فيلم «ريش» لعمر الزهيري: ذكر مصري لا ينفع

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

كان ـ «القدس العربي»: شاهدنا فيلم «ريش» للمخرج المصري عمر الزهيري في أسبوع النقاد في مهرجان كان، وفور إضاءة أنوار قاعة العرض بعد انتهاء الفيلم، كنا قد تيقنا أننا أمام فيلم مهم لم تشهد السينما المصرية ما يضاهيه إبداعيا منذ أعوام. ولم يخيب الفيلم الظنون، حيث فاز بجائزتي أسبوع النقاد الدولي في المهرجان، وبجائزة الاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسى فيلم يجمع بين الواقع والفانتازيا، في ما يشبه عالم الواقعية السحرية، ليضعنا أمام صورة قاتمة ساخرة للأسرة المصرية، وللذكر المصري، وللمرأة في مصر وما تشهده من عذابات في المقام الأول.
ولتكن بدايتنا من عنوان الفيلم، «ريش».. الفيلم ببساطة عن رجل مصري، زوج وأب، يتحول إلى دجاجة، لم يختر الزهيري لفيلمه مثلا اسم «دجاجة» لأن في الدجاجة ما ينفع، فيها لحم يمكن أن يقيم الأود، أو يمد الصغار بالزاد، أو يوفر لهم البيض أو ما شابه. لكن ما نفع الريش! الريش هو سقط المتاع هو ما يُتخلص منه أو يُلقى في النفايات بعد الحصول على ما ينفع من الدجاجة.
هذا الزوج والأب المصري إذن هو سقط المتاع، هو ما لا يجدي وما لا ينفع.. هو أب وزوج فقير يحتفظ بجنيهاته القليلة في صندوق عتيق يحتفظ بمفتاحه، ويمن على زوجته بقروش معدودة تشتري بها ما يسد أفواه الصغار. ويقرر هذا الأب، الذي يعيش هو وأسرته في منطقة صناعية فقيرة، يكسوها دخان المصانع والغبار، أن يقيم حفل عيد ميلاد لطفله الصغير، وفي ذلك الحفل يتحول الأب بفعل لعبة ساحر إلى دجاجة. يترك زوجته خفيضة الصوت دوما، منحنية الهامة والرأس دوما، المنصتة لتعليماته دوما، لتواجه العالم في محاولة لتدبير قوت يومها، وما يوفر لقيمات معدودات لصغارها. لو أننا محل هذ الأم المسكينة، لربما فكرنا في ذبح هذه الدجاجة التي كانت أبا لإطعام الصغار. لكن هذه الأم والزوجة التي تشربت من المجتمع هذا التبجيل للرجل والأب والذكر، تقرر أن تمنح هذه الدجاجة/الزوج/الأب مكان الصدارة في البيت، متخلية عن غرفتها وفراشها لهذا الريش. بيد أن الأمر الساخر حقا في الفيلم هو أن هذا الزوج/الدجاجة ليس بأسوأ نماذج الرجال في الفيلم، أو في المجتمع المصري ككل. هو رجل أفضل ما يمكننا وصفه به هو أنه رجل قليل الحيلة، صاحب تطلعات ذكورية سلطوية على ضعفه. هو رجل يعيش خيلاء الذكورة على فقره، فيحدث زوجته عن بعثة زار فيها أحد البلدان، الذي يوفر لكل فرد بقرة يشرب حليبها باردا أو ساخنا، حديث يفترض به أن يبهر تلك المرأة الصامتة، التي لم تخبر من الدنيا شيئا. هو رجل يمني طفليه رثي الثياب بطاولة بلياردو. هو رجل يرى أن شراء نافورة يزين بها البيت الرث ويباهي بها ذاته أمام الجيران والأصدقاء خير من سداد إيجار منزله المتأخر المتراكم منذ عدة أشهر. هو رجل قدوته ومن يتطلع له في الحياة ليس خيرا من ذلك الذي يعمل في تهريب السلع والبضائع، بل إنه يتزلف إلى هذا المهرب علّه يحصل منه على بعض المال.

2021-08-04_14-14-02_134258

إحدى المفارقات الرئيسية في الفيلم هي أن هذه الدجاجة التي كانت رجلا تعيش حياة أفضل مما يعيشه البشر في الفيلم. هذه الدجاجة تنام على فراش وتحصل على طعامها قبل باقي الأسرة، وحين تمرض تهرع بها الزوجة إلى المستشفى لتدفع مئات الجنيهات لعلاجها، رغم الهوان والذل والتنمر والتحرش الذي تواجهه الزوجة للحصول على قروش معدودة لإطعام الصغار. نرى اللحم قاسما مشتركا في العديد من مشاهد الفيلم، تعمل الزوجة في مصنع للحوم الدواجن بعد تحول الزوج، لحوم لا تجرؤ حتى على اشتهائها لفقرها الشديد، ثم نراها تعمل في قصر سيدة ثرية تطعم كلبها المدلل لحما تتوق الزوجة لمذاق قطعة منه، تسرقها خلسة للصغار، ثم نراها تنظف لحم السمك من الأشواك لتقدمه لمخدومها في متجر ما. هي امرأة فقيرة تشتهي اللحم بمعناه الحرفي، اللحم الذي يقيم أود الصغار ويغذي الجسد الضعيف، لكنها هي أيضا ينظر لها الرجال على أنها قطعة لحم يمكن افتراسها. تدرك بعد فترة وجيزة أن مساعدة الرجال لها لا تأتي إلا مشروطة بتحرشهم بها أو باستغلالهم لاحتياجها. هم يرونها قطعة لحم سائغة لمجرد غياب الرجل/الدجاجة.
يقدم الزهيري عالما سيرياليا غرائبيا، كما لو أن الأبوكالبس قد حل بمصر فاستحالت رمادا ودخانا وغبارا، لكن هذا الواقع الغرائبي الذي تواجهه هذه الزوجة والأم لا يختلف كثيرا عن المعاناة والتنكيل والتحرش والاستضعاف الذي تواجهه الكثير من النساء في مصر.
والسؤال الذي يراودنا أثناء مشاهدة الفيلم هو، ترى إذا عاد هذا الرجل إلى صورته الأولى وذهبت الدجاجة هل ستختلف حياة هذه المرأة؟ هل ستتحسن؟ هل ستجد بعض الراحة؟ ربما تشير نهاية الفيلم الصادمة إلى إجابة هذا التساؤل. واقع الحال هو أن هذه المرأة ستواجه الأمرين، وتواجه شظف العيش، وأعين الرجال وأيديهم، وستواجه قسوة المجتمع وغلظته، سواء كانت بمفردها أم حاملة لحفنة من الريش.

https://www.youtube.com/watch?v=sRnwV8eBKxs

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية