فيلم ‘عرباني’ لعدي عدوان: صراع الهوية والإنتماء … والعودة إلى الأحضان الرافضة!

حجم الخط
0

تأتي أهمية فيلم ‘عرباني’ للمخرج عدي عدوان ابن دالية الكرمل، من حيث انه يقدم تجربة جادة في تقديم سينما ذات هم اجتماعي وإنساني من خلال إطار راقٍ وتفهم ناضج لأهمية الفيلم كوسيلة تثقيف وارتقاء وجدانية، فهو بذلك خرج من دائرة الأفلام السياسية التي تتناول القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي والتي تميز بها عددٌ من مخرجينا، حيث يرصد عدوان في فيلمه الروائي قضيةً شائكةً للغاية وهي الحرمان الذي يقع على ابن من أبناء الطائفة العربية الدرزية.
يبدأ الفيلم مع عودة ‘يوسف’ (إياد شيتي) إلى قريته الجليلية بعد طلاقه من زوجته اليهودية، ليواجه الرفض من المجتمع الذي لا يتقبل عودته مع ولديه المراهقيَن. في البداية لا يستسلم ‘يوسف’، بل انه يحاول التعايش مع ابناء قريته، لكنهم يطالبونه بالرحيل مهددين إياه بحرق منزله وإبعاده بالقوة أذا تطلب الأمر ذلك. في تتبع للأحداث فإن الفيلم يتحول إلى كشّاف للحياة في هذا المجتمع المغلق المحافظ حيث ينتقل العدوان الذي كان مصوباً في اتجاه يوسف إلى أمه (زهيرة صباغ)، التي كانت مترددة في البدء بشأن عودته، فبأول المشاهد التي تجمعهما معا تصفعه على وجهه، الى ان رضيت عنه لاحقا وقررت مساعدته، مما وتّر علاقتها مع محيطها وجيرتها ومشايخ الطائفة وفي احد المشاهد نراها خارجة من إحدى الخلوات بعد شعورها بأنها باتت شخصاً غير مرغوب فيه.
تتعقد الأحداث وترصد المشاهد كثيرًا من المواقف والتعقيدات خاصة ان أبناء يوسف يصطدمون بواقع غريب عن الواقع الذين تربوا وعاشوا به قبل أن يتعرفوا على بيئة وواقع والدهم، فيواجه الابن (توم كارليخ) صعوبة التأقلم مع أولاد الحيّ ويطلب العودة الى أحضان والدته الا أنها ترفض ذلك، وترتبط الابنة المراهقة (دانيالا ندام) بعلاقة حب مع شاب مراهق من القرية (شادي مرعي)، مما يثير غضب الأهالي المحافظين، فتصل الشكاوى والتهديدات إلى الأب. مما يدفع العائلة للتقارب أمام خطر التهديد حيث يقدم عدوان اقوى مشاهد فيلمه حين يجتمع أفراد الأسرة في صالون البيت، خائفين، ينتظرون تنفيذ أو عدم تنفيذ التهديدات تجاههم.
كما يطرح الفيلم بصورة واضحة مشكلة الهوية والانتماء، ويبرز ذلك من خلال الحوار الذي يدور بين المراهقين في القرية والابن، فيتحدثون بلهفة عن رغبتهم في التجنيد ومن ناحية أخرى نراهم شديدي التعصب فيما يخص تقاليد الطائفة وفيما يخص الفتيات الدرزيات فهل هم جزء من المجتمع الإسرائيلي الليبرالي أم هم عرب دروز محافظون؟
الأفلام عموما، تهدف لدفع العقل للتفكير وإثارة الفضول وإمتاع البصر وتحريك المشاعر وفيلم عدوان الذي صاغ السيناريو نجح في تحقق معظم هذه الأهداف في تجربته الروائية الطويلة الأولى حيث يقدم صورة شديدة الثراء والجمالية للقرية، تدفع المشاهد للاهتمام بما يراه على الشاشة، يتعاطف مع الشخصيات ويرغب في أن يرى حلا لأزمتهم،كما أن مشاهد الصمت أتاحت الفرصة كي تتأمل الصورة ، وأن تتابع الإيماءات وحركة العيون ولغة الجسد فكانت هذه المشاهد الصامتة معبرة تقول ما عجزت عنه الكلمات. إلا أن السيناريو يعاني من بعض الثغرات فلم نعرف تفاصيل القطيعة وغضب البنت من والدتها ولماذا ترفض حتى الحديث معها ولماذا صديق يوسف (محمود أبو جازي) أصبح من اشد المهاجمين له خاصة أن اللقاء الأول بينهما كان حميميا مع العلم انه كان على علم أن زوجته (لوسي هريش) كانت قبل زواجهما بعلاقة مع يوسف.
فيلم ‘عرباني’ وهي كلمة تعني العربي والعبراني جدير بالمشاهدة، فهو فيلم إنساني بإمكان كل مشاهد ان يتفاعل مع أحداثه دون صله لانتماءاته الطائفية والعرقية والاهم انه يطرح سينمائيا بجرأة ولأول مره قضايا وملفات خاصة بالمجتمع العربي الدرزي لم يتم التطرق اليها بأعمال فنية سابقة ومع هذا فضل عدي عدوان أن تكون نهاية الفيلم قريبة من الواقع المقبول بالمجتمع الدرزي الذي تتناوله قصة الفيلم ويبقى السؤال المطروح هل سيتقبل المشاهد العربي الدرزي تفاصيل الفيلم بترحاب ويفتح الباب لحساب الذات والنقاش ام سيرفضه ويهاجمه خاصة انه يقدم صورة لمجتمع يفضل إقصاء احد أبنائه ليحافظ على تقاليد ومعايير يحرص على الحفاظ عليها..

‘ ناقد سوري

شادي بلان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية