لا قيمة لأي عمل إبداعي إذا لم يضع المتلقي أمام لحظة يتحول فيها الشكل الفني إلى حالة يتقاطع فيها مع ذائقته المتكلسة، حيث يتداخل الغموض باعتباره حافزا قويا لإثارة التساؤلات مع الإحساس العالي بالدهشة، وما ينبغي التأكيد عليه انه ما من جدوى لأي عمل فني لا يحقق صدمة جمالية تدفع المتلقين إلى ان يعيدوا النظر بما يستندون إليه من مقاييس واشتراطات نقدية في توصيف العمل الإبداعي، وفيلم «ريش» للمخرج المصري عمر الزهيري توفرت فيه مجموعة من العناصر الفنية بالشكل الذي جعله ينال جائزة النقاد في مهرجان كان في العام الماضي، وجائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان «الجونة» لهذا العام.
يبدو لي ان صانع الفيلم متأثر بدرجة كبيرة بأجواء الواقعية السحرية التي طرحها أدباء أمريكا اللاتينية في رواياتهم، حتى انك عندما تشاهده تتوهم للحظة بان ما تراه يمكن ان يكون في المكسيك أو كولومبيا ولن ينحصر الأمر في مصر وحدها، وهذا مايحسب للمخرج عندما تمكن من ان ينزاح بالمكان وبالأحداث وتحولاتها إلى منطقة من الصعب ان تكتسب ملامح بيئة معينة بذاتها، لكنها لن تكون إلاّ محسوبة على مكان في بلد من بلدان العالم الثالث بكل مافي هذا العالم من قهر وتدمير لكرامة الإنسان في أبسط حقوقه.
اتيحت لي عبر الإنترنت فرصة ثمينة لمشاهدة نسخة مقرصنة من الفيلم ورغم انها ذات نقاوة ضعيفة، لكنها لم تكن عائقا لاكتشاف ما يحمله الفيلم من بنية جمالية غريبة وصادمة في آن.
تمكن المخرج بأسلوبه من ان يبتعد عن أي توظيفات تقليدية في حركة الكامير وأحجام وزوايا اللقطات التي كان يسرد فيها مشاعر الزوجة التي ظلت طيلة زمن الفيلم تحاول ان تلملم أطراف حياتها مع أطفالها من بعد ان تحول زوجها إلى دجاجة على يد ساحر تم الاتفاق معه على ان يقدم عرضا خاصا يبعث الفرح والمسرة في طفليه بمناسبة عيد ميلاد أحدهما، ولما عجز الساحر عن استعادة الزوج لم يكن أمامه سوى الهرب مع مساعده لتبقى الزوجة تواجه قدرها في مواجهة صعوبات الحياة وتوفير لقمة العيش لولديها بعد ان تحول زوجها إلى دجاجة.
مغامرة فنية
أجمل ما في هذه التجربة السينمائية انها تحمل قدرا عاليا من المغامرة من قبل المخرج، لن يقدم عليها إلا الذين يملكون مخيلة فريدة، وقدرة كبيرة على إدارة فريق العمل وفقا لما يطمحون إلى تحقيقه بدون ان يتراجعوا خطوة إلى الوراء مهما بدا مشروعهم خياليا ومن غير الممكن تحقيقه، فأن تتوغل في أعماق الريف وترصد الوجوه بحثا عن شخصيات واقعية من بين سكان القرى تصلح ان تقف أمام الكاميرا، ومستبعدا من ذهنك نهائيا الاعتماد على أي ممثل محترف، فهذا لوحده إشارة على الثقة العالية بالنفس، وعلى ان المخرج كان مطمئنا من انه يملك الفطنة في ان يكتشف المواهب في أماكن أبعد ما تكون عن الاهتمام، وعلى انه يملك الوسيلة في ان يجعلها تتصرف بعفوية وبدون تكلف أمام الكاميرا. فعلى سبيل المثال فإن «دميانا نصار» القروية الشابة الصعيدية التي أدت شخصية الزوجة تقف لأول مرة أمام الكاميرا، ولم يسبق لها أن تلقت تعليما مدرسيا في حياتها حسب ما ورد على لسانها لما استعادت في لقاء مع إحدى القنوات الفضائية تلك اللحظة التي عرض عليها المخرج ان تمثل في الفيلم، ولما أخبرته بانها لا تعرف القراءة والكتابة، لم يعر للموضوع أهمية، وأصر على ان تكون هي التي تتولى تقديم الشخصية، وتمكن الزهيري من ان يبعث فيها الاطمئنان، ويزيح الخوف من داخلها وهي تقف أمام الكاميرا، وبدا ادائها بغاية السحر لانه خال من الكلائش والكاركترات التي اعتاد غالبية الممثلين المحترفين الاستعانة بها مع أي شخصية يضطلعون تأديتها، وأكاد أجزم بان دميانا قد سببت حرجا كبيرا لمعظم نجمات مصر بكل تاريخهن الطويل عند مقارنة ما قدمنه من شخصيات مع ما قدمته هذه القروية البسيطة من أداء عميق، عبرت عنه ببساطة وشفافية عالية. والفضل في ذلك يعود أولا وأخيرا إلى إدارة المخرج، الذي قدم لنا تحفة سينمائية، ستبقى حاضرة في الذاكرة لسنين طويلة، كما هو فيلم «المومياء» لشادي عبد السلام الذي تم إنتاجه عام 1969 والذي ما يزال حتى هذه اللحظة يعد من ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.
ويكاد التشابه بين الفيلمين ان يكون كبيرا، ليس من حيث الموضوع أو أسلوب السرد، انما من حيث عدم اعتماد أي تقنيات متقدمة في التنفيذ، خاصة من حيث الإضاءة والديكورات، فقد اعتمد الاثنان على أدوات مستوحاة من البيئة، الصحراء عند عبد السلام والريف الفقير المعدم عند الزهيري، فاستحال فقر المكان وبساطته بمخيلتهما إلى قوة شحن عظيمة لابتكار صور وتكوينات ومساقط ضوء وظلال غير مألوفة ومن واقع مألوف ليس فيه ما يثير انتباهنا، وقد إعانهما على تحقيقها من كان يتولى إدارة التصوير وتصميم الإضاءة، حيث استثمر عبد العزيز فهمي في فيلم «المومياء» المصادر الطبيعية مثل نور الشمس والقمر بشكل خلاق في رسم كل ما كان يسعى عبد السلام إلى تجسيده من أفكار وأحاسيس وتكوينات وقيم درامية، ولم يستعن إلا بأدوات إضاءة بسيطة جدا وبدائية بعد ان وجد نفسه في مكان لا تتوفر فيه الطاقة الكهربائية، وهذا ما لجأ إليه ايضا كمال سامي مدير تصوير فيلم «ريش» إذ لم نجده متكئا على مصادر إضاءة صناعية كما هو الحال في السينما التقليدية، بل عمد إلى ان يستثمر مصادر الضوء الطبيعية قدر المستطاع، انسجاما مع بقية العناصر المغرقة بواقعيتها، ابتدأ بالممثلين مرورا بالديكورات والاكسسوارات والأزياء.
عالم لم نكن نراه
نحن أمام تحفة سينمائية فيها من العناصر الفنية ما تمكنها من ان تستفز ذائقتنا، وتدفعنا إلى ان نكون في حالة من الحيرة، لا نستطيع فيها ان نرفضها ولا ان نتقبلها بسهولة، وهذا يعني ان خطاب الفيلم الفني ليس بسيطا، انما توفر على مستويات مركبة من القيم والدلالات بالشكل الذي يدعونا إلى ان نشاهده مرة أخرى. وهذا لوحده يعد غشارة واضحة على انه نجح في ان يدخلنا إلى ما كان يقصده المخرج من إيقاظ وعينا على عالم يعيش حولنا وبيننا، معبأ بالوحشة والقسوة والألم بشكل غريب لكننا لم نكن ولا نريد ان نراه، بل اننا نتعمد ان نتجاهله ونحتقره انطلاقا من مما نحمله إزاءه من إزدراء واستعلاء طبقي.
فيلم «ريش» يذكرنا بإنسانيتنا التي تبلدت وتحجرت ازاء طيف واسع من مجتمعاتنا العربية ما زالت تعاني الفقر وما يتركه فيها من بؤس وقهر وتدمير لأبسط حقوقها الإنسانية، يأتي في مقدمتها البيئة العشوائية التي تقيم فيها، وافتقارها إلى الحدود الدنيا لما تتطلبه الحياة الآدمية من خدمات صحية وتعليمية ومعاشية، وهذا ما أشار إليه الفيلم بلغة موحية تجسدت في أكثر من مشهد، منها مثلا مشهد الأزبال ومخلفات الحيوانات في أرضية المركز الصحي بينما كانت الزوجة جالسة مع أطفالها تنتظر استلام الدواء لمعالجة زوجها الذي تحول إلى دجاجة، كذلك المشهد المتكرر لاقتحام الغبار والأدخنة لبيت الزوجة من خلال النافذة.
هجوم متوقع
كان من المنطقي جدا ان يتعرض الفيلم إلى موجة انتقاد شديدة في مصر من قبل بعض الفنانين والنقاد والإعلاميين، ولم يكن رد فعلهم المتشنج منطلقه ملاحظات فنية تتقاطع مع رؤية وأسلوب المخرج، بقدر ما كان رفضهم للفيلم مبعثه دوافع لا علاقة لها بالنواحي الفنية. فقد عبر بعضهم بكل صراحة وسذاجة ان مهمة السينما ليست نقل الواقع انما تجميله، أي انهم يريدون من السينما ان تكون وظيفتها مثل وظيفة المرشد السياحي، وهذا يعني أن تتجنب الاقتراب من الواقع المهمش الذي يعيشه ملايين المواطنين. ختاما نقول إن هذه التحفة السينمائية أكدت مرة أخرى ان من الممكن إنجاز أعمال فنية مبتكرة من دون ان يكون تمويلها معتمدا على رأسمال كبير ونجوم مشهورين ونساء عاريات، فالمهم ان يكون لديك وجهة نظر خاصة تنظر بها إلى الحياة والواقع الإنساني، وان تكون أدواتك في إيصالها بسيطة وناضجة وعلى درجة من العمق في دلالاتها.