القاهرة -“القدس العربي”: لم يزل الكاتب الصحافي إبراهيم عيسى لا يُفرّق بين المقال وكتابة السيناريو، ويظن أن السينما مجرد عبارات وجُمل حوارية وكان الله بالسر عليم. يوسَم عيسى بالـ “الصحافي المشاغب” ولا ندري مَن أطلق عليه هذه التسمية، اللهم وإن لم يكن هو نفسه، كعادة شغل الصحافة في مصر. المشاغب يطرح الآن تجربته الثالثة في السينما، والتي جاءت بعنوان “صاحب المقام” بعد فيلمي “مولانا” 2017 و”الضيف” 2019. ولم يختلف الأخير عن التجربتين السابقتين، اللهم في كونه مسروقاً ــ كلمة مقتبس لفظة مهذبة بديلاً عن السرقة ــ من الفيلم الإسرائيلي “مكتوب” الذي أنتج عام 2017 ويعد علامة من علامات السينما الإسرائيلية الحديثة. ولكن .. ليت إبراهيم اكتفى بأن أتم الله نعمته عليه وسرق الفيلم بالكامل ونقله إلى السينما المصرية، بل “حط التاتش بتاعه” إضافة إلى نكهة المُشاغبة، ليحول الفيلم إلى عمل ثقيل الظل لا يخلو من الكلاشيهات والادعاءات التي لا تنتهي. النسخة المصرية أداء يسرا، وآسر ياسين، وبيومي فؤاد ــ طالع بروحين ــ أمينة خليل، ومحمود عبد المغني، ومحمد لطفي، وريهام عبد الغفور، ومحسن محيي الدين، ومحمد ثروت، وسلوى محمد علي، وسلوى عثمان، وإنجى المقدم، والراحل إبراهيم نصر. والموضوع من إنتاج أحمد السبكي وإخراج محمد العدل. وعُرض عبر منصة (شاهد) التابعة لمجموعة “ام بي سي” السعودية.
مكتوب
بداية يأتي اسم “مكتوب” مرتبطاً بكل ما هو قدري، حيث لا دخل فيه لإنسان، فقط إرادة الله، التي تتحقق رغماً عن الجميع. وهو تسليم بيقين إيماني راسخ في ذهنية الأغلبية من الشعوب المتدينة. في بساطة وبدون عبارات غامضة توحي بأهمية فارغة في أصلها يتم سرد حكاية (ستيف) و(شوما) حيث يعملان لدى رئيس إحدى العصابات في القدس، مهمتهما تتلخص في تحصيل الإتاوات بالقوة من أصحاب المحال والمطاعم في المدينة، والواقعة تحت رحمة الزعيم. وأثناء انتظارهما في أحد المطاعم، يتم تفجيره بالكامل نتيجة حادث إرهابي، ولا ينجو سواهما، وقد شاهدا الأشلاء في كل مكان، حتى أن التفجير قد أصاب شوما بالصمم، فلم يعد يسمع شيئاً، بينما ستيف لا يستوعب ما حدث، فقط معهما حقيبة النقود، التي يجب توصيلها للزعيم، إلا أن ستيف يتفق وشوما على الاستيلاء عليها، بحجة أنها كانت مع مساعد ثالث لهما، اختفى وقت الانفجار، لكنه في الحقيقة كان من أحد الضحايا. لكن لحظة الموت التي نجيا منها كانت كفيلة بأن يتفكرا ــ خاصة شوما ــ أنها رسالة من الله، وعليهما تقديم آيات الشكر والعرفان. عندما فكر شوما في مغزى ما حدث، عاد إليه سمعه، فتأكد أنه يسير على الطريق الصحيح. يتوجه الصديقان إلى حائط المبكى، وعندما يعاود الصمم شوما، يسترق صديقه ورقة مطوية من ورقات الأماني الكثيرة الموجودة بين ثنايا الجدار، ليكتب ما يريد حتى يستطيع صديقه القراءة. وفي البيت يستخرج ستيف الورقة، ليجد على ظهرها أمنية أحد الأشخاص، فيفكر شوما في تحقيقها له، وهذه هي الطريقة الوحيدة للتقرّب إلى الله وشكره الدائم على حظ النجاة، هنا يعود إليه سمعه ولا يفارقه أبداً. وتتواتر الأحداث، فيحقق الصديقان ــ الملائكة الآن ــ أمنيات البعض، بالنقود أحياناً، وبالقوة أحياناً أُخرى. كل ذلك من خلال حل لمشكلاتهما الشخصية، ليبدو العالم أرحب وأفضل وأقل قسوة قدر المُستطاع. كل ذلك في حكاية بسيطة ساخرة من المجتمع ومؤسساته وشخوصه، الذين يظنون أنفسهم أفضل من جميع المخاليق.
أول فيلم صوفي
ويأتي صاحب المقام، ليطلق صاحبه عليه مصطلح “أول فيلم صوفي” وبالطبع لا يوجد في السينما مصطلح بهذا المعنى، اللهم في مصر، والذي يمكن اعتباره “كلام جرايد”. المهم .. بطل الفيلم الصوفي نمط لرجل الأعمال، الذي لا يهتم سوى بالأموال ومصالحه، منشغل دوماً، وبالتالي بعيداً عن زوجته وطفله الصغير. والزوجة بدورها نمط آخر لزوجات رجال الأعمال، حيث التنزهات وحفلات أعياد الميلاد، لكنها وللحق تعمل في مشروعها الخاص ــ مُنتجات هاند ميد ــ المنتشرة في الأحياء الراقية. مساعدا البطل توأمان يقوم بهما بيومي فؤاد، واحد لابس بدلة سوداء، ذو لثغة يمثل الشيطان، وآخر يرتدي بدلة فاتحة اللون، يمثل صوت الرحمة. والمشروع هنا إقامة كومباوند إلا أن هناك مقاماً يهدد المشروع، فيُشير بيومي الأسود بهدم المقام، بينما بيومي الفاتح يرفض ذلك خشية غضب صاحب المقام ورواده. وبخلاف تفاصيل أكثر سذاجة، يتم هدم المقام، فتتعثر باقي المشروعات، حريق هنا وانهيار هناك. وفي الليلة نفسها تسقط الزوجة في غيبوبة لا تستفيق منها إلا قبل نهاية الفيلم بقليل، من الممكن اعتبار الزوجة الغارقة في غيبوبتها طوال الفيلم من أفضل ما حدث، فالتي قامت بدورها الفنانة الكبيرة أمينة خليل، وهو ما يدعونا للإيمان بكرامات صاحب المقام المهدوم. هنا يتغير الحال، فيبحث البطل آسر ياسين عن رضا أولياء الله، حتى تشفى زوجته وتعود للحياة. وندخل في جولة من زيارات الأولياء، من الحسين للسيدة زينب، والسيدة سكينة، وحتى الكنائس لم يبخل عليها رجل الأعمال بزيارته، وصولاً إلى مقام الإمام الشافعي ويأخذ الرسائل التي يرسلها المريدون، ويبدأ في مساعدة أصحابها، حتى أنهم أطلقوا عليه “مندوب الإمام الشافعي” ومن خلال نفوذه وسلطته يحقق بعض هذه الأمنيات والطلبات بالفعل.
روح الروح
الكثير يخلطون ما بين الفانتازيا والتخاريف، ويبدو أن التفرقة عند الكابتن مشاغب لا لزوم لها، كله بيتاكل. ليستحضر شخصية غاية في السذاجة والمباشرة، وكأنها البديل لشخصيات أُطلق عليها “أبو خطوة” وهو الشخص الواصل مع الله، والذي يمكنه التواجد في عدة أماكن في وقت واحد. قامت الفنانة يسرا بتجسيد الشخصية واسمها روح، وهي التي كانت ترشد البطل ــ الدرويش حالياً ــ إلى الاستمرار في البحث ومساعدة الناس. تظهر روح وتختفي كيفما تشاء ــ روح بقى ــ وتتجسد في عدة شخصيات محافظة على ابتسامة ونظرات مغوية قديمة تقاعدت، لكن حُب المهنة لا تحكمه السنوات. ممرضة، عاملة في الأمن، ست ماشية في الشارع، في محل محترم، يعني كده حاجة فيلم هندي قديم من اللي كان بيشوفهم “هيما الجن”. يمكن استثناء كل من الراحل إبراهيم نصر ومحمود عبد المغني من أداء الدُمى البارد الذي طال جميع الدراويش في الفيلم.
و”عادي بقى، هيساعد الناس وهيبقى بني آدم، مراته هتخف وتقوم لتمارس برودها المعهود” وهو في الآخر سيؤمن، ويقوم على طول ويبعث برسالة للإمام الشافعي. يا أهلاً بالتخاريف والدروشة يا عم إبراهيم يا اللي بتناضل ضد السلطة.
متآمر وأهبل
الفكرة الأساسية هي تحقيق أمنيات زوار المقام عن طرق آخر يعرف كيف يساعد الناس. وأن يتحول بدوره إلى كائن أكثر إنسانية. طبعا لا وجه شبه بين مقام المشاغب والفيلم الإسرائيلي والعياذ بالله. وإن تجاوزنا سنقول إنه توارد خواطر. “ما فيش سرقة ولا حاجة” هذا ما قاله الناقد طارق الشناوي تعليقاً على الفيلم والضجة التي صاحبته، وهو الأكثر كتابة واستعادة ذكريات مُسلية في الصحف والقنوات الفضائية. طيب يا عم الناقد .. وإن كانت الفكرة الأساسية ليست بالسرقة، فما هي في عُرف الناقد الجاد الملتزم؟!
يا ريت فعلاً أن يكون إبراهيم “لَطَش” الفيلم بالكامل، وحافظ على روح الكوميديا والسخرية الناقدة للجميع، من دون صخب وكلمات تبدو قوية ومؤثرة، لكنه كالمتآمر الساذج .. سرق وأضاف، فجعل المقارنة بين العملين في صالح الأخير بالطبع. وما الأمر في حقيقته سوى تجارة مصالح، كضرب التيار السلفي، الذي يُكن له عيسى العداء، حتى يقدم فروض الطاعة العمياء للدولة، إضافة إلى الإعلاء من اعتقادات ينسبها بالزيف إلى الصوفية، كحركة وكتلة رجالها خاضعون للنظام في كل وقت. حتى فكرة أنه ينتصر إلى ما يُطلق عليه “التدين الشعبي” فهي فكرة غائبة عنه، فهو لا يعرف الناس، ويُتاجر كغيره من مثقفي الصالونات بظروفهم وحالتهم المعيشية السيئة. فيعني .. “لو رجل أعمال كويس كده وبقى من مهاويس المقامات ممكن شوية مشاكل تتحل ــ يمكن قصده ساويرس ــ لكن فين الدولة ونظامها .. نشوفكم في الفيلم الجاي إن شاء الله”.