس تبرهن به أنها تفضل الماس على الذهب، الذي تعتبره نساء الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة سوقيا بعض الشيء. ولكن سرعان ما تنكشف حقيقة الأصل الطبقي لتلك المرأة، حين تفقد الخاتم الماسي وسط صالون مزدحم لتصفيف الشعر. تلعب الطبقة والانتماء لشريحة اجتماعية بعينها دورا كبيرا في الفيلم، فنساء كل قصة نتاج واضح لطبقتهن.
في فيلمها الطويل الأول رسمت نهى عادل مجموعة دقيقة من المنمنات والبورتريهات الصادقة للغاية، التي تضعنا وسط مجتمع نساء الطبقة المتوسطة في مصر بكل شرائحهن العمرية، وفي نهاية الفيلم، كنا نتمنى لو بقي معنا أطول من ذلك.