فيلم «عصابات» لكمال لزرق: الدار البيضاء في دركها الأسفل

يبدأ «عصابات» وهو أوّل فيلم طويل لكمال لزرق، من حيث انتهى فيلمه القصير «مول الكلب» (صاحب الكلب) هو – من نواح كثيرة- رحلة مشابهة تُلقي بشخصياتها في منعرجات غير محسوبة ولا متوقّعة، مع استمرار حضور عالم الكلاب وإيحاءاته. فالمشهد الأوّل هنا متعلّق بالمشاهد الأخيرة من «مول الكلب»؛ كما يرتبط الفيلمان معا برحلة سيزيفية تواجه شخصياتها عالما أقوى يضيق بها حد الاختناق..
تُفضي مبارزة بين كلبيْ زعيمي عصابتين الديب (الممثل عبد اللطيف البكيري) وغريمه جلوطة (محمد الكربوشي) إلى موت كلب الديب وإشعال نار حقد نستشعرها في نظرات الخاسر وهو يجترّ المهانة والألم، فعلاقته بكلبه تتجاوز حالة التباهي التي يعيشها غريمه، وإلا لما حاول ما أمكنه إعادته من الموت! لذلك سيقرّر الشروع في انتقامه. خطّته اقتضت خطف الأخرس مساعد جلوطة الذي يعزّه كثيرا، يكلّف الذيب «حسن» (عبد اللطيف مستوري) بخطف «المساعد» (الممثل محمد حميمصة) مستعينا بابنه عصام (أيوب إليد) لحظتها ندرك أنّ العلاقة بين هذه العصابة الثنائية الأب وإبنه تقف على طرفي نقيض، هما نموذجان مختلفان، الأب اختار طريق الليل وعالم الجريمة، بينما يكافح الابن بصبر لعلّه يحظى بابتسامة حظ تنجيه من مصائر أقرانه في الحيّ، بل مصير والده، وهو أقرب نموذج له.
يشرعان في مهمتهما التي بدت سهلة، فبعد حصولهما على سيارة نقل صغيرة من نوع سوزوكي، يباغتان «الأخرس» في بيته، يقيّدانه ويحشرانه داخل السيارة، ثم مباشرة إلى بيت الذيب. كانت ستكون أسهل مهمة قام بها حسن عبر ماضيه الاجرامي، لكن فجأة وبعد عرض المخطوف على الديب، يكتشفان أنه مات خنقاً، يستشعر الجميع حجم الورطة.. يتبادلون الاتهامات، لكن الذيب يحسم حالة الارتباك بضرورة التخلص من الجثة، ويأمر حسن وابنه أن يأخذاها إلى مجيد، وهو رجل من رجاله القدماء. وهو ما يعني قطعهما مسافة طويلة لم تكن متوقّة إلى القرية حيث يعيش، تنتهي برفضه المهمة، واقتراحه دفن الجثة في مكان قريب، كادا يقتلان فيه بعد أن باغتهما أهل القرية، هنا يرتجل حسن حلاً آخر ويلجأ إلى العربي البحار (الممثل لحسن زيموزن) دائم السكر والعربدة، وبعد مواجهة صعوبة كبيرة في إفاقته من حالة السكر وصعوبة أكبر في إقناعه، ينجح حسن بشرح الأمر وسهولته؛ الدخول بالقارب وإلقاء الجثّة في البحر وإحاطتها بسلاسل ثقيلة كي تختفي تماماً.. لا شيء صعب، يدخل العربي ويصر أن يدخل لوحده. أراد أن يثبت للجميع أنّه ليس سكرانا وأنه قادر على إنجاز المهمّة في عالم تتراجع فيه قيمة الرجل عند أية خطوة تردّد، وبعد انتظار طويل تدفع الأمواج القارب إلى الشاطئ، الجثة هناك لكن أين العربي؟ الظاهر أنه بفعل حالة السّكر وثقل الجثة سقط هو بدلها، يصاب الأب بحالة من التيه وسط سيل من الاتهامات والنقد من ابنه بسبب قراراته الغبية، ثم يتولى هو سياقة السيارة ويتولى أيضا تدبير خطط التخلّص من الجثّة، في استسلام تام للأب، ثم تنتهي خطط الابن أيضا إلى اختطافه من قبل أفراد عصابة «جوطة» فيُعلم حسن الذي يلجأ من جديد إلى الديب بخيبة أخرى يرجوه أن يتدخّل لأنّ الأمر يتعلق بابنه، تنبعث شرارة الحقد القديم بينه وبين جوطة، فيحشد جيشا من الساخطين على سطوته وهيمنته لتنتهي الليلة بتخليص الابن وكسر جوطة وأتباعه. نفرح مع تخليص الإبن لأنه الأقل انغماسا في عالم الليل، لكن نظل في قلق عن مصيره في عالم كله فخاخ. صباحا يغتسل الإثنان في حمام الحي وهما في حالة حزن علّ تطهير الجسد يطهّر القليل من آثام ما اقترفانه ليلا.

نحن أمام فيلم مشحون ومختزل ومليء بالصدف، كاميرا متحرّكة في أغلب لحظات الفيلم ولقطات طويلة تأسر ما أمكنها من حياة ليلية، شاهدة عليها تارة، ومُدينة لها تارة أخرى، ونافذتنا على عالم قد لا نعرف عنه شيئا رغم أنّه في المتناول.
أسفل كل نافذة بيت وفي أحشاء كلّ زقاق هناك قصص مشابهة، نتعرّف على الدار البيضاء في درجاتها الدنيا، رحى تعرك حيوات الناس داخلها، وتصنع أقدارهم، في انعدام توازن بين قدراتهم وقسوة الحياة، ومع اختيارهم لليلها يزيد نزولهم في دركها.. الكاميرا هنا تبسط سلطتها خصوصا مع الإنارة الخافتة التي لا تتجاوز وجوه الشخصيات وأجسامها، يومئ هذا الخيار إلى معنى ما؛ فهذه الكائنات الهامشية تقف الآن على المنصة تحت الأضواء لكنها أضواء باهتة وخافتة وبالكاد تنير طريقا مختصرا إلى النجاة، هذا –ربما- يصنع جسر تعاطف بيننا وبين هذا الهامش، الذي لم يقابَل بغير نظرات الاحتقار وعدم الاكتراث في أحسن الظروف.. تكوين الإطارات مقلق لنا بقدر القلق الذي تعيشه الشخصيات، فتزيد شكوكنا حول مدى حسمنا في مسألة التعاطف مع شخصيات مثل «عصام» و»حسن».. شخصيات صنعتها حياة اللّيل والظلام، عبر صدف أو قرارات قد تكون مشابهة لما مرّ أمامنا للتو على الشّاشة، تبقى هذه المشاعر في منطقة البين بين، نتجاوزها دون ان نحسم قرارنا.
على مستوى طاقم الممثلين لا يمكنك إلا أن تشيد باكتشافات المخرج، فصدى الواقعية يتردّد كثيراً هنا في التركيز على ممثلين غير محترفين، إذ الحصول على العاطفة الحقيقة يبدأ مع أناس خبروا هذه الحياة، نفهم هذا بسرعة، فالبطللان يتقدّمان أمام الكاميرا ممثلين محترفين، لأن هذه الشخصيات تجد امتدادا طبيعيا في أزقّة المدينة القديمة بالدار البيضاء، تعرف ليلها جيدا، فلا غربة بين الكائن والمكان لاّنها تنتمي إليه في الأصل.
مع شخصية عصام (أيوب إليد) نختبر الورطة وحجمها في ملامح فتى صغير يريد أن يثبت للأب أنه «راجل» لكن خفقان القلب والخوف يمنعان ذلك، فيظهر الارتعاب على ملامحه، لكنه يتحوّل فجأة إلى ثبات وتجلّد، وهذا التحوّل لا يمكن إلا أن تقف خلفه موهبة شحذتها عين المخرج وإدارته، بين ترك الممثل لتعبيره الحقيقي وكبحه للحصول على انفعال مناسب، نفس الأمر يمكن ملاحظته في شخصية الأب، الذي يستبد به الخوف فتختفي رجولته أمام عوالم روحانية يراها منفردا، بسبب ما اقترفه، يربط ذلك بعالم الجن، وبلعنه الجثّة.
شخصية أخرى تفاجئنا هي رجل محطّة الوقود الذي ينجح في إثارة الرعب في النفوس، خصوصا مع لحظة الاختفاء، والتغيّر من النقيض إلى النقيض، من المدنّس إلى المقدّس، شيطان يعتلي المبنى للإعلان عن موعد صلاة!
من الواضح أن كمال لزرق يكتب عن عالم يعرفه جيداً، واحتكّ به إلى درجة القدرة على رصد الخط الفاصل بين الخير والشر لدى شخصياته، والإمساك بلحظة اتخاذ القرار لدى فئة من الناس لعبتها مع القدر غير عادلة بالمرة. الاهتمام بالكتابة ومسار تطوّر الشخصيات في علاقتها بالحدث واضح، لحظات الضعف والإنكسار في عالم له قوانينه ساهمت في تطّور الحدث كما الشخصيات، خصوصاً لحظات الاهتمام بتناقضات عالم العصابات، أهمية حياة الكلب مقابل حياة الإنسان، الامتناع عن تقطيع الجثّة واعتبار ذلك من انعدام مروءة الإنسان، ضرورة تغسيل الجثة قبل التخلص منها… فلهذا العالم قيمه رغم كلّ شيء! إذ يصرّ الأب على غسل الجثّة قبل دفنها، ويرفض مشاركة ابنه في تقطيعها وحرقها، أحدنا يجب أن يكون رجلا، هكذا يخبر ابنه الذي همّ بحمل السكاكين، والغالب أن استثناء نفسه من صفة الرجولة تلك اللحظة كانت نابعة من الورطة، التي أقحم ابنه فيها. تصير هذه التفاصيل فرصة لاستعادة ما نعرفه عن الناس، فقد تدفع صدفة بحجم ذرّة إنسانا إلى مصير بحجم العالم.
اختيار الشخصيات كان مثاليا، وجوه بصمها الزّمن، ولحياة الليل وظروفه أثرها فيها، آثار جروح قديمة، بؤس، شرارات غضب وتحفز وشرّ، خليط من الشخصيات قد لا تراها خلال النهار وحتى إن رأيتها فامتدادها الحقيقي يكون ليلا لأنه زمنها الخاص.

كاتب وناقد سينمائي مغربي

فيلم عصابات
كمال لزرق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية